Placeholder

بدون.. !!

عبر رحلتي الإذاعية الطويلة، أعددت عشرات البرامج المنوعة، كان أحبها الى نفسي، برنامج بعنوان (كلمة في ساعة)، لأنه ذو طبيعة ثقافية تجمع شتى فنون المعرفة، فأنا أتناول مفردة (العين) على سبيل المثال وأتابع معانيها في القاموس ثم في الكتاب الكريم لأقف على عدد المرات التي وردت فيها والدلالات الاستعمالية لها.. 

فهي النظر وعيون الماء والأمر.. الخ ، حتى اذا فرغت من ذلك، تابعتها في الجغرافية كمدينة العين وعين ترمة والعين السحرية وعين الحلوة.. الخ ، ثم في الأمثال الفصيحة والعامية وكذلك في الشعر العربي قديمه وحديثه، وما قيل من أبيات غزلية جميلة في العيون والوانها وما لحق بها من تشبيهات بلاغية ليس ابتداء بعيون المها او التي في طرفها حور، ولا انتهاء برائعة السياب (عيناك غابتا نخيل) ، ولا يفوتني بالطبع أن امر على هذه الكلمة في المشهور من الاغاني العراقية والعربية.. 

وهكذا كنت أتقلب بين خمسين مصدرا او يزيد، وفي ذلك جهد ما بعده جهد، ولكن الجهد الحقيقي كان في اختيار المفردة نفسها، لأنه يمثل معضلة كبيرة بحد ذاته، حيث لا يبدو من السهل متابعة كلمة واحدة على مدى 60 دقيقة، لأن اغلب الكلمات يندر وجودها في الشعر أو الجغرافيا أو الأمثال.. الخ ، ومن هنا كنت استعين بأصدقائي لمعاونتي في البحث عن مفردات متعددة الاستعمال والمعاني، وكانوا مشكورين لا يبخلون بذلك، وقد اتصل بي احدهم في بداية العام الميلادي الجديد، واقترح عليّ مفردة (بدون)، لأنها ذائعة الصيت، واسعة الدلالة، غير انني بعد عناء عظيم، لم اتوصل إلا الى بضعة ابيات شعرية وبضع معلومات شحيحة لا تغطي اكثر من 10 دقائق، والمطلوب مني 60 دقيقة ، ولهذا اتصلت به وعاتبته، لأنه ورطني مع كلمة نادرة الاستعمال، ولكن الرجل استغرب من كلامي واتهمني من باب (الميانة)، بالبلادة والبلاهة، وقال لي بامكانك الحديث في برنامجك عن (البدون) في الكويت ومشكلتهم واصل تسميتهم بهذه التسمية، وبإمكانك الحديث عن وزارة الدفاع العراقية وهي (بدون) وزير، ووزارة الداخلية وهي (بدون) وزير، والمخابرات وهي (بدون) مدير، ومجلس الوزراء وهو (بدون) قانون، والفساد المالي والإداري وهو (بدون) حساب، ومشكلات المحاصصة والبطالة والكهرباء وهي (بدون) حل، والمستورد من الأطعمة الفاسدة والادوية المشبوهة وهي (بدون) رقابة، واسترسل في كلامه من غير توقف، هناك تلامذة (بدون) مدارس، ومعتقلون (بدون) محاكمات، وحياتنا (بدون) … 

فقاطعته معتذرا، وقد اكتشفت انني بليد حقا، فلو فكرت قليلا وتأملت الأمر بعناية، لأدركت ان مفردة (بدون) تحتاج الى برنامج اسمه: كلمة في 24 ساعة!!

