المستقبل العراقي / حليم الأعرجي
رغم أن المبدأ الغوبلزي المعروف “اكذب .. اكذب ، حتى يصدقك الناس”، هو مبدأ اعلامي مشهور في الاعلام الغوغائي الكاذب.. بيد انه ايضا احد اهم اركان السياسة “ممارسة وسلوكا واسلوبا” وادبيات هذا النوع تطفح بأكاذيب لا حصر ولا عد لها .. فهي حاضنة معتمدة من قبل اولئك الذين لا يملكون غير الكذب في تمرير وجودهم كـ” حكام ” او ” قادة ” احزاب وتيارات، حتى بات من العسير البحث عن علاقة بين طبيعة نظام الحكم السياسي الحديث ومدى استخدامه او حاجته الى استخدام الاكاذيب للتبرير او التسويق او التزويق او لطمس الحقائق او للتضليل او للخداع او للظهور بمظهر مغاير ومخالف لما هو عليه.
يمتلئ خطابهم حد الفيضان بحرف “س ” و التلفيق والخيال الاسود والترويج والترتيش والتزوير المتعمد وقلب الوقائع رأسا على عقب والباس الباطل لباس الحق، ولباس العدل للظلم .. حتى بات، ليس اسهل من تخيل سياسيين ميكافيللي التوجه في اطار نظام حكم ديمقراطي ليبرالي، واسهل من ذلك تخيّل نظام حكم سلطوي ميكافيللي في تعامله مع تبريرات سياسته.
بالطبع لابد من القول، إن من اضغاث احلام التمني، الاعتقاد بان الديمقراطية الليبرالية متطابقة مع الشفافية وحق الوصول الى المعلومات بحرية، وإنها تعني المساءلة والمحاسبة ومن المفترض ان هذين المركبين يتطلبان حق الناس بمعرفة الحقيقة، عن أهداف ودوافع ونيات ، وبالتأكيد عن افعال السلطة الحاكمة … هذه كلها قيم مرغوبة لا بل مطلوبة في الديمقراطية واهم تماما ، ان لم يكن محتال مخادع، من يعتقد انه من الممكن استخدام الديمقراطية “قناع” يخفي فيه وجهه الحقيقي ، فمتى لو لم يستطع احد من المحيطين به والمستفيدين منه ، مصارحته بانه صار معروفا تماما على حقيقته وان اكاذيبه لا تخدع احدا وتجارته في هذا الميدان اضحت بائرة لا احد يقترب منها ، فان الشعب ، ومعه كل الاخيار في العالم لن يترددوا من فرض ارادته وتأكيد قدرته على ازاحة ظالميه ومغتصبيه ومغيبيه وتعليمهم درسا لا ينسى في الاخلاق والربيع العربي بعيد عنا.
لقد برع البعض في اخفاء مكوناتهم واعمالهم المخزية، خلف سحب كثيفة من الدخان الأسود، من الأكاذيب والتزوير من اجل تجنيد غالبية الناس لتأييدهم في خطوة ما خطوها او في تنفيذ مشروع معين في السياسة او الاقتصاد او اي شيء آخر ما كانوا ليؤيدوها لو عرفوا الحقائق التي حجبت عنهم.
اذكر في هذا الصدد عدد من الاكاذيب التي اريد بها ومن خلالها تكريس فكرة ان الحاكم الذي اطلقها، صادق في شعاراته وفي مشروعه وفي ايديولوجيته.
* اطلق حكام العهد الصدامي، شعار “اليوم .. اليوم .. وليس غدا” في اطار ادعاءاتهم ووعودهم وطروحاتهم وتنظيراتهم حول القضية الفلسطينية، وكان الشعار كاذبا اريد به كسب تأييد الناس لهم واجبارهم على الانخراط في حزبهم ومعاداة القوى الاخرى.
*واطلقوا شعارا آخر لا يقل كذبا عن سابقه وهو: ” كل شيء من اجل المعركة” وكان هذا الشعار مكرسا لاحراج دول المواجهة “سوريا والاردن ومصر”.
