Feature

سما حسن
قالت أمِّي قديماً: إن البيوت أعتاب.. والمقصود أن هناك أماكن تجلب البركة والخير والرزق، وأماكن على العكس من ذلك تماماً، ولأن أمِّي، رحمها الله، تعرف كلَّ شيء، فقد تأكّدتُ من كلامها، من خلال تعاملي مع أصحاب محلاتٍ قديمة، لبيع المجوهرات مثلا، فلاحظت أن أصحابها يتمسَّكون بأماكنهم، على الرغم من قِدَم المحلّات، ولا يغيِّرون ديكوراتها، وقد صار لونها باهتاً؛ لأنهم يعتقدون أن البركة تأتي من هذه المحلات، بل إن أحدهم لا يزال يستخدم الميزان ذا المثقالين القديم في وزن الذهب، ولا يستخدم الميزان الرَّقمي، ويؤكِّد دوماً أن هذا الميزان هو «وشّ السعد» بالنسبة له. 
وعلى ذكر الطبيب المصري، محمد عبد الغفار مشالي، الملقَّب بطبيب الغلابة، والذي كثر الحديث عنه هذه الأيام، وزيارة وسائل الإعلام عيادته المتواضعة، أعرف أطبّاء يتمسَّكون بعياداتهم القديمة، ولا يغيِّرون الأثاث، ولا يوسِّعون المكان، على الرغم من ازدحام العيادة بالمرضى، والسبب أن هذا المكان بالذات هو العتبة الخضراء، بالنسبة لهم، والعتبة الخضراء يقصد بها المكان الذي يتوافد إليه الناس، وتتزاحم عنده الأقدام؛ فيأتي الخير والرزق. 
أعرف أطبَّاء لا يحرصون على زخرفة عياداتهم وهندستها، ولكن المرضى يأتون إليهم من الأماكن البعيدة، ويؤكِّد هؤلاء أنهم يشعرون بتحسُّنٍ بمجرَّد دخول المكان، على الرغم من بساطة العلاج ووسائله، بل إن الأجهزة التي يستخدمها ذلك الطبيب قد عفا عليها الزمن، ولكن يصرُّ على استخدامها، مثل طبيب الأسنان الذي يطلب منك أن تنهض عن كرسيِّ الكشف، ويشير إلى صنبورٍ قديمٍ في زاويةٍ من الغرفة، ويطلب منك أن تملأ كأساً على حافّته بالماء، وتمضمض فمك، وتلقي ما فيه في الحوض، ثم تعود أدراجك، وأنت تفعل ذلك بكلِّ رضا، في حين أن كلَّ عيادات الأسنان الحديثة توفِّر لك هذه الخدمة، وأنت جالسٌ إلى مكانك، فتضغط على زرٍّ أمامك؛ فينسكب الماء في كوبٍ شفَّاف، ولكنك تذهب إلى الطبيب الذي يطلب منك أن تقوم عن الكرسي، وتعود. 
وأعرف طبيب أطفالٍ كان يصرُّ على علاج مرضاه في بيت عائلته القديم؛ لأنه يرى أنه العتبة الخضراء، بالنسبة له، وبأنه المكان الذي عرفه المرضى، ربع قرن، ولا يريد أن يفقد زبائنه، على الرغم من انخفاض أجرة الكشف لديه، وفي الوقت نفسه، لا يريد أن يفقد مرضاه ذلك الشعور بالارتياح؛ بمجرد دخول البيت المنخفض الباب، عن مستوى الشارع، والذي تهشَّمت أرضيَّتُه، وتآكلت حوافُّ بلاطه، حتى رحل هذا الطبيب بمرض عضال، ولكن كلما مررتُ من أمامه، مع أولادي الذين أصبحوا في سنِّ الشباب، أشاروا إلى البيت، وترحَّموا على الطبيب، وتذكَّروا مداعباته لهم، وخفَّة يده، حين كان يضطرّ لوخز أحدهم بحقنة، لخفض حرارته. 

التعليقات معطلة