للأمانة… لم ترد على بالي أغنية ميادة الحناوي (نعمة النسيان) إلا حين اخترتها عنوانا لعمودي هذا، فهي -والحق يقال- أغنية حزينة، معبرة ومشهورة، وقد تضاهي -عندنا- (كبة السراي) شهرة وصيتا، كما رأيت فيها ما يساند طبيعة الخبر المنشور على أحد مواقع الانترنيت -قبل أيام- والذي يتحدث عن سيدة بريطانية فقدت ذاكرتها بسبب إصابة في رأسها جعلتها تنسى ما مر بها من أحداث طوال عقدين ماضيين من الزمن.

  الخبر أخذني للأغنية، والأغنية (ودتني) الى تذكر استطلاع صحفيّ قمت به أنا -وأعوذ بالله من كلمة أنا- قبل عشرين عاما قريبا، بأخذ آراء عدد من زملائي الكتاب والأدباء والصحفيين عبر سؤال ماكر طالبتهم فيه أن يحذفوا أو يمنتجوا (من المونتاج)- لو تسنى لهم ذلك طبعا،وهذا مستحيل بالتأكيد- عشر سنوات من أعمار حياتهم وفق ما يشاؤون ويتمنون حذف تلك السنوات العشر أو عدم تذكرها -بمعنى وآخر-، جاءت أغلب إجابات الزملاء مخيبة -ليست لي- بل  لآمال وطبيعة وظنون واستراتيجيات ما كان يفكر فيه النظام السابق الغارق ببحور من حروب و محيطات من(بلاوي) حصارية وأخرى قمعية وغيرها من معاول نحر الأماني والأحلام التي حاول المستجوبون عبور حقول ألغام ذلك السؤال (الورطة) بمجسات حذر ووعي واحتراز، لم يحرز غير تأجيل ذلك الاستطلاع وإلغاء فكرته اللعينة -جملة وتفصيلا- وانتهت برمي أولياتها كاملة في سلة المهملات راضيا بقرار شاركني فيه صديقي الشاعر المبدع عبدالزهرة زكي، أيام كان رئيسا للقسم الثقافي في جريدة الجمهورية حين كنا نعمل معا في آخر محطة لي عام2000 في الجمهورية (الجريدة) التي أحب وأعشق وأشتاق للآن.

      يلخص الخبر المتعلق بالسيدة البريطانية، واسمها (كاي ديلاتي)وعمرها (55) عاما، بأنها تعرضت الى ضربة مفاجئة في الرأس، نتج عنها تعطيل غريب في ذاكرتها، إذ توقفت الذاكرة لديها عند حدود عام/1990ولم تعد تتذكر ما حدث لها من مواقف واحداث قبل ذلك التأريخ، الى درجة لم تتذكر -أصلا- أن لها ولدا شابا يبلغ من العمر عشرين عاما يدعى جيمس، كما أنها غير مقتنعة بأن ابنها البكر ويدعى (كيني) قد بلغ من العمر(27)عاما، وابنها الآخر (الوسطاني) واسمه (ساندي) هو الآن بعمر (22) عاما.

     لكن من جملة ما تتذكره  هذه السيدة (المكرودة) ان ولديها المذكورين ما زالا طفلين صغيرين، ولم تقتنع بأن والديها غير موجودين على قيد الحياة! وحين تعرضت -من قبل مختصين- الى مجموعة من اسئلة عامة، جاءت إجاباتها -مثلا- أن (مارغريت تاتشر) المرأة الحريرية – كما يطلق عليها في سيـــــاق فيلم سينمائي تناول حياتها ونال أحدى جوائز الأوسكار هذا العام،أو العجوز الشمطــــــــاء كما كان يحلو للقائد (الضرورة) ووسائل إعلام نظامه السابق أن ينعتها بذلك- لم تزل رئيسة لوزراء بريطانيا، كما أدعت انها سمعت بوجود شخص يدعى(توني بلير)،ولم تعلم بحادثة موت الأميرة ديانا و مفاجآت أخرى جعلتها تجهش بكاءً مرا .

     هنا- أسأل…هل النسيان- فعلا- نعمة؟ أم الأمر ينحصر -فقط- بمن تمتلئ ذواكرهم بالموت والمخاوف والحروب وانقطاعات مزمنة للكهرباء؟!

التعليقات معطلة