منذ أن بدأ الغرب بتنفيذ اتفاقيتي سايكس بيكو وسان ريمو الخاصتين بتقسيم الوطن العربي بين الدول المنتصرة في الحرب العالمة الأولى.. أخذت عمليات التغلغل المخابراتي المصحوب بالدعم اللوجستي والمالي والسلطوي، تأخذ شكلا مغايرا لما كانت عليه في زمن السيطرة العثمانية، ففي الوقت الذي كانت فيه الدول الغربية تكرس جهودها في مجال تحريض العرب على التمرد والعصيان على السلطة العثمانية وتشجع التوجهات القومية والوطنية، باتت بعد قيام الحكومات والدول في الأجزاء التي تحررت من الهيمنة العثمانية تبذل جهدا متصاعدا في مضمار محاربة المشاعر القومية والوطنية وتكرس النعرات الطائفية والعنصرية وتبثّ سموم التفرقة من خلال تقريب هذه الفئة او هذا الطيف وإبعاد ذلك وشراء الذمم ونشر ثقافتها ومحاربة الثقافة الوطنية والقومية وإشاعة قيم التقليد والهوس بالقيم والتقاليد الغربية وتكريس الاعتماد المطلق على الغرب في كافة المجالات وعلى كافة الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتشكيك في جدوى الاعتماد على النفس واللحاق بركب الحضارة.
وتناولت بأهمية مطلقة قضية الجيوش في المنطقة العربية باعتبارها العصب الأشد حساسية في البنية الأمنية والمدنية والسياسية للدول العربية، فحاولت التركيز على هذه المؤسسة الوطنية على نحو غير مسبوق انطلاقا من توقعها من الدور الوطني والقومي، الذي ينتظر هذه المؤسسة الأمنية العسكرية وهو دور في غاية الأهمية بحكم كون هذه المؤسسة تمتع بأقصى درجات الأهمية بالنسبة للأمة العربية باعتبار ان ليس في الإمكان تحقيق أيّ تقدم في مضمار امتلاك الدول العربية قدرتها في فرض إراداتها السياسية بحماية مقدراتها الاقتصادية والسيادية والثقافية والحضارية إلا بتوفر جيش قوي ومؤسسات أمنية وشبكات مخابراتية متكاملة وقادرة على تغذية هذا الجيش بما يحتاجه من معلومات يستند عليها في صياغة ناجحة ومقتدرة لعقلية عسكرية تؤسس مدرسة متكاملة مؤهلة لوضع إستراتيجية تنهض على فهم حركي يستوعب الواقع الماثل ويتواصل مع التاريخ لبناء مستقبل تجد فيه الأمة العربية اعتبارها الذي كانت عليه عبر التاريخ.
لقد تجسدت الجهود الغربية في مجال الموقف من الجيوش العربية بعدة محاور أساسية منها:
1- نقل التمييز الطبقي الى التركيب التنظيمي في المؤسسة العسكرية فالغالبية العظمى من الضباط هم من الأغنياء والمترفين وشيوخ العشائر والوجهاء وكبار المسؤولين اما الجنود فهم من الفقراء والمعدمين رغم ان بعض الجيوش العربية التجنيد الإلزامي لكسر هذه الطوق..
2- حرمانها من القيام بما وجدت من اجله على صعيد حفظ الأمن والاستقرار والسيادة الوطنية.
3- استخدام الأسلحة التي تم شراؤها بملايين الدولارات المستقطعة من قوت الشعوب ومن حقها في الرخاء والسعادة والرفاهية في غير الأهداف والمسوغات والمبررات التي اعتمدت في تسويغ شرائها حيث تم توجيهها نحو صدور المدنين العرب من السلاح لتراق الدماء الشريفة الحرة الكريمة على أديم الأرض المنكوبة بضياع مفاتيح الوجود القادر على حمايتها من دنس الطامعين وغدر الاستعماريين.
4- ومن اجل تحقيق كل ذلك وغيره فقد اتجهت أسهم البوصلة الغربية باتجاه التمادي أكثر فأكثر من خلال اختراق المؤسسة العسكرية بـ(المغامرين) و(الطائشين) و(الباحثين) عن السلطة والتسلط.
