بارزاني والهاشمي في تركيا وعلاوي في السليمانية، والبعض في عمان، وقليل البعض في القاهرة ولندن مع شتات مغمور في الخليج.
أما بعض الفضائيات التي تبث لجمهور العراق المغدور به سياسيا وثقافيا فقد عشقت الغربة وأدمنت الرحيل عن الوطن في مفارقة غريبة كمن ينام وأطرافه في بيته ورأسه عند الجيران.
ومع ارتفاع أسباب عدم العودة الى حضن الوطن وصدر بغداد الحنون والعطوف ام الرئاسة وربيبة المجد التي قال عنها المثل التركي:” لا مدينة كبغداد”.
وقال عنها الشاعر العباسي: ” عيون المها بين الرصافة والجسر”.
وقال عنها الجواهري: “ام البساتين ودجلة الخير”
وقال عنها مصطفى جمال الدين:
بغداد ما اشتبكت عليك الاعصر
الا ذوت ووريق عمرك اخضر
وحشة بغداد بسبب التصحر الثقافي واضحة المعالم لمن يعرف خصائص ثقافة الشعوب المستمدة من تاريخها ومن عصارة فكرها العقائدي وفلسفتها التي جعلت ابن ميمون اليهودي يغترف من حكمة بغداد وشلالها الفكري فيكون واحدا من تيار فلاسفة التوحيد وهكذا كان للنصارى حضورا في بيت الحكمة وترجمة الدواوين بعيد عن مفاهيم التفرقة التي يكون حضورها دليلا على التصحر الثقافي، ولان بغداد ولدت مثقفة لذلك أخذت من: “المنصور، وعلي بن يقطين صاحب أئمة أهل البيت، ومن راهب الدير “ثم رضعت من فكر وفقه جعفر بن محمد الصادق الذي تلقفه الإمام أبو حنيفة النعمان”.
ذلك الثراء الفكري المعرفي الثقافي لتاريخ بغداد يواجه اليوم بتصحر في النفوس والنصوص يتنكر لمنصة نصب الحرية ” لجواد سليم ويلهو عن زحف الملايين الشعبية في الزيارات الدينية التي ترعرعت على مقولات عصية على النسيان والتسويف مثل: من عرف دينه عرف ربه ومن عرف نفسه عرف ربه ودينه.
فترويح النفس اليوم يتلاعب به الطارئون على ثقافة بغداد من ضحايا التصحر الثقافي من الذين يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ” ولذلك وجدت المواخير من هؤلاء صيدا بائرا تحتج به ويحتجون بها باسم “الحرية الشخصية” التي لم تكن يوما مشرعة للدعارة التي تكلف الشرطة الكثير من وجع الرأس وهدر الوقت والمال ومعها خلخلة الأمن واخطرها تمزيق المجتمع.
والتصحر الثقافي هو الذي افسد معاني الفن وجعله مختطفا في هز الأرداف وبهرجة الفساتين والصراخ الماجن، وتدليك عواطف المراهقين بتدليس الكلمات والمعاني والمفاهيم والوعود الكاذبة التي ضيعت وتضيع الكثير من صرعى الغواية الذين تمردوا على طقوس العائلة، مثلما تمردوا على الكتاب والمدرسة والجامعة واصبحوا من فرط اميتهم يستجدون ثقافة الرقص والغناء وهو خمرة تصنع الطيش والتصحر الروحي والهوس الجسدي الذي يرمي بهم على ابواب ” ادول العرب ” الاسم المفتعل لاقتناص الشباب الذي لم يتحرر من عبودية الجسد وفتنة الشهوات البضاعة المتاجر بها يهوديا عبر التاريخ حتى اصبحوا من امهر الصناع المحترفين والتي من خلالها دخلوا حواضر المدن التي تعاني من تصحر ثقافي، ومثلما كانت ” القاهرة وتونس ومراكش وبيروت واسطنبول وبغداد محطتهم، أصبح الخليج هدفهم وقد نجحوا وما مهرجانات دبي السينمائية إلا دليل على ذلك التصحر الثقافي الذي يسعى لتشكيل حزام تخريبي في روح وثقافة الأمة وما التهافت والخواء الذي نراه في تعليقات المدونات والإذاعات والفضائيات من قبل بعض القراء والمستمعين والمشاهدين، يضاف لهم تصريحات الكثير من النواب والسياسيين، وبعض المحللين إلا تعبير عن التصحر الثقافي.