Placeholder

المواطن البسيط.. والقمة العظيمة

واحدة من أهم مقاتل النظام السابق؛ انه شكّل قطيعة -منظورة وغير منظورة- بينه وبين عموم المواطنين؛ الى حدّ التشفي بمؤسسات الدولة التي تهاوت أمام الهجومات الصاروخية؛ على الرغم من ان هذه المؤسسات قد بنيت من اموال العراق؛ ومن المفروض ان (يموت الواحد قهرا) وهو يراها تصبح هشيما ورمادا؛ لكنه الاحساس بان النظام يستاهل وما هذه المؤسسات سوى واجهة دعائية لانجازاته؛ وقد تترجم هذا التشفي بحالات النهب والسلب التي شملت اغلب المرافق الحكومية؛ من دون اي احساس بوخز الضمير او التوقف للحظة والانتباه الى انها اموال الصالح العام . للأسف؛ هذا الشعور والإحباط سائد في الشارع العراقي اليوم؛ واكبر مثال على ذلك موقف المواطنين البسطاء –أمثالي– من مؤتمر القمة الذي تنتظره بغداد؛ فاذا عقد او لم يعقد ما الذي يدخل في كيسنا؛ لاسيما وان بوادره قد بانت لنا.. في تقطيع اوصال الشوارع؛ وكثافة السيطرات؛ وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية (على اعتبار ان أبواب بغداد ستغلق أمام شاحنات الخضار المقبلة من أطراف العاصمة الزراعية).  يا ترى هل ستقرر محاضر المؤتمر اعادة الحصة التموينية الى انتظامها الشهري؟ وهل ستلزم (الديمقراطية الفتية) في بلادنا؛ بان تحترم تسعيرة المواد الغذائية وبالتالي احترام حق المواطن الطبيعي في الغذاء من دون ابتزاز لموارده الشحيحة؟ ام ستحدد اجور الاطباء؛ واسعار الامبير؛ وتوفر الدواء – باعتباره حقا من الحقوق المكفولة بالدستور – ام سيتكاتف الرؤساء والملوك والامراء والسلاطين العرب؛ مع حزن الامهات العراقيات؛ ومع ظلامة الايتام العراقيين؛ فيقنعوا الامير(سين) او الملك(صاد) باسقاط ديونه التي انتزعها اضعافا اضعافا اضعافا مضاعفة؛ وما زال فمه مفتوحا على (لقيمات) اراملنا؛ اللواتي ترملن بسبب ما كان يضخه من دعم لارضاء نزعة البطولة القومية الزائفة!!

اذا لم تنعقد القمة؛ سيشمت بالحكومة خصومها؛ وليكن.. فليشمتوا ؛ فلم تكن الحكومة ابا او اما او عما أو خالا لأحدنا؛ واكرر» نحن البسطاء» أو «الدهماء».وسيخسر العراق موقعه المؤثر في الساحة الدولية والاقليمية؛ ثم ماذا؛ وانا الذي اتمنى ان يربح العراق ساحته الداخلية؛ وينتبه الى حاجاتنا اليومية ومعاناتنا التي لا تغتفر لاي نظام في الكون؛ وبعد ذلك لينطلق الى العالمية!

المضحك المبكي ان مسؤولا رفيعا في الدولة ظهر قبل يومين في احدى الفضائحيات؛ وقال: من ضمن ما سنناقشه مشكلة المواطن العربي الذي يعيش في بيوت الصفيح واغلب بلداننا العربية ترقد على بحيرات من النفط!! دون ان يخجل-هذا المسؤول- من الصور التي تعرضها القناة المستضيفة؛ لاطفال ونساء-عراقيين وعراقيات- وهم يفتشون في اكوام المزابل عن لقمة وعن رداء!

عقد المؤتمر ام لم يعقد؛ تلك مشكلة لا تعني احدا سوى السياسيين وحدهم؛ ونصيحة لهيئة النزاهة ان تعد – من الآن – قوائمها.. فاتهامات السياسيين لبعضهم بالفساد مقبلة؛ والمثل الشعبي يقول: تالي الليل تسمع حسّ العياط!!

