لا يحدثنا تاريخ الجزيرة العربية وتجمعاتها القبلية، عن وجود حكومة بالمعنى المتعارف عليه اليوم، بل كان لديهم مجلس يضم ممثلين عن أثرياء ووجهاء وزعماء القبائل، يتدبر أمور الناس العامة، وربما كان هذا من حسن حظهم، لأنهم لم يدوخوا رؤوسهم بلغاوي الفدرالية والمحاصصة والشراكة، وإلا لتخاصموا وتشاتموا باسم الديمقراطية وحرية التعبير!
ما يعنيني هنا هو لقب (الأمير)، احد العناوين القيادية في مجتمع الجزيرة، حيث كان هذا العنوان منصبا (اعتباريا)، ويشير إلى أن حامله من علية القوم واصلائهم نسبا وأوفرهم مالا وأكثرهم كرما وأشجعهم قولا وفعلا، وان يكون ماله وحلاله مما ورثه عن أسرته، أو جمعه بعرق جبينه، ولم يأت عن طريق الغصب أو السرقة أو الفساد المالي!!
وكان الأمير ينفق من دنانيره الخاصة على المحتاجين، وقد يشتري بها ألسنة الشعراء، وعلى وفق هذه المواصفات، كان معن بن زائدة (احلم العرب) أميرا، على الرغم من انه في المفهوم الحداثوي للسياسة، يعد إنسانا مصابا بلوثة ديمقراطية، لكونه ـ ان صدقت الرواية ـ تلقى شتائم رخيصة من أعرابي حافي القدمين، وبدلا من طعنه بالرفض، او إصدار رئاسي بفصل رقبته عن جسده، ودفن جثته في اقرب مقبرة جماعية، كان يقول لحاشيته بعد كل شتيمة (أعطوه ألف دينار) حتى تمكن أخيرا من (قطع لسانه) كما يقول البلاغيون، أي حوّله من شتّام هجاء سليط اللسان، إلى مداح يلهج بأفضال الأمير ويتغنى بسجاياه الحميدة!!
ظل الأمير على هذه المواصفات، يهب من خالص ماله وإبله وخيوله وبساتينه حتى قامت دولة بني أمية في الشام، حيث تغيرت هوية الأمير بصورة جذرية، فلم يعد هذا اللقب معنويا، بل أصبح وظيفة مادية لها ثلاث دلالات، الأولى: انها مركز كبير من مراكز السلطة التنفيذية، والثانية: ان يكون صاحبها من افراد الاسرة الحاكمة بالنسب او الولاء، والثالثة: ان الامير بات لا يهب ولا يصرف ولا يعطي ولا يكرم من جيبه او ماله الخاص، وإنما من (بيت مال المسلمين)، او من (الخزينة المركزية) لاحقا، بعد أن تغير الاسم من البيت الى الخزينة، ولهذا قالت العرب قولتها المشهورة (وهب الأمير مالا يملك) في إشارة ذكية واضحة المعنى والدلالة!
الغريب في الامر حقا، ان هذه الوظيفة منذ ولادتها في العصر الأموي، لم يجر اي تعديل او تغيير عليها في العصور اللاحقة.. والى يومنا المبارك هذا!!
تنويه(1): من باب المصادفة اللافتة للنظر، إن من يتصرف بأموال الدولة على هواه، ومن يقود خلية إرهابية تذبح الناس، كلاهما يحمل لقب أمير.. لذا يرجى اخذ الحيطة والحذر من أمراء الدولة وأمراء الإرهاب، على حد سواء!!
تنويه(2): أمراء الإرهاب في طريقهم إلى الانقراض، أما أمراء الدولة فإنهم آخذون بالتكاثر وكأنهم من فصيلة الأرانب!!