سلام السعدي
توشك مغامرة تنظيم داعش في مدينة الموصل على الانتهاء. فالمعركة التي انطلقت قبل نحو ثلاثة أسابيع تحقق تقدما عسكريا متواصلا سوف يفضي إلى تحريرالمدينة في نهاية المطاف.
يبدو ذلك واضحا بمتابعة تفاصيل المعركة، ولكن أيضا، بمتابعة التسجيل الصوتي لزعيم التنظيم أبي بكر البغدادي. إذ يشير حجم اليأس والإحباط في كلماته إلى أنه يعيش أيامه، أو أسابيعه، الأخيرة كـ“خليفة للمسلمين”، ليشهد انهيار “الخلافة” التي لم تكمل عامها الثالث بعد. في رسالته الصوتية الأخيرة، هاجم أبوبكر البغدادي الجميع من دون استثناء، مكرسا ظاهرة فريدة تخص التنظيم دون سواه من التنظيمات السياسية – العسكرية عبر التاريخ، وهي انعدام وجود تحالفات وعلاقات سياسية مع أي طرف. التنظيم يعادي الجميع وهو أيضا عدو للجميع. انطلاقا من هذا الواقع، هاجم البغدادي “زعماء السنة” في المنطقة التي وصفها بـ“العلمانية المرتدة”.
لم يكتف البغدادي بالهجوم على دول المنطقـة والعـالم المـشاركـة بالتحـالف الـدولي ضد داعش، بل هاجم أيضا الفصائل الإسلامية العسكرية في مدينة حلب، ومن بينها جبهة النصرة، واصفـا إياهـا بأنها “خائنة ومرتدة”، وتسعى إلى تمثيل مصالح داعميها من “دول الكفر”.
لكن المؤشر الأهم على حالة اليأس التام التي يقبع بها أبوبكر البغدادي هو مهاجمة “أهل السنة” بصورة هستيرية متسائلا: “أفي كل مرة لا تعقلون.. استمرأتم الذلة والمهانة”، محاولا حشدهم خلف تنظيمه عبر الترهيب: “ما بقي لكم بعد الله إلا دولة الخلافة”.
يحيلنا هذا اليأس والغضب اللذان يحيطان بالبغدادي إلى حالة مشابهة انتابت الإسلامي المصري سيد قطب، والذي يعتبر من أهم وأوائل منظري السلفية الجهادية منذ ستينات القرن العشرين. اعتبر سيد قطب أن المصريين يعيشون في حالة من الجاهلية توجب العمل على إخراجهم منها. لاحقا، أظهرت التيارات السلفية الجهادية التي اعتنقت أفكار سيد قطب حالة إحباط ويأس من إمكانية تغيير قيم وسلوك “الأمة” ما دفعها إلى إباحة قتل المدنيين في مصر والجزائر وتحميلهم مسؤولية الحكومات التي اعتبرت فاسدة وكافرة.وكذلك الأمر مع أبي بكر البغدادي الذي يعبر عن غضبه من “أهل السنة” العاجزين عن تشكيل “الأمة” المسلمة. تلك الأمة، وبحسب قطب، يجب أن تستمد معتقداتها وأنظمتها وقيمها وأخلاقها من المنهج الإسلامي، ولكن وجودها “انقطع منذ انقطاع الحكم بشريعة الله” كما أكد قطب. إعادة تأهيل الأمة والتحرر من الجاهلية يستوجبان أن تكون “الحاكمية العليا في المجتمع لله وحده، متمثلة في سيادة الشريعة الإلهية”.
.لطالما كان مفهوم الخلافة الإسلامية حاضرا في أدبيات وخطاب الحركات الإسلامية. في وقت لاحق، حضر مفهوم الدولة الإسلامية بصورة أكبر وخصوصا بعد نشوء الدولة ككيان سياسي يحتكر ممارسة القوة على أراض محددة أولا (القرن السـابع عشر)، ومن ثم على أمة محددة (القرن الثامن عشر والتاسع عشر). ورغم مركزية هذا المفهوم لدى حركات الإسلام السيـاسي، فإنه بقي مبهما إلى حـد بعيد، ولم يجر وضع أي تصور لشكل تحققه المحتمل.