اما في ما يتعلق بالتصحر السياسي الذي اصبح من عيوب الاحزاب والكتل السياسية واغلب المشتغلين في الحقول السياسية ومنها الدولة والحكومة فهو وراء كل مصائبنا وفشلنا السياسي، الذي منح الدول الكبرى ومحاورها سهولة التلاعب في ساحتنا، بل وجد من يساعده على هذا التلاعب من داخلنا، وهناك من يعتبر وجود الأجنبي ليس تلاعبا وانما هو بناء ضروريا حتى اصبح ينطبق علينا قول الشاعر:-
ادهى المصائب في الدنيا وأعظمها
عقل يرى الشيء مقلوبا ومعكوسا
ومن مظاهر التصحر السياسي الذي يحاصر بغداد ويخلق لها الوحشة، هو وجود رئيس جمهورية العراق في كثير من الأحيان يقيم في السليمانية، مثلما ثبت لعلماء لغة الجسد وعلم الإشارات بان السيد مسعود بارزاني لا يحب بغداد ويمتعض منها.
ولذلك نرى الرجل يتحاشى زيارة بغداد ويبعث مندوبين عنه، بينما نراه يسرع لزيارة واشنطن وباريس وبعض المدن الاوربية، واغربها زيارته الاخيرة لتركيا وتركيا تقصف الاكراد في شمال العراق الذي يصر هو وحزبه على تسميته “كردستان العراق”.
ويصرح من هناك بعدم موافقة أمريكا على بيع العراق طائرات الفانتوم لأنه في تصريح سابق اعتبرها ضد البيشمركة.
ولقائه المتعمد مع طارق الهاشمي المدان من قبل القضاء العراقي باعتراف كمال حسين وكيل وزارة الداخلية العراقية وهو من حزب مسعود بارزاني مما ينفي ادعاء من يقول: ان القرار ضد الهاشمي سياسي.
والتصحر السياسي هو الذي جعل رئيس القائمة العراقية يزور طالباني في السليمانية وليس في بغداد.
والتصحر السياسي هو الذي جعل بعض النواب يطالبون بادراج الخلافات بين الكتل العراقية في مؤتمر القمة العربية اسوة بالقضية السورية والبحرينية.
والتصحر السياسي هو الذي جعل البعض يستعجل المطالبة بالاقاليم على طريقة الانفصال والتفكك الذي ينصب البعض شراكه للعراق الفدرالي، علما ان مجالس المحافظات لم يكتمل بناؤها بعد ولم تنضج تجربتها نتيجة المحاصصة التي افسدت كل شيئ.
والتصحر السياسي هو الذي جعل البعض يستعجل تصريحات غير مدروسة نتيجة احتمال اغلاق مضيق هرمز.
والتصحر السياسي هو الذي اطلق التصريحات غير المتوازنة تجاه احداث سورية بحيث جاءت تصريحات البعض تخدم اسرائيل التي اعتبرت اسقاط نظام سورية وهي تعني تقسيمها نصر لاسرائيل.
والتصحر السياسي هو الذي لا يعرف ماذا يقول عما يسمى بالربيع العربي لانه لم يتبين طريقة صناعته وخلفيات المحركين له باتجاه مصالحهم التي ظهرت جلية في البترول الليبي مثلما ظهرت جلية بالفرح الإسرائيلي.
والتصحر السياسي هو الذي لم يعرف كيف ومتى تولد المحاور الاقليمية والدولية وما هو موقع العراق منها، ولذلك فهو يعادي ايران على طول الخط وهذه امية سياسية قاتلة، ويرتمي في احضان تركيا الاوردغانية الملغومة بالسحر الصهيوني مثلما يرتمي في احضان الارهاب الوهابي والسعودية وقطر وبعض إمارات الخليج، ونتيجة هذا الارتماء الفاقد للوعي السياسي فهو ينتقد المالكي على زيارته لإيران التي تفرضها ضرورات الحكم والمصالح المشتركة والتي منها وجود خمسة آلاف زائر إيراني يوميا الى العرق يدفع كل واحد منهم “40” دولارا للحكومة العراقية.
هذا هو نموذج من التصحر الثقافي والسياسي الذي يخلق وحشة بغداد ويفسد التحالفات السياسية ويغرق الحكم بالمزيد من المشاكل وجزء من تلك المشاكل أخطاء أحزاب السلطة.