Placeholder

المثقف غير السياسي والسياسي غير المثقف

قراءة في جدل الافكار, وغربلة الشعار في ضوء الاحداث التي تعصف بالمنطقة والعالم وتأخذهم الى حيث يراد لهم لا الى حيث يريدون, ومن هنا يظهر بطلان الاعتماد المطلق على الدعاوى المسرفة باحادية العقل المتنكر لمشروع الدين كنظام حياة مستوحى من السماء, لان النظام الكوني يجعل من العقل رديفا, بينما تصّر العلمنة القديمة والحديثة ممن يدعون للدولة المدنية على مرجعية العقل بالمطلق, فيخذلون العقل, ويعطلون التواصل مع النظام الكوني 

ولقد كان الشاعر ابو العلاء المعري الذي عرف بتناقض المواقف عندما يقول:

في الاذقية ضجة مابين احمد والمسيح

            كل ينادي دينه ياليت عمري ما الصحيح 

هذا الشاعر قديما كان يرى مرجعية العقل فقط حيث يقول :

زعم القوم ان يقوم امام ناطق في الكتيبة الخرساء

              كذب الزعم لا امام سوى العقل في صبحه والمساء 

وابو العلاء المعري كان شاعرا مشهودا له بالشاعرية المتفلسفة حيث يقول :

    خفف الوطئ ما اظن اديم الارض

                             إلا من تزاحم الاجساد 

وهو خطأ فكري تلبس في شاعرية قلقة, فراح يغري القراء بصحة ما يقول, والامر ليس كذلك, فالعقل الذي يرى ابو العلاء المعري امامته, يرفض قبول مقولة المعري, لان الارض بما فيها من تكوين قد كانت وخلقت قبل ان يخلق الانسان, قال تعالى: “والأرض وضعها للأنام” فمقولة المعري الشعرية سالبة بانتفاء الموضوع كما يقول المناطقة وعلماء الاصول.

والمعري كان مثقفا ولم يكن سياسيا هذا في القديم, اما في زماننا هذا, فيظهر الشاعر ادونيس” احمد سعيد” من سورية المقيم في فرنسا مثقفا وليس سياسيا كما اعترف هو في مقابلة اجرتها معه قناة دبي الفضائية , ولذلك كان محاصرا في المساحة السياسية لعدم خبرته مثلما كان غير متألق في المساحة الثقافية لانه من الداعين الى مرجعية العقل بالمطلق ورفضه لحاكمية الدين, فأوقع نفسه في تناقض فكري لايحسد عليه لانه رفض الواضحات عقلا واتبع المبهمات واعلن عدم معرفته بالسياسة, وهذا اعتراف يضر بمرجعية العقل ودوره في الحياة.

ومثلما واجهنا المثقف غير السياسي قديما وحديثا, فاننا اليوم نواجه السياسي غير المثقف في محطات كثيرة, وربما تكون الساحة العراقية من اكثر الساحات خصوصية في بروز السياسي غير المثقف, ولذلك رأينا جدبا وفقرا معرفيا واضحا في كتابة الدستور العراقي الذي وضع هيكليته ” نوح فيلدمان” المستشار القانوني للحاكم المدني في العراق” بول بريمر” في بدايات الاحتلال الامريكي للعراق, وبسبب ذلك ظل العراق مربكا لايهتدي الى فضاءات العمل السياسي التي تقودها الخبرة وعقول اهل الحكمة الذين يعرفون مخارج الازمات, ويجيدون فن الادارة في الملمات, ويتجاوزون الشبهات على طريقة: “رحم الله امرا جب الغيبة عن نفسه”.

واحداث العالم اليوم تحتشد بمايلي:

1- بالافكار المختلطة 

2- والمفاهيم الملتبسة 

3-  والخطط المبهمة .

4- والنوايا الغامضة 

وهذه جميعها تحتاج السياسي المثقف, وليس السياسي المصفف والمعرف حزبيا فقط.

