بغداد / المستقبل العراقي
تكشف مطالبة التحالف الوطنيّ في 28 كانون الثاني، بضرورة التحقّق من التقارير التي تحدّثت عن وجود تلوّث إشعاعيّ في مدينة الصدر، في شرق العاصمة بغداد من جديد، عن الظاهرة التي يتكرّر الحديث عنها بين الحين والآخر، منذ بدأت الحروب في العراق في ثمانينات القرن الماضي، وهو ما يشير إليه الباحث كاظم المقدادي وهو مدير قسم البيئة في الأكاديمية العربية في الدنمارك بأنّ «العراقيّين يتعرّضون إلى مخاطر الموادّ المشعّة وأبرزها اليورانيوم، منذ أكثر من 20 عاماً».
وأكّد النائب في البرلمان حسن سالم رصد حالات تلوّث إشعاعيّ جديدة، بإعلانه إلى وسائل إعلام، عن «وصول نسبة التلوّث بالإشعاع الذي يسبّب السرطان في منطقة كسرة وعطش في بغداد إلى 62%» أكثر من الحالة العادية المقبولة، مبيّناً أنّ «سبب الإشعاع هو موادّ مشعّة ومعدّات عسكريّة».
وفيما أفادت تقارير استنشاق نحو ألف عائلة الهواء الملوّث إشعاعيّاً في مدينة الصدر في بغداد، قال الطبيب علي الطائي، وهو من سكّان المنطقة إنّ «الحالات المرضيّة الناجمة عن التلوّث الإشعاعيّ، تعود إلى فترة زمنيّة طويلة، بسبب المعدّات العسكريّة المتروكة، المشبعة بالموادّ المشعّة، ومخلّفات الحرب والتصنيع العسكريّ في زمن نظام صدّام حسين، لكنّ الجهّات المعنيّة لم تكن يوماً مهتمّة بالأمر، بالقدر الكافي».
لكن على ما يبدو، فإنّ الحالات المرضيّة، مثل تلك الناجمة في محافظة المثنى (جنوب)، عن مخلّفات حربيّة تعود إلى الحروب التي خاضتها البلاد، وتجدّد الدعوات إلى معالجة الأزمة، دعت جهّات سياسيّة إلى التحرّك لبحث المشكلة ومعالجتها، مثل دعوة النائب عن التحالف الوطنيّ حيدر الفوادي إلى «إرسال فرق للتحقّق من وجود تلوّث إشعاعيّ».وفي 29 كانون الثاني، أعلن مدير إعلام مكتب المفوّضيّة العليا لحقوق الإنسان في بغداد جواد الشمري إلى وسائل إعلام عن «إرسال فريق لتقصّي الحقائق حول وجود إشعاع مسرطن في مدينة الصدر في بغداد».
وكشف الشمري تفاصيل ما تمخّضت عنه الزيارة في «الحاجة إلى تخصيص نحو خمسين مليون دينار لغرض رفع المخلّفات المشعّة، وأغلبها معدّات عسكريّة متروكة في العراء».وقال الشمري إنّ «المفوّضيّة دعت مباشرة بعد الاعلان عن نتائج فريق التقصي بحكم واجبها في حماية حقّ المواطن في العيش في بيئة آمنة، إلى إجراء مسح ميدانيّ لمناطق العراق كافّة للكشف المبكر عن المواقع الملوّثة، والعمل على طمر مسبّبات الإشعاع فيها». كما دعا الشمري الأجهزة الأمنيّة إلى «تشديد الرقابة على أصحاب معامل الطابوق البدائيّة، الذين يستخدمون مخلّفات الحروب في عمليّات إشعال الأفران».وكشف وكيل وزارة البيئة الدكتور جاسم عبد العزيز حمادي الفلاحي عن تركة ثقيلة من التلوّث في المناطق التي شهدت معارك، ومعدّات حربيّة مشعّة»، لكنّه يؤكّد أنّ «هذه المناطق مصنّفة ومعزولة، وغالبيّتها مراقبة من قبل الوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة».
كما يكشف الفلاحي عن أنّ «الدولة العراقيّة لم تقف مكتوفة الأيدي أمام المشكلة، حيث تقوم جهّات عدّة متخصّصة بمراقبة نسب التلوّث الإشعاعيّ ومساحة المواقع الملوّثة، منها الهيئة العراقيّة للسيطرة على الموادّ المشعّة، ومركز الوقاية من الإشعاع ومديريّة معاملة النفايات المشعّة التابعة إلى وزارة العلوم والتكنلوجيا».
وأضاف: «تمّ تقسيم المواقع الملوّثة إلى قسمين، الأوّل يتعلّق بمخلّفات الحروب، وهذا مراقب في شكل دوريّ من قبل الوكالة الذريّة ويخضع إلى معاييرها، والقسم الثاني يشمل المواقع التي تعرّضت إلى القصف بقنابل تحتوي على اليورانيوم المنضّب، وهي تحت إشراف مركز الوقاية من الإشعاع ومعالجته». وعلى طريق الجهد العراقيّ للوقوف على أسباب التلوّث الإشعاعيّ ومعالجته، كشفت دراسة أكاديميّة في جامعة بابل (وسط)، نشرت في كانون الثاني 2017 عن وجود تلوّث إشعاعيّ في تربة مناطق عديدة في بابل، منها «مصنع الغزل والنسيج»، و»محطّة كهرباء المسيب»، و»محطّة كهرباء الإسكندريّة»، و»الشركة العامّة للسيّارات»، و»منشأة حطين الصناعيّة».
ويسعى عضو لجنة الصحّة النيابيّة النائب هاني العقابي إلى التقليل من تأثير كميّات التلوّث الإشعاعيّ ونتائجها السلبيّة، فيقول إنّ «الأماكن الملوّثة محصورة ومرصودة، وتتركّز في المناطق الغربيّة والجنوبيّة، وعدا ذلك فإنّ ما ينشر عبر وسائل الإعلام، فيه تهويل لحجم المشكلة».
كما يؤكّد العقابي أنّ «الزيارة إلى المناطق الملوّثة تخضع إلى إجراءات الأمان والسلامة، وهي مراقبة باستمرار، وليس هناك ما يشير إلى زيادة أعداد نسبة الأمراض السرطانيّة في العراق»، معتبراً أنّ «المجتمع الدوليّ لا سيّما الدول التي شاركت في الحرب في العراق، وفي مقدّمتها الولايات المتّحدة الأميركيّة، مسؤولة عن تقديم الدعم الماليّ والتقنيّ لجهود القضاء على التلوّث الإشعاعيّ». ولكن وفقا لمحافظ ذي قار يحيى الناصري لم تقم الولايات المتحدة بمسؤوليتها في هذا المجال.

