الإنسان إنسان طالما يتحمل ما يكره ويقاوم ما يحب،، تلك حكمة أتذكرها وأحفظ فحوى معناها عميقا في قلبي،، وعلى ظهر قلب وسجية وعي تلميذ(هو أنا) حين شاء أن يستلها من سطور أحد كتب المطالعة الخارجية أيام دراسته المتوسطة،، يوم كان ينصح معلم اللغة العربية قراءة الكتب الخارجية إلى جانب ما هو مقرر في مناهج التربية والتعليم لتساعد في تنمية ثقافتنا وتعميق فهمنا في معرفة ما يدور من حولنا،، فالكتب المقررة – وفق تلك المناهج- ما هي إلا مفاتيح عامة،، فيما تحمل الكتب الخارجية والمطالعات فضاءات ودروب أوسع وصولا للتعلم من تجارب ما يتركه الخالدون والعباقرة من المبدعين والحالمين على تطويع انجازاتهم ونواتج إبداعاتهم في خدمة الآخرين فهي- بحق- راساميل ما توصلت إليه الحضارة في عموم مفاصل الحياة التي لا يصنعها أولئك الذين يؤمنون بالمألوف، بل أولئك الحالمون،، القادرون على ترك بصماتهم واضحة- ناصعة في سجلات التأريخ وخطوات تقدم البشرية،، وكم تكمن براعة التكثيف والصدق في عبارة فيلسوف ألماني قال مختصرا في جمع جوانب حياته:( يمكنني أن ألقي على كل ما حدث لي،، سواء أكان فاجعة.. أم فرحا… نظرة اعتراف بالجميل).
كم أجد ضالتي ونبل مقاصدي في اجتراح واقتراح تسمية هذه المتعة بـ(متعة التخلي عن الطموح)- عبر حكمة ودقة ما كان يتصوره ويراه الحكماء العرب في صلاحية من يكون رئيسا أو قائدا أو زعيما أن تتوافر فيه صفات:
– التجرد عن الهوى…
– ولذة في الحرمان..
– والترفع عن الحقد..
لكن كيف يمكن لمّ شمل شمائل هذه السمات والصفات في وعاء واحد في عالم يومنا؟!،، ما دام الكل يلهث،، يغامر،، يقامر للحصول على كل شيء دون التنازل أو التجرد عن أنانية أهوائه ومزاجية لذائذه وتلوينات أحقاده ونوازع أحلامه الفردية – الخالية من أي حلم جماعي يوفر الأمن والسعادة للجميع،، ففي قدرة التخلي عن الطموح القاتل والمريض بأنانية من يحمله ونوايا من يتبناه،، يسكن الطموح الحقيقي ويسمو إحساسا وحبا للآخرين عبر مهارات ترويض الروح على نبذ ونحر الحقد والحسد وتهذيب النفس بتخليصها من غرائز الغل والعدوان،، ألا يلخص بيت شعر أمير الشعراء أحمد شوقي:( لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب… و ينال العلا من في طبعه الغضب) ما نحن عازمون عليه تساميا بالذات نحو عمق صلتنا بالناس.
وما بين طراوة الكلمات وسحرها وما بين رهبة الإحساس بثقة ومصداقية الأرقام في صلب وقلب ما أراد أن يصل إليه عمودنا عن الطموح،، يرسم لنا عالم الرياضيات الشهير (الخوارزمي) معادلته عندما سئل عن (الإنسان؟) فأجاب:
إذا كان الإنسان ذا (أخلاق ) فهو يساوي(1) وإذا كان ذا(جمال) فأضف صفرا ليصبح(10) وإذا كان ذا (مال) يضاف صفرا ويتضاعف إلى(100) وإذا كان ذا حسب ونسب يكون(1000) فإذا ذهب العدد(1) الذي هو (الأخلاق) ذهبت قيمة الإنسان كلها وبقيت الأصفرار التي لا قيمة لها.!