يحصل في مرات كثيرة، وأنا اكتب او أتناول الطعام او أشاهد التلفزيون أو أتوجه إلى سرير النوم، ان يقتحم ذاكرتي صديق لم التق به منذ عشرين سنة، أو حبيبة من أيام المراهقة، تزوجت قبل خمسين سنة، وأصبح أحفادها أساتذة في الجامعة، كما يحصل ان تقتحم ذاكرتي حادثة او حكاية او قضية، نسيتها وعفا عليها الزمن، وقد ظلت هذه الاقتحامات التي تأتي بصورة مفاجئة، ومن دون سبب، تشغل بالي وتقلقني، فربما تكون ناقوس خطر، على طريق الجنون، أو الخرف أو الشيخوخة المبكرة، مع أنني ما زلت في مقتبل العمر!!
قبل أيام قليلة مضت، وأنا اتأفف من الحر، لان الكهرباء ( الوطنية ) انقطعت، ومولدة الشارع عاطلة، والوقت قرابة الساعة الثالثة ظهرا، وهو موعد قيلولتي، وفيما كنت ( اتحارش ) بأبنائي وزوجتي، بحثا عن ( عركة) مفتعلة لم انجح في تحقيقها، وفيما كنت كذلك العن نفسي لانني من ابوين عراقيين بالولادة أنجباني على أطراف بغداد، ولست من أبوين فرنسيين أنجباني على أطراف باريس، في محنة الحر تلك، حيث يزهق الإنسان، ويبدأ يهذي مثل المحموم بكلام عبثي غير مسؤول قد يندم عليه عندما يصحو، اقتحمت ذاكرتي فجأة حادثة مر بها مجلس نقابة الصحفيين العراقيين، قبل سنوات بعيدة، فبعد فوز المجلس المذكور، توجه الأعضاء إلى وزارة الإعلام، حيث استقبلهم الوزير، وهنأهم وتمنى لهم التوفيق، ولكن الغريب انه قال لهم ما معناه.. انتم والحكومة شيء واحد، لأنكم أبناؤها، وعليه ـ والكلام له ـ لا أجد ضرورة لوجود نقابة لان أبواب الحكومة بصورة عامة، وباب صدام حسين بصورة خاصة، مفتوحة 24 ساعة أمام اي صحفي يحتاج إلى مساعدة او يتعرض للحيف او الضيم!!
يومها أثار هذا الحديث ضجة (سرية) في أوساط الإعلاميين، وارتكبت حماقة لا يقدم عليها، انسان عاقل، عندما كتبت مقالة تحت عنوان (الحكومة تشتري نقابة الصحفيين) ذكرت فيها من بين ما ذكرت ان النقابة حين تتحول إلى واجهة من واجهات الحكومة الرسمية فأين يذهب الصحفي الذي يتعرض الى اعتداء الحكومة او ظلمها، او تجاوزها على حقوقه؟! وأنا مدين بالامتنان مدى العمر لزميلي (مدير التحرير)، فقد كان رجلا ذكيا وعاقلا وغير متهور مثلي، فبعد ان اطلع على المقالة، اصفر وجهة، ثم احمر وتصبب العرق من جبينه وأخفاها حالا في احد (جوارير) منضدته، ثم ألقى علي محاضرة طويلة بصوت هامس، قدم لي عبرها 17 دليلا، تؤكد على انني مصاب بلوثة عقلية، ليس لأنني أريد نشر المقالة، بل مجرد التفكير بنشرها، وحين اطمأن الى انني اقتنعت بادلته الدامغة، قال لي مبتسما وهو يخرج المقالة (انا في الحقيقة لا أخاف عليك وإنما على نفسي، وسأمزق المقالة أمامك حتى لا تظن أنني احتفظ بمستمسك ضدك) وقطعها الى 17 ألف قطعة لا يزيد حجم الواحدة منها على حجم النملة الفارسية وأنا في غاية السعادة!! ويبقى الأمر المهم : لماذا اقتحمت هذه الحادثة ذاكرتي؟ وما علاقتها بالصيف والحر وطلعان الروح؟ وهل هذه بوادر جنون أو خوف؟ بالمناسبة أتمنى للزملاء جميعا ولنقابتنا الشجاعة، دوام التألق والنجاح، ونحن نحتفل بعيد الصحافة المجيد، أعاده الله علينا وعلى الحكومة بوافر المنجزات والتكريمات والمكاسب الديمقراطية.