*اطلق حزب البعث شعار ” الوحدة ” لاحراج نظام عبد الكريم قاسم، وعندما وصل الى السلطة في 1963 امتنع عن اقامتها وبدء نظامي البعث في العراق وسوريا يناوران ويسوفان ويماطلان في المفاوضات التي جرت طوال ثلاثة اشهر، وبعد كل ذلك تمخض الفيل فولد فئرا حيث صدرت قرارات كاذبة وغير صادقة بالمرة بصدد اقامة “الوحدة الاتحادية” في نيسان 1963 …
*وظل البعث يطلق المزيد من الشعارات ” الوحدوية ” دون اية مصداقية بل ان البعث كان الوحيد الذي عارض تخصيص مبالغ سنوية ، كتبرع من الدول العربية لدول المواجهة “مصر والاردن وسوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية” من اجل تدعيم المجهود الحربي وتعزيز قدراته الاقتصادية.
*واذا اردنا ان نحصي عدد الافعال والاعمال الذي تعهد بها الحكام الذين تداولو السلطة في العراق بالدبابة او بغيرها من وسائل المكشوف او المستتر.. فاننا سنكتشف عجزنا التام من القيام بهذه المهمة العسيرة جدا وخصوصا تلك التي قبلت مسبوقة بحرف “السين” الملعون فقد بلغنا مصاف الدول العظمى بالكلام والشعارات الكاذبة! وصرنا نكتفي ذاتيا بالصناعة والانتاج النباتي والزراعي او صرنا نصدر العمالة الى الخارج والكفاءات العلمية! واستطعنا استصلاح الصحراء او مقاومة التصحر والملوحة وتمكنا من محو الأمية والقضاء على الامراض المتوطنة! وانهاء مشاكل البطالة والفساد والرشوة!
نعم عشنا وما زلنا حياة “غش” و “كذب” فنمنا على زبد الوعود يداف في عسل الكلام فادمنا سماع “الافعال والاعمال” المؤجلة بحرف السين… حتى بات من السهل على اي مسؤول اطلاق عشرات بل مئات “السينات” دون ان يفكر ولو للحظة ان قيمة الانسان في لسان ، فان فسق، فسق وان كذب كذب، وان صدق صدق، لذلك فلا وصف اعظم من الوصف الذي وصف به الله نبيه العظيم محمد بن عبد الله “ص” (الصادق الامين) بهذا القدر من التفخيم والتعظيم يحتل الصدق مكانة التوصيف المتفرد لنبي المحبة والرحمة، وبعكس ذلك يوصف الكذاب مسيلمة بـ”الكذب” دليل زيف نهجة وبطلان مشروعه.
ان من ينهض بعبء المسؤولية ، مدفوعا بالصدق والواقعية ، لا حاجة له بـ” السين ” فكل عمل او منجز .. له زمن ينجز به ويكتمل اذا كان بالواقع والحقيقة موجودا وليس وهما من بنات افكار هذا او ذاك المسؤول خصوصا وان المنافسة الديمقراطية تحيل أحيانا من خلال المشهدية الاعلامية ذات الشأن في الديمقراطيات الى تشجيع الكذب والتزييف وليّ الحقائق بشكل خطير خصوصا عندما يتعلق الامر بالمس بالخصوم السياسيين او عندما يتعلق الامر بالانجازات التي يجري الحديث عنها امام الجمهور، ولكن هذه الاسفاف البنيوي في السياسة بات بديهية تجعل السياسة في ذهن المواطن البسيط امرا قذرا، يبيح المحظورات ويجمل القبائح.
البعض من سياسيينا بات يحاول ان تكون اكاذيبه من النوع الكبير والمثير، تجسيدا لمقولة هتلر المشهورة: “كلما كانت الكذبة اكبر، كلما ازداد ميل الجماهير لتصديقها”، وهنا نجد خطورة ذلك تبدو اكثر قدرة على التأثير المباشر و الفعال على سياق حركة المجتمع حول نفسه وحول الآخرين حتى بات الانسان يستنشق الكذب مع الهواء الملوث باطنان من اساليب الدجل والتلفيق والوعود الزائفة، محاطا بعشرات النشرات الإخبارية والخطب الرنانة والتصريحات الجوفاء والمعالجات والمقالات والاخبار المفبركة التي تمتلئ بالاحاجي والاشارات والالغاز والوعود واعداد غفيرة من “السينات” وعندما يعود المرء قليلا في الارشيف يطلع على اشياء تثير الكثير من الألم والحزن على ما وصلت اليه الصحافة والسياسة من الاسفاف والابتذال وعلى نحو يتعذر العثور على مثيل له في كل تاريخ الكذب والتضليل في العالم، والمؤلم، ان احدا من اولئك الذين امتهنوا الكذب، لم يبدو عليه استيقاظ الضمير ليمارس دور الصحوة الاخلاقية فيعزف عما هو مساور فيه فيريح ويستريح.
