مرت على الربيع الأميركي في العراق تسع سنوات، أو أكثر من (3300) يوم، وهو زمن طويل لا يستهان به، فقد استطاعت بلدان مثل اليابان وألمانيا ومصر وبريطانيا وفرنسا والجزائر ولبنان وغيرها، أن تستعيد عافيتها، وتقف على قدميها في نصف هذا الزمن أحيانا بعد خروجها من حروب طاحنة، واحتلالات مقيتة دمرت بناها التحتية، وأتت على الأخضر واليابس ، ولا احد يدري لماذا بقي العراق حالة استثنائية، حيث مازال ربيعه يقبع تحت أجواء الخريف، وكلما أينعت ورقة وهتفنا بأعلى صوتنا (اللهم صل على محمد وآل محمد) نخرتها دودة الأرض، ومازالت مشاريعه بدون استثناء تراوح في مكانها محاطة بدائرة من الأزمات لا أول لها ولا آخر، أزمة سكن ومدارس وفقر وجوع وبطالة وكهرباء وامن وأخلاق ..الخ.
لعل هذا الواقع الذي لا يسرّ الوطن والمواطن، هو انعكاس لتركيبة الطبقة السياسية نفسها، ونتيجة طبيعية لأزماتها التي بدأت منذ 2003وتواصلت بتصاعد مثير للمخاوف، ليس ابتداء بأزمة الثقة والكرسي والتداول السلمي للسلطة والصلاحيات وليس انتهاء بأزمة المصالح الفئوية والتخندق المذهبي والقومي وتخوين الآخر!!
إن السباق المحموم إلى حد التقاتل على (لقمة الصياد) التي انشغل الجميع بها على الرغم من مئات اللقم الدسمة والهبرات الكبيرة المباحة أمام عيونهم وعلى موائدهم، أوصل العراقيين إلى قناعة أكيدة، إن هؤلاء الفرقاء، وعلى وجه الدقة (النسبة العظمى منهم)، لا يمثلون رجال المرحلة، ولا يصلحون لقيادة البلاد، وان منحهم الأصوات الانتخابية جاء عن حسن نية في غير محلها، وصعودهم إلى مواقع المسؤولية هو غلطة عمر لا تغتفر، وإلا فأي نوع من السياسيين هؤلاء الذين لم يدركوا من أمور السياسة إلا أمراً واحداً نجحوا فيه، عندما أنجبوا وقفا للسنة وآخر للشيعة، وهلالا للعيد في الفلوجة غير هلال العيد في الشامية، وضحكوا على ذقون العباد بالدعوة الى الصلاة المشتركة، وظهروا بمظهر من يحاول التقريب بين الأديان، وكأن رب الشيعة ونبيهم وكتابهم وقبلتهم، هو غير رب السنة ونبيهم وكتابهم وقبلتهم!!
والعراقيون عرفوا_ ولو متأخرا_ان تقسيمهم الى (دين) شيعي و(دين) سني ، هو سبيلهم الوحيد لكسب الأصوات والحفاظ على المغانم ، ثم اي سياسيين هؤلاء الذين يقودون البلاد الى المجهول باسم الديمقراطية، وباسمها يقيمون الدنيا ولا يقعدونها إذا أرادوا تشكيل حكومة او مساءلة وزير أو إبدال رئيس وزراء أو محاكمة متهم أو محاسبة مسؤول سارق، وأي نوع من الديمقراطيين هؤلاء الذين يعملون في العلن قبل السر على وفق تهم متبادلة وملفات جاهزة عند الحاجة، واسكت عني أسكتُ عنك، وتقيل زعيمي أقيل زعيمك، وتكشف عيوب وزيري أكشف عيوب وزيرك ، ولا شيء لوجه الله أو مصلحة الأمة، ومع كل هذه البلاوي المرة، يرى الأميركان ومراكز دراساتهم، إن تجربة العراق الديمقراطية هي الأفضل، ودستوره هو الأرقى، وطبقته السياسية هدية السماء إلى الشعب!! أليس غريبا مثل هذا الكلام ومدعاة لشق الجيوب ولطم الخدود؟! ولكن أسألكم بالله: من يشهد للعروس غير أمها الكذابة؟!