والسياسي المعرف حزبيا في بلادنا وفي هذا المقطع التاريخي ثبت فشله الميداني وعرف الجمهور فشله قبل ان يعرفه حزبه, فهو كمن يدخل الامتحان بدون تحضير, لان العمل الحزبي عندنا اصبح هواية للعبة السلطة, ولم يصبح مؤسسة لبناء الافكار المنفتحة على الاخر, وانما تحول الى عصبية قبلية متخصصة في انتاج مايلي:

1- الانانية الشخصية 

2- الكراهية للآخر 

3- العداوة التي تستحضر ادوات القتال 

4- السطحية والمحدودية الثقافية 

5-  الانتهازية في المواقف

6-  الابتزاز والتطفل على الآخرين

7-  احتكار الامتيازات 

8-  احتكار المواقع والادوار 

9-  تهميش وتقزيم الحكومة والدولة, حيث تجعل من القبيلة حكومة ومن الحكومة قبيلة. ولذلك كان مشروع الاسناد العشائري يصب في المنافع الشحصية والحزبية, ولا يصب في منفعة الحكومة والدولة.

ولذلك فشلت الحزبية لانها كانت عصبية, وكانت بدون مشروع اجتماعي ثقافي سياسي.

والحزبي الذي زج في المحطات السياسية لم يكن مثقفا ولذلك لم يستطع مواجهة احداث الساحة, فضلا عن احداث العصر, فهو :

1- لايقرأ

2- واذا قرأ لايتدبر: والتدبر ظاهرة عقلية, ومفهوم معرفي قال تعالى : “افلا يتدبرون القرآن أم على قلوب اقفالها”.

3-  وهو لايسمع لغيره 

4- واذا سمع لايعي 

5- وهو لايشارك مع غيره 

6- واذا شارك لايتفاعل 

7- وشخصية من هذا النمط الحزبي هي شخصية مأزومة, والمأزوم لايجب ان يتصدى, لانه جزء من المشكلة وليس حلا لها.

ولذلك نحن نعاني ازمة ثقافية سياسية في كل من:

1- البرلمان 

2- الحكومة 

3- القضاء 

4- الهيئات الخاصة 

5-  مجالس المحافظات 

6- المؤسسات والدوائر الوظيفية 

7-  الجامعات ومؤسسات التربية 

8- النقابات, ومنظمات المجتمع المدني 

9- الحوزات والمدارس الدينية 

10- الاعلام والصحافة والفضائيات 

وازمة وجود السياسي غير المثقف هي التي تفوت علينا مايلي:

1-  عدم معرفة الافكار السياسية الدولية 

2-  عدم مواكبة الخطط التي تدار على مدار الساعة 

3-  عدم معرفة المفاهيم وما يختبئ وراؤها 

4-  عدم الاكتراث بالنوايا ودراستها 

ولذلك نحن في العراق بقينا تسع سنوات لانعرف كيف نعالج خروجنا من الفصل السابع .

وبقينا تسع سنوات لانكترث بمعنى “المناطق المتنازع عليها”.

وبقينا تسع سنوات لانعرف كيف نوزع النسب المالية على المحافظات بعدالة, فظل اقليم كردستان العراق يأخذ نسبة 17|0 من الموازنة العامة, واستحقاقه هو 5و12|0 من الموازنة العامة, وحتى الذين ادخلوه مطلبا انتخابيا لم يفوا بتعهداتهم.

وبقينا تسع سنوات نقبل بممثل لاقليم كردستان في حكومة بغداد وهو خطأ تنظيمي ودستوري.

وبقينا تسع سنوات نعطي من مسترجعات موازنة المحافظات مانسبته 17|0 الى اقليم كردستان, ولو ان احدا يعرف باصول الزكاة والخمس وكيف يدفعان ويحسبان لما دفع للاخوة في اقليم كردستان مرتين كما جرى ويجري.