ومن الانصاف حقا، ان نقول وبموضوعية، ان الكذب الذي نعيش اجواءه البائسة ، لا يصنعه السياسيون وخدمهم وحدهم، بل تشارك في عملية التصنيع وسائل الاعلام وبعض صحف الطارئين والماجورين والباحثين عن السحت الحرام، فهذا النوع من الصحافة التي لفظها الغرب والولايات المتحدة الاميركية بشكل خاص بعد ان اتفق على تسميتها “الصحافة الصفراء” و “صحافة لف السمك”، يغذي ماكنته المدمرة باكاذيب وفضائح وتلفيقات وفبركات مدفوعة الثمن ، فيتحول الاسود الى ابيض ، والابيض الى اسود!
ولدينا الان صحف يومية بعضها تصدر في بغداد واخرى تصدر في عواصم اوربية، وتباع في بغداد، معلبة بالأكاذيب الرخيصة والتوصيفات المبتذلة .. وبالتوجهات الاعلامية الساعية الى تخريب اللحمة الوطنية والسلام الاجتماعي والتعايش الأخوي بين ابناء البلد الواحد، وتلك هي الغاية التي بذلت من اجلها السعودية طوال اكثر من 130 سنة اي منذ ظهور التحالف الوهابي السعودي الى الوقت الحاضر، الغالي والنادر ، دون جدوى حتى اتيحت الفرصة لها بعد الاحتلال الاميركي للعراق، فدخلت عليه الدعاية السعودية من كل حدب وصوب ، لاهم لها سوى تدبيج المقالات والكتابات باقلام مسمومة ونوايا مفضوحة، لا تقل تفاهة وبذاءة عن “الجزيرة” المنبر المصنع في تل أبيب والناطق باسم ال ثاني في دوحة “شمعون بيرز”!
طبعا لابد من التأكيد هنا على حقيقة وهي ان لا طائل من وراء البحث عن علاقة ـ اية علاقةـ بين طبيعة نظام الحكم السياسي الحديث ومدى استخدامه، او حاجته الى تبني الكذب في تبرير سياساته، فالاكاذيب تبرر النهاية بعد نزع “الرتوش” الايديولوجية بالواقعية السياسية، والواقعية السياسية قائمة في اغلب انظمة الحكم في العالم، لذلك فان من يعتقد بان الوصول الى الحقيقة سهل ويسير في عالم اليوم، هو بالتاكيد واهم ففي عالم اليوم، بات الوصول الى الحقيقة صعب جدا ومحفوف بالمخاطر الحقيقية حيث ضجيج الاكاذيب يصم الآذان ويعمي العيون، بعد ان وجدت لها منابر ضخمة جدا عبر ما وفرته ثورة التقنية والاتصالات من فضائيات ومواقع انترنيت تملأ ارجاء الدنيا والانباء والاشرطة والصور، مع تقنيات رهيبة في مجال التصنيع للاخبار والاحداث.
