يقينا إننا لا نستطيع أن نحب شيئا ونسعى الى ان نحميه بجدارة حرص وسلامة وعي ما لم نكن نؤمن أولا بقيمته وجدارة استحقاقه،كما أن لحظات تذوقنا للجمال عبر الإحساس به هو امتلاك أبدي له، لذا جاء تحليل العلماء- مثلا- على أن البكاء لا يخرج من العيون بل هو من فعل وتحفيز الدماغ حين أخضعوا الجمال للعقل والنقاش والمنطق والتحليل العقلي،لكن الأمر- بعد ذلك – يتشعب ويكبر ليشمل نشاطات وفعاليات إنسانية أدق وأعقد بكثير من مجرد فعاليات كالضحك والبكاء وغيرها من مشاعر مقياس (ريختر) للحب والإعجاب… الصد والرد في عموم احترفنا العنيد والأكيد في نحر الكثير من المواهب والطاقات التي نقتلها بنصال سكاكين وخناجر النقد من دون أن ندرك بأن النقد ممارسة مرهونة ومقرونة ومسكونة بالوعي، وإننا في بلادنا – للأسف – لم نزل لا نجيد أولا نريد ان نجيد صناعة النجوم وإبرازهم برغم أنها معيار حضاري – فكري – جمالي يعي ويؤكد قيمة المنجز الإبداعي في كل مفاصل الحياة، كونها استجابات ضرورية للتدليل على صحة وعافية ونشاط وحيوية ذلك البلد، أسوق هنا مثالا شاخصا وقريبا تراءى لنا في قدرة ممثل فذ إخترق بدراية وجد وجهد وأداء مذهل جدار وحاجز التقليد الأعمى لدور شخصية السفاح (أبو طبر) الذي قض مضجع البلاد والعباد من شماله الى جنوبه بداية سبعينيات القرن الماضي عبر سلسلة جرائم بشعة أشرت تورط النظام -آنذاك- بالشك والغموض الذي كان قد إكتنف العراق حين كان يحبو صوب تأسيس (دولة المنظمة السرية) لا دولة مؤسسات كما يجب!!
مسلسل كبير حمل عنوان (أبو طبر) كتبه المبدع (حامد المالكي) الذي سبق وأن أتحفنا بأعمال مهمة ومؤثرة إتسمت بالذكاء والجودة والعمق وجاء -هنا- بعمل متميز ورصين كشف لنا عن طاقة نادرة للممثل (كاظم القريشي) حين جسد على نحو بارع حالات وانفعالات وهواجس وظنون وتصورات أبعاد التنشئة الاجتماعية لتلك الشخصية الشريرة المتناقضة في كل شيء بكل عمق وإحساس متفرد أثار فينا ثقة الإعجاب ودعوة الاحتفاء وضرورات التوقف والتأمل عند تخوم موهبة هذا الممثل- الذي لم ألتق به من قبل إلا بعد نهاية المسلسل- وحدود تأكيد معنى وجوده الفني لما جنا وحمل من مواصفات وملكات تضعه – بلا أدنى تردد أو مجاملة – في مصاف أكبر نجوم التمثيل في العالم، ولأقلها بلا ريب وبالموضوعية والحيادية المعروفة عني أن (كاظم القريشي) لا يقل أهمية عن كل من تخرج من أستوديو الممثل في هوليوود من أمثال مارلون براندو/ آل باتشينو/ داستن هوفمان وغيرهم كما لا يقل أيضا عن عمر الشريف وأحمد زكي وكل أولئك الذين لا يمثلون بل يقترحون بدواخلهم ودقة إحساسهم أداء أدوارهم التي خلدتهم في ذاكراتنا وفي ثنايا سجل تأريخ الدراما كونها معيارا إنسانيا وحضاريا كبيرا، كما فعل (كاظم) في (أبو طبر) وربما في أعمال أخرى مسلسل (الدهانة) و(طيور فوق أشرعة الجحيم) ومسرحية المخرجة المبدعة عواطف نعيم (جنون الحمائم) بكل هذا العنفوان والاقتصاد والتركيز والتماهي والتداعي الحر في ترجمة أحاسيسه بحجم ذلك الحنين الطاغي للقابليات التي يجب الاعتناء بها وزيادة لمعان نجومها كما تفعل أغلب دول العالم… يا جماعة الخير !!!.