وبقينا تسع سنوات لايتمكن جيشنا الفدرالي من الوصول الى حدودنا الشمالية في اقليم كردستان بدواعي لاتنتمي الى روح الفدرالية, ولا الى مفهوم الاقاليم وعلاقتها بالدولة المركزية. في حين ان قادة الاقليم يحملون الحكومة المركزية تقصيرا عندما تهاجم الحدود الشمالية من قبل الجيران, والتصريحات في هذا الشأن كثيرة وموثقة, ولكن اصبح ينطبق على من هم في الحكم ماقاله الشاعر:

لقد اسمعت لوناديت حيا

             ولكن لاحياة لمن تنادي 

وبقينا تسع سنوات بدون قانون للاحزاب, والاحزاب تتكاثر عندنا كتكاثر الفطر في الارض الرطبة المظلمة.

وبقينا سنوات نشكو من ثغرات الدستور دون ان نتمكن من ايجاد الطريق لحلها.

وبقينا تسع سنوات نشكو من ازمة المياه دون ان نخطو خطوة واحدة باتجاه التفاهم مع الجيران.

 وبقينا تسع سنوات لانعرف كيف نتعامل مع الجارة سورية حتى عادت ازماتها تنفث الدخان في مناخنا العراقي. وبقينا تسع سنوات لانتطلع الى بوابتنا الضيقة على الخليج حتى فوجئنا بما هو خلاف الجيرة والشركة.

وقدمنا من السجناء الارهابيين عربونا فاشلا لعلاقة لم تتبلور على اسس سليمة مع جارتنا السعودية. وفرشنا البساط الاحمر بخلاف الاعراف الدبلوماسية لبعض الساسة الايرانيين, فكتبنا على انفسنا بما لايتفق ومفهوم السياسي المثقف.

ومن هنا ونتيجة لكل مامضى معنا نطرح السؤال التالي:

هل يمكن ان يكون السياسي غير مثقف.

وللجواب على هذا السؤال لابد من تعريف المثقف حتى ننطلق الى استشراف افاق مساحة النظر بهذا الموضوع.

فالمثقف: “هو الذي يعرف كل شيء عن شيء” التخصص” وشيئا عن كل شيء “المواكبة العامة دون التخصص”.

فالسياسي لابد ان يكون مثقفا, اما المثقف فلا يشترط ان يكون سياسيا. 

ووجوب الثقافة للسياسي يأتي من خلال تعريف المضمون السياسي على الشكل الاتي:

1-  لابد للسياسي ان يكون ملما بالتاريخ 

2-  ولابد له من ان يكون ملما بالاقتصاد 

3-  وان يكون ملما بالاجتماع وتنظيمه

4-  وان يكون ملما بالفقه والقانون 

5-  وان يكون مطلعا على قواعد واصول علم النفس التحليلي 

6-  عارفا بالادارة وعلومها 

وهذه المحاور جميعها لايمكن ان تتحقق بدون ثقافة موسعة ومعرفة متخصصة, ولذلك عندما طلب من ديغول معاقبة من كان محرضا للحركة الطلابية في فرنسا في الستينات وهو من المثقفين, قال ديغول : تريدون مني ان اعاقب فولتير.

وذلك في اشارة لاحترام المثقف, ولو لم يكن ديغول السياسي مثقفا لما ادلى بذلك التصريح.

وكان النجاشي في قديم الزمان حاكما سياسيا ومثقفا من خلال استماعه الجيد لموفد المسلمين جعفر بن ابي طالب, مثلما استمع لمقولة المشركين, ثم مال ورجح خطاب الايمان الذي جسده ممثل المسلمين.

وكان سيف بن ذي يزن اول ملوك العرب مثقفا عندما استمع الى خطاب عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف جد النبي محمد وكافله, فقام سيف بن ذي يزن باحترام عبد المطلب وميزه على غيره من الضيوف, وخصه بما تناهى عنده من اخبار نبي اخر الزمان الذي كانت تختصره المقولة التالية: “يخرج من تهامه, فتى يتيم في كتفه شامة يبعث بالدين الذي يظل الى يوم القيامة”.

بينما كان ابرهة الحبشي صاحب الفيل غير مثقف لانه لم يعرف معنى مقولة عبد المطلب الشهيرة : “انا رب الابل وللبيت رب يحميه”.