وتكشف مجريات الاحداث في ليبيا، ان قطر عمدت منذ وقت مبكر الى بناء مدينة على الحدود الليبية التشادية مشابهة لمدينة بنغازي تلتها مدينة اخرى مشابهة لطرابلس، مع اعداد غفيرة من الكومبارس والممثلين مع استنساخ دقيق لكل تفاصيل المدنيين وكانت الصور تخرج من هاتين المدينتين الى العالم، ونفس الشيء عملته في وادي خالد بلبنان، حيث جرى استنساخ مدينتي حمص وحماة وجرى تزويدهما بكل التفاصيل المفيدة لعمليات التصوير والدبلجة وغيرها بادارة عقول متمرسة في مجال الدعاية ومتخصصة في فني الاقناع والترويج الذي هو علم قائم بذاته يستفيد من شكلانية الحقيقة دون مضامينها ويقوم بصناعة تجميلية وتقنية للشبهات حتى تصير بديلا عن الحقائق، وسرعان ما تتناقلها اذرع الاخطبوط الاعلامي لتنشرها في العالم كله، واحذر ان كنت ممن يحرصون على التدقيق والتحقق من أن تشك بمصداقية الاكذوبة، فقد تواجهك تهمة جاهزة لديهم تناسب وضعك وانتماءك السياسي او المذهبي او الايديلوجي.
ان صناعة الاكاذيب عريقة جدا في الدعاية الغربية بشكل عام والدعاية الاسرائيلية بشكل خاص وقد سمى “جور فيدال ” عصر الاكاذيب بـ”العصر الذهبي” وهو عنوان كتابه الذي يفضح فيه اربع اكاذيب كبرى غيرت مجرى التاريخ البشري في منتصف القرن العشرين وهي:
1 ـ اكذوبة بيرل هاربر
2 ـ اكذوبة هيروشيما
3 ـ اكذوبة محرقة اليهود
4 ـ اكذوبة الحرب الباردة
وفي مقالة طريفة لـ”نعومي كلاين” اشارة فاضحة الى ان 80 % من متابعي قنوات امبراطورية “ميردوخ” كانوا يعتقدون ان لدى صدام اسلحة دمار شامل، قبل ان يسمعوا اعترافات باول على القنوات لفضائية الاميركية وهو يبدي اسفه امام الشعب الاميركي لنقله اكاذيب لمجلس الامن لفقتها المخابرات الاميركية التي كانت ضالعة في فبركة الكذبة بالتعاون مع نظام صدام حسين لإخافة ايران ومنعها من “احتمال” التوغل في العراق في اية لحظة بعد توقف القتال وظهور حالات ضعف في البنية الدفاعية للعراق، بيد ان المخابرات الاميركية خضعت للضغوط الاسرائيلية التي كانت تجند فكرة تدمير العراق كعراق وليس المقصود نظام صدام حسين الذي حيد الدفاع العراقي وابطل قدراته في منع اميركا من احتلال العراق على امل ان يكون ثمن كل ذلك الابقاء على نظامه او حياته ان اولئك الذين يبرعون اليوم في ايجاد اساليب جديدة ويبتدعون طرقا غير معروفة، في الخطاب الاعلامي، يدركون الان قيمة الافكار التي جسدها، ليوشتراوس “1899 ـ 1973” الذي درس عقودا طويلة في جامعة شيكاغو وبعض ممن يتولى الآن المسؤولية في أنظمة عربية استبدادية وخصوصا في قطر من هم من تلاميذه ويبذل الآن نقاده محاولات جادة لفحص تساوق فكر ليوشتراوس مع تبرير الكذب وواضح ان هذا الرجل الذي عرف بما لديه من قدرة فائقة في مجال الكذب والمراوغة الكاذبة، كان واحدا من بين القلائل من اليهود الذين تركوا بصماتهم الواضحة في احتلال الكذب هذه المكانة “العالية” في كل المفاهيم الاعلامية والصحفية ومن الممتع حقا قراءة مقالة: “ليوشتراوي وعالم المخابرات” بقلم ” غاري شميت” و ” ابرام شولسكي ” فالاخير كان طالبا عند شتراوس في سينيات شيكاغو والمقالة تؤسس علاقة مباشرة بين فكر شتراوس وبين نظرية المخابرات فعندما لا يكون بالامكان تكذيب عدوك فلا مانع من ان تكذب، وبذلك فقد شرعن عملية الكذب واعطيت مسوغا “اخلاقيا” هي ان ترد على الكذب بكذب.
ان ما يهمنا الان اكثر من اي شيء اخر ، هو ان نكون صادقين مع الاخر .. بحيث لا نقول الا ما نؤمن به فعلا لا لمجرد التسويق والمماطلة والخداع والتزييف، ان انجازا بحجم العصفور افضل من “الانجاز ” بحجم الفيل غير حقيقي.