لقد أدى ذلك الى نتيجتين مهمتين:
الأولى : أن الشعوب العربية باتت تنظر للجيوش العربية، على انها حاوية او حاضنة او مفرخة للانقلابات العسكرية التي لا تؤدي سوى الى تعميق الجراحات وتبديد القدرات والإمكانيات وتفويت الفرص وخلق العداوات والجزارات والتناقضات بين أبناء البلد الواحد دون أية أسباب حقيقية وأكثر من ذلك.
الثانية: ضمان وجود الحاجة للمساعدة والدعم الغربي طالما أن قائد الانقلاب العسكري احد اثنين.
1- عديم الكفاءة.. فيتخبط إلى أن يضع الأمور تحت طائلة الحاجة إلى الدعم والإسناد الغربي بتحقيق ما يريده الغرب عموما والطامعون من الأعداء بشكل خاص في جو من البهرجة الشعاراتية والبراقع الخطابية.
2- أو ان يكون قد وصل الى ما وصل اليه نتيجة الدفع المخابراتي الغربي بشكل مباشر او غير مباشر، وبذلك فهو يظل قيد التوجيه بواسطة الريموت او بواسطة حلقات اتصال وتواصل وضعف هذا النموذج من قادة الانقلابات أنهم معرضون للافتضاح والانكشاف مهما حاولوا إخفاء حقائقهم لذلك كان ينبغي الدخول في حلقة كبيرة وواسعة من الانقلابات العسكرية بحيث يظل المواطن في الوطن العربي في عدم قدرة على التشخيص والتحديد فإذا كان الانقلاب (أ) مرتبطا بالغرب وأعداء الأمة لماذا حصل الانقلاب (ب) ضده..؟ البعض كان يلجأ الى تفسير ذلك بانه جزء من الصراع بين الدول الاستعمارية الامبريالية.. فيما يوزع البعض الانقلابات العسكرية بين الوطني وغير الوطني حسب المزاج والميول والتوجهات السياسية والدينية والمذهبية.
الواقع الذي لا يمكن ان نخطأ في تشخصيه هو ان الغرب كان ولازال وسيظل يعاني من مشكلة المنافسة بين دوله فما موجود الان وقبل الان بين الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وفرنسا وغيرهم، المنافسة وليس الصراع وبالتالي فان توزيع الانقلابات على أساس الولاء لهذه الدولة الغربية او تلك ليس صحيحا برغم أن هناك أولوية في التعامل، إذ حصل ان بعض الانقلابات كانت ذات أولوية أمريكية في حين نجد غيرها ذات أولوية بريطانية بيد ان في كل الأحوال لم يحصل تغيير انقلاب بغيره نتيجة الولاء لهذه الدولة او تلك بل كان يحصل عندما يستنفذ الانقلاب أهدافه ويتحول الى عبء على الغرب يلجأ عندها الى ازاحته بأية طريقة وبأي ثمن.. كلما كانت حاجته السياسية او الاقتصادية قائمة، كان هناك استعداد للتغيير، ومن هنا نجد أن مجموع الانقلابات العسكرية التي حصلت في الوطن العربي تجاوزت حدود الخمسين انقلابا ناجحا عدا الانقلابات الفاشلة.. نصفها تقريبا في العراق وسوريا.
لقد حصل اول انقلاب عسكري في المنطقة العربية بتاريخ 1936 قام به بكر صدقي ضد وزارة ياسين الهاشمي.. وقد شكل وزارة جديدة برئاسة حكمت سليمان وتولى هو تسيير الامور بعيدا عن البلاط الملكي غير انه تعرض الى عملية اغتيال في الموصل وهو في طريقه الى تركيا لحضور مناورات عسكرية تركية وبعد ذلك بخمس سنوات حصل انقلاب عسكري اخر بزعامة رشيد عالي الكيلاني وبقيادة العقداء الاربعة في الاول من مايس عام 1941.. وفي عام 1958 حصل انقلاب عبد الكريم قاسم في 14/ 7/ 1958 وهو المرة الثالثة التي يخرج فيها الجيش ليطيح بالنظام القائم ويقيم محله نظام آخر في غضون عشرين سنة. بعد ذلك وفي عام 1963 في شهر شباط حصل انقلاب جديد هو الرابع ليطيح بنظام عبد الكريم قاسم ويقيم نظاما بعثيا هو الأول من نوعه في العراق، بيد أن انقلاب 8 شباط 1963 لم يستمر طويلا إذ تلاه انقلاب جديد بقيادة عبد السلام محمد عارف في 18/ تشرين الثاني/ 1963، وبعد اربع سنوات تقريبا عاد البعثيون من جديد في انقلاب دموي هو الخامس في سلسلة الانقلابات بتاريخ 17/ 7/ 1968 وبعد 13 يوما عاد البعث ليعزز سيطرته الكاملة على سلطة الانقلاب بانقلاب مكمل في 30/ 7/ 1968 ومنذ ذلك التاريخ ظل البعث في السلطة إلى عام 2003 حيث أطيح بنظامه واسدل الستار على اسوأ فترة مظلمة مرة على العارق.. واذا ما اضفنا الى عدد هذه الانقلابات الانقلابات الفاشلة كانقلاب عبد الوهاب الشواف على عبد الكريم قاسم وانقلاب عارف عبد الرزاق على حكومة عبد السلام عارف وانقلاب عبد الغني الراوي على حكم البعث وانقلاب جماعة راجي التكريتي على حكم البعث وانقلابات اخرى كثيرة، نقف امام عدد هائل من الانقلابات العسكرية توحي وكان الجيش لم يكن موجودا الا لغرض القيام بانقلابات عسكرية وقد تحولت الدبابة والطائرة والمدفع وسائل التفاهم بين الخصوم. وما حصل في العراق حصل في سوريا ايضا فمنذ عام 1949 شهدت سوريا سلسلة من انقلابات المتعاقبة حتى بلغ عددها اكثر من عشر انقلابات ما بين 1949 – 1970 ففي 30/ اذار / 1949 قاد حسني الزعيم قطعاته العسكرية ليطيح بنظام الحكم القائم ويتولى هو المسؤولية بيد ان ذلك لم يستمر طويلا فقد توجهت الدبابة الى قادها مدافعها ضده لتطيح به في انقلاب عسكري جديد بقيادة سامي الحناوي في 14/ آب/ 1949 اي بعد خمسة أشهر فقط ولم يستقر المقام طويلا بسامي الحناوي إذ فاجأه أديب الشيشكلي بانقلاب آخر في 24/ 11/ 1949 اي باقل من 100 يوم فقط، ولكن الشيشكلي اضطر في 29/ 11/ 1951 لقيادة انقلاب جديد وضع المسؤولية فيه بيد شكري القوتلي وفي 25/ 2/ 1954 قاد مصطفى حمدون انقلابا ضد حكم الشيشكلي وسقط انقلاب مصطفى حمدون في انقلاب عسكري جديد بقيادة عفيف البزري في 13/ 1/ 1958 انقض عليه عبد الكريم النحلاوي بانقلاب اخر في 28/ 3/ 61 وقد أجهض هذا الانقلاب الوحدة بني مصر وسوريا وبعد اقل من عام وقع انقلاب جديد بقيادة زياد الحريري في 8/ 3/ 1963 حمل حزب البعث إلى الحكم في سوريا وفي 16/ 11/ 1969 قاد صلاح جديد انقلابا اطاح بحكم جناح ميشيل عفلق وأمين الحافظ غير ان هذا الانقلاب لم يستمر طويلا فبعد اقل من عام قاد حافظ الأسد انقلابا في عام 1970 ظل قائما الى الوقت الحاضر وهو اول انقلاب يقيم نظاما جمهوريا وراثيا وهذا ما شجع انقلابيون آخرون في العراق ومصر واليمن من السعي الى تبني أسلوب التوريث بعد ان وجدوا الفرصة سانحة لهم في غياب القدرة على القيام بانقلابات عسكرية جديدة، بعد أن استفادوا من تجارب الماضي في كيفية تفادي الصيغ الفنية في التحضير للانقلابات ووضعوا أسسا وقواعد صارمة في التحكم والسيطرة على حركة القطعات العسكرية وقيادة القطعات وتوزيع الاسلحة الثقيلة مع امتلاك قطعات فاعلة ومدربة تدريبا عاليا ومحصورة لديها الاسلحة والمعدات اللوجستية فضلا عن توفير الولاء المطلق مع الارتباط المصلحي كما تحت السيطرة المطلقة على اجهزة ومؤسسات الاستخبارات العسكرية والأمنية وتوفير احدث واعقد المعدات في السيطرة والتحكم .
هذا الى جانب الاستخدام الواسع والنشط للاعلام والدعاية وممارسة كل المظاهر والظواهر المغطاة بغطاء الديمقراطية والحرية، حيث كانت نسبة 99، 99 في المئة هي الحاجز الذي لا يمكن القبول بغيره في اية انتخابات شكلية لانتخاب رئيس الجمهورية في سابقة طالما تكررت في بلدان عربية أخرى حيث صارت الانتخابات بيعة وولاء ثم صار التوريث على قاعدة إذا قال الانقلابي قال الوطن بأكمله.