واليوم لايكون سياسيا ومثقفا من لايدرك فحوى ومضامين احداث العصر التي يتقدمها الخطابات التالية:

1- ماقاله جورج بوش الابن: “الهرمجدون هي المعركة التاريخية الفاصلة في العالم, والهرمجدون هي مقولة يهودية توراتية.

2- وما يردده المرمون بقيادة “مت رومني” المتقدم بالفوز في انتخابات الحزب الجمهوري الامريكي من ان : “الصهيونية هي نشيد المسيح التي تحولت الى دعوة سياسية.

3- وما قاله هنري كيسنجر وزير خارجية امريكا الاسبق هذه الايام من انهم : “في حرب كونية ثالثة ” ويقصد بها الحالة السورية.

4- وما تدعو له المنظمات الصهيونية من اقامة حفل غنائي ريعه للمقاومة السورية.

5-  وما يدعو له سعود الفيصل وحمد القطري من تزويد المعارضة السورية بالسلاح.

6-  وما تناقلته الاخبار من دعوة الحكومة السعودية لتسليح مايسمى بالحيش السوري الحر عبر الاردن التي جاءت بعد زيارة ملك الاردن للسعودية.

7- وان قوات درع الجزيرة التي دخلت البحرين هي قوة اردنية بسلاح سعودي.

8- وان القوات التي حاربت الحوثيين في اليمن المتاخم للحدود السعودية هي قوات اردنية.

9- وان دعوات ضم الاردن والمغرب الى منظومة دول الخليج تأتي لتغطية تلك المساهمات عندما تكشف وتعرف معالمها.

7- دعوات تركيا لايجاد ممرات امنة في سورية هي ترجمة لرسالة الدكتوراه التي تقدم بها احمد داود اوغلو والتي تتحدث عن مشروع تهدئة الصراع الاسرائيلي العربي ببدائل من الخطاب الاسلامي البديل والذي اختيرت له مجاميع الاخوان والسلفية عبر نصوص تزحف على المعاني الحقيقية عبر حادثة خلق القران وامثالها التي شغلت السياسي غير المثقف والمثقف غير السياسي طيلة حكم المأمون والمعتصم والواثق واطاحت بالكثير من الرؤوس, ونحن اليوم امام محنة الثورة ومتناقضاتها والحرية ومتفاوتاتها والعدالة ومرادفاتها, وبين هذه وتلك يقف السياسي غير المثقف والمثقف غير السياسي مما يزيد من حدة الفتنة والابتلاء.

 

Placeholder

بدون.. !!

عبر رحلتي الإذاعية الطويلة، أعددت عشرات البرامج المنوعة، كان أحبها الى نفسي، برنامج بعنوان (كلمة في ساعة)، لأنه ذو طبيعة ثقافية تجمع شتى فنون المعرفة، فأنا أتناول مفردة (العين) على سبيل المثال وأتابع معانيها في القاموس ثم في الكتاب الكريم لأقف على عدد المرات التي وردت فيها والدلالات الاستعمالية لها.. 

فهي النظر وعيون الماء والأمر.. الخ ، حتى اذا فرغت من ذلك، تابعتها في الجغرافية كمدينة العين وعين ترمة والعين السحرية وعين الحلوة.. الخ ، ثم في الأمثال الفصيحة والعامية وكذلك في الشعر العربي قديمه وحديثه، وما قيل من أبيات غزلية جميلة في العيون والوانها وما لحق بها من تشبيهات بلاغية ليس ابتداء بعيون المها او التي في طرفها حور، ولا انتهاء برائعة السياب (عيناك غابتا نخيل) ، ولا يفوتني بالطبع أن امر على هذه الكلمة في المشهور من الاغاني العراقية والعربية.. 

وهكذا كنت أتقلب بين خمسين مصدرا او يزيد، وفي ذلك جهد ما بعده جهد، ولكن الجهد الحقيقي كان في اختيار المفردة نفسها، لأنه يمثل معضلة كبيرة بحد ذاته، حيث لا يبدو من السهل متابعة كلمة واحدة على مدى 60 دقيقة، لأن اغلب الكلمات يندر وجودها في الشعر أو الجغرافيا أو الأمثال.. الخ ، ومن هنا كنت استعين بأصدقائي لمعاونتي في البحث عن مفردات متعددة الاستعمال والمعاني، وكانوا مشكورين لا يبخلون بذلك، وقد اتصل بي احدهم في بداية العام الميلادي الجديد، واقترح عليّ مفردة (بدون)، لأنها ذائعة الصيت، واسعة الدلالة، غير انني بعد عناء عظيم، لم اتوصل إلا الى بضعة ابيات شعرية وبضع معلومات شحيحة لا تغطي اكثر من 10 دقائق، والمطلوب مني 60 دقيقة ، ولهذا اتصلت به وعاتبته، لأنه ورطني مع كلمة نادرة الاستعمال، ولكن الرجل استغرب من كلامي واتهمني من باب (الميانة)، بالبلادة والبلاهة، وقال لي بامكانك الحديث في برنامجك عن (البدون) في الكويت ومشكلتهم واصل تسميتهم بهذه التسمية، وبإمكانك الحديث عن وزارة الدفاع العراقية وهي (بدون) وزير، ووزارة الداخلية وهي (بدون) وزير، والمخابرات وهي (بدون) مدير، ومجلس الوزراء وهو (بدون) قانون، والفساد المالي والإداري وهو (بدون) حساب، ومشكلات المحاصصة والبطالة والكهرباء وهي (بدون) حل، والمستورد من الأطعمة الفاسدة والادوية المشبوهة وهي (بدون) رقابة، واسترسل في كلامه من غير توقف، هناك تلامذة (بدون) مدارس، ومعتقلون (بدون) محاكمات، وحياتنا (بدون) … 

فقاطعته معتذرا، وقد اكتشفت انني بليد حقا، فلو فكرت قليلا وتأملت الأمر بعناية، لأدركت ان مفردة (بدون) تحتاج الى برنامج اسمه: كلمة في 24 ساعة!!

Placeholder

مبالغ الحوالات الصفر

بحق، نخشى على أموالنا أن تتحول بما يشبه مغزى ذلك المثل المعروف بـ(تنبل أبو رطبه) أي ذلك الكسول الذي يجلس تحت النخلة ويفتح فمه كي يسقط الرطب فيه دون أي جهد أو عناء،، من فرط اعتمادنا الكبير -وربما الوحيد- على واردات النفط ومشتقاته أكثر من أي مجال صناعي وزراعي واستثماري يدعم وينمّي ويديم الاقتصاد الوطني ومدخولاته كما هو في بلدان العالم.

لقد جاء خبر توقيع مذكرة تفاهم أعلنتها وزارة الخارجية العراقية قبيل موعد انعقاد قمة بغداد بأسبوعين تقريبا ليشعل ويذكي- مجددا – نار الخشية على طريقة التصرف بأموالنا العامة وكيف يجب توجيهها بتغليب خدمة الصالح العام وتوفير فرص العمل للخريجين ومساعدة جيوش الشباب من العاطلين في بلاد النفط ومشتقات من الصناعات الاستخراجية التي نسمع طحنا لها ولا نرى العجين بأم أعيننا،، مذكرة التفاهم تلك التي جرت بين العراق ومصر في مقر وزارة الخارجية المصرية بحضور وزيري خارجية البلدين،، سندفع بموجبها مستحقات العاملين من أخوتنا المصريين في العراق في فترة الثمانينات والتسعينات وهي المعروفة بـ(الحوالات الصفر) عبر تسديد أصل الدين البالغ (408) أربعمئة وثمانية ملايين دولار والتفاوض والتباحث لاحقا على باقي المستحقات… والحبل على الجرار… بخصوص نصوص أصل دفع ديوان متراكمة بذمة شعبنا الذي أشد وأوقع ما (يرهم) وينطبق عليه مثل ذلك الجمل الذي يحمل الذهب ويأكل العاقول،، حاشاه الله،، كم يوجعني قلبي حين أمر على مثل هذه الامور حتى فيما يخص ويتعلق بحقوق أخوتنا من أبناء الكنانة والنيل البسطاء من الذين شاركونا عذابات دفع أثمان حماقات قادتنا الضروريين (جدا) وقهر نرجسياتهم المريضة -المكلفة- المجحفة بحق الانسانية أولا وبحق شعوبهم أولا وأخيرا. وأذكر-هنا- في معرض نكأ هذا الجرح مقطعا من قصيدة مذهلة لمظفر النواب يقول فيه: (كتلي من يعتك جرح جرحين يتلاكن وجعها… وكتلي السفن من تصفك بوجه الريح يتمزك شرعها) كان قد أوصلني الى ضفاف جرح آخر،، تمثل بثقة ونكران ذات وروح انسانية عالية حين صادق مجلسنا النيابي في آيار العام الماضي على قانون تسوية طلبات تتعلق بشأن تسديد مبالغ تصل قيمها الى (400 مليون دولار أمريكي) لعدد من عشرات الامريكيين كان النظام السابق قد استخدمهم  كدروع بشرية لتفادي غارات الحلفاء الجوية خلال حرب تحرير الكويت لتكون هي الاخرى(اي المبالغ) ثمن تعويضات مضافة على ظهر وكاهل شعبنا (المكرود) بعد ضيم حصارات وحروب وجروح وندوب وضربات وقائية و أخرى جراحية اعادتنا – بنجاح ساحق- الى ما قبل الصناعة كما حذّر( جيمس بيكر) وزير خارجية ماما أمريكا ابان حرب الخليج  الثانية على هذا البلد الذي دخل الحرب في ضوء معلومات سياحية وحماسية مدهونة بهتافات وملاحم وهمية منقوعة بقصائد كانت تغنى في حب القائد الضرورة.!!!

Placeholder

نوروزيات!!

وأنا انثر ورود المحبة على كردستان، وأشارك شعبنا الكردي في أرجاء العراق، أفراحه البهية، ومسراته اللذيذة بعيده القومي، متمنيا له وللوطن الجميل، كل خير وعافية، استميح الجميع عذرا في العودة الى الذاكرة، والتنقيب بين أوراقها الذابلة، عن زمن الطفولة والبراءة. 

مشهدان يعودان الى ستين سنة مضت، علقا في قرارة الروح، لا ادري أيهما أحب الى القلب، ففي 21 آذار من ذلك العام الخمسيني، هيأنا معلم الرياضة، الأستاذ جواد، بملابس رياضية وزي الكشافة (نحن تلاميذ مدرسة الكرخ الابتدائية للبنين)، ثم اصطحبنا الى مكان محدد لنا عند احد شوارع بغداد -ربما كان قريبا من المحطة العالمية- لنقف مع تلاميذ وتلميذات المدارس الأخرى، ومعلميهم، ومعلماتهم، من اجل استقبال (الملك) والتصفيق له، حيث يمر قريبا منا بسيارته التي  (تتخطى) ببطء، وكأنها في نزهة، وابتسامة ناعمة ترتسم على وجهه!

كان ذلك من دواعي بهجتنا التي لا تضاهى، ليس فقط لأننا أدخلنا السعادة الى قلبه، بل كذلك لشعور كل واحد منا، ان الملك قد خصّه بتلك التحية، وابتسم له وحده! وكنا ندعو ذلك اليوم (عيد الشجرة)، من دون ان اعرف سبب التسمية أو لماذا لا احصل على (عيديات) كما هو الحال في الفطر والأضحى؟ على ان (بركات) ذلك اليوم لم تقتصر على الموكب الملكي صباحا، فمع بداية الليل، انصرفت عوائل كثيرة الى تهيئة (صينية) شديدة الشبه بصينية (زكريا)، وذلك احتