Pdf copy 1

لا يكاد فصل الربيع يمرّ على العراق إلا مرور البخلاء، فهو أيام معدودات يصعب التعرف عليها، واعتقد ان اطلاق تسمية (الفصل) كبيرة عليه، وانا بخلاف كثيرين، لا احب (الربيع العراقي) ولم أتعاطف معه، وليس في ذاكرتي صور مشرقة عنه، فمع قدومه كل عام، اعاني من الحساسية والربو والعطاس، ولكن معاناتي الاكبر هي مع طقسه المتقلب، ففي ساعات الصباح الاولى يكون الجو لطيفا منعشا، وشيئا فشيئا تبدأ درجات الحرارة بالارتفاع، حتى يتحول النهار قبيل الظهر وعند الظهر والعصر الى صيف مقرف، ثم يعود الى الاعتدال بعد الغروب، ومع الاقتراب من منتصف الليل تنخفض درجات الحرارة وتقترب في اغلب الاحيان من اجواء الشتاء، ولهذا لا ادري كيف أتعامل معه، وأي ملابس تصلح له!؟ 

قبل ثلاثة اسابيع على ما اظن، وانا في ظل (الربيع العراقي)، ذهبت الى سريري قرابة الحادية عشرة ليلا، وسحبت اللحاف فوق جسدي، وعلى عادتي اليومية حين أذهب الى الفراش، أعود الى رشدي واستغفر الله من ذنوبي النهارية التي لا تحصى ثم اقرأ الشهادة والفاتحة والمعوذتين والإخلاص والكرسي، ولا اكاد انتهي منها حتى اكون قد استسلمت للنوم، ولكنني في تلك الليلة اعدت هذا الطقس الليلي المعتاد عشر مرات من غير جدوى، الى ان اكتشفت علة أرقي، فقد ظهر ان الجو حار ولا يحتمل الغطاء، ولهذا تخلصت منه، وفعلا استغرقت في النوم فورا، ويبدو ان الجو قد تغير بعد ساعة او ساعتين، واصبح باردا، وربما شديد البرودة، لأن الاحلام الفوضوية الكثيرة التي داهمتني، لا يمكن إلا ان تكون احلام انسان نائم في جو بارد من غير لحاف!! 

على الرغم من تعاقب الأحلام في تلك الليلة بدون انقطاع، ولكن لم يعلق في ذهني الا آخرها، حيث رأيت نفسي عاطلا عن العمل، فتقدمت الى مؤسسة إعلامية تابعة للحكومة، وعرضت على لجنة المقابلة 6 آلاف (نموذج) من كتاباتي الصحفية نالت إعجابهم الكبير، حتى ان رئيس اللجنة ـ وكان على قدر عظيم من الادب الرفيع والتواضع الجم ـ قال لي بالحرف الواحد (المفروض يا أستاذ ان تكون مكاني.. على اية حال نحن نتشرف بقبولك)، وشكرته بالطبع جزيل الشكر على عبارته الكريمة، ولكن النتيجة التي تسلمتها بعد أسبوع قضت بعدم الموافقة على طلبي، لكوني عملت مع أبواق الأنظمة المقبورة منذ عام 1964، ولم اشأ الاعتراض او التذكير، ان 98% من العاملين في هذه المؤسسة كانوا يعملون في الاجهزة الاعلامية للأنظمة المقبورة، وذلك حفاظا على نفسي من القيل والقال ودوخة الراس!! 

وهكذا يمضي الحلم ويقودني الى ردة فعل غاضبة جعلتني أتقدم الى مؤسسة اعلامية تابعة لدولة العراق الإسلامية، ورحبوا بي اجمل ترحيب، غير انهم ما ان اطلعوا على بضعة الاف مادة صحفية نشرتها منذ 2003، حتى اكفهرت وجوههم، وقالوا لي بالحرف الواحد (انت اذن عميل وتتعاون مع الاحتلال)، وامروا بذبحي على الطريقة الاسلامية!!

حين سمعت العقوبة، اصفرّ وجهي، وسرت رعشة قوية في جسدي، وحاولت الهرب الا ان قدميّ لم تتحركا من مكانهما، وكنت كلما مرت لحظة جديدة ازدادُ خوفا وارتعاشا بحيث استيقظت من النوم وانا (اختض مثل السعفة) كما يقولون، وفي الحال دسست جسمي تحت اللحاف وشعرت بالدفء، ونمت (نومة) عميقة خالية من الأحلام!! 

التعليقات معطلة