ان ما حصل في العراق وسوريا حصل في مصر أيضا منذ انقلاب عام 1952 حيث تبعته عدة انقلابات أخرى ولكن بطريقة مختلفة من ناحية الأداء الفني بها، فالانقلاب الذي اطاح بجمال عبد النار لم يكن على طريقة الانقلابات التي حصلت في العراق او في سوريا بل هي تشبه أيضاً حتى الانقلاب عام 1952 ضد حكم الملك فاروق.
لقد حصل الانقلاب على عبد الناصر بطريقة خفية وعلى نحو درامي فقد مات عبد الناصر مسموما ومن قدم له السم في أيلول عام 1970 كان معروفا انه يمشي جنب الحيط، بيد انه كان ثعلبا ماكرا مخادعا ربته المخابرات الإسرائيلية وانفقت عليه منذ عام 1959 كما يقول ذلك الصحفي والكاتب المصري المعروف محمود السعدني بعد أن استلمته من المخابرات الالمانية.
وفي ذلك يروي امين هويدي الشخصية المصرية المعروفة والوزير المصري السابق وسفير مصر الاسبق في العراق، ان السادات غرر بالمخابرات المصرية التي اكتشفت علاقاته بالموساد منذ عام 1957 وقد تم وضعه تحت المراقبة الدقيقة بيد انه عرف من المخابرات الإسرائيلية انه مراقب في وقت مبكر فجمدت الموساد علاقاتها به إلى أواسط الستينيات ويقول انه اشتغلت اجهزة الاستماع التي وضعت بعناية في غرفته للمزيد من الخداع والتضليل وهو الذي ورط عبد الناصر في حرب اليمن ولم يطل المقام بالسادات اذ سرعان ما تعرض لعملية اغتيال على يد الاسلاميين في 14/ 10/ 1981 ليتولى الأمر بعده حسني مبارك الذي طال وجوده فاستدعي الأمر اللجوء إلى أسلوب جديد في عمليات التغيير بعد ان تكررت نسخة حافظ اسد في مصر والعراق واليمن وتونس التي شهدت انقلاب الربيب على صاحب نعمته في عملية قل نظيرها.. حيث أزاح زين العابدين علي الرئيس حبيب ابو رقيبة.
لقد غادر مصطلح الانقلاب العسكري الساحة العربية باستثناء ما حصل في موريتانيا مؤخرا ليحل محله الربيع العربي الدموي. من هنا يمكن القول ان زمنا قادما لا نعرف كم عدد سنينه سيشهد المزيد من مشاهد الربيع العربي في بلدان عربية كثيرة لا تستثنى منه حتى دول الاستبداد المالي فإذا كانت هذه الدول قد تمكنت من إجهاض كل المحاولات الانقلابية التي حصلت فيها قطر، السعودية، البحرين، لأسباب تتصل بقلة عدد أفراد جيوشها وسهولة السيطرة على مفاصل الفعل فيها وقوة الأجهزة المخابراتية لديها وتمكنها من الإغراءات، فليس في وسعها السيطرة والتحكم بالعواطف والمشاعر الجماهيرية اذا ما انطلقت من عقالها، خصوصا وان شرارات ذلك متوفرة وخصوصا في السعودية وفي البحرين وفي الكويت وغيرها.
الآن لابد من ان نتساءل.. ترى لماذا هذا التغيير في استخدام أسلوب التلاعب في البنية الحكومية للدول العربية، بحيث كانت الانقلابات العسكرية هي السمة الأكثر وضوحا في التعاطي والتعامل السياسي بين القوى المرتبطة بالغرب برغبتها او غصبا عنها، الجواب على هذا السؤال سهل ويسير فالغرب بعد ان استنفذ كل إمكانياته الفنية والمخابراتية في السيطرة على النتائج التي تجسدت على الارض عبر الانقلابات وتحولها إلى التوريث والتمسك في كرسي الحكم وقطع الطريق على أية محاولة انقلابية اخرى بات من الضروري اللجوء الى اسلوب جديد يحقق الهدف الذي تسعى إليه القوى الكبرى في الغرب في عمليات التغيير والتبديل بحسب الظروف المستجدة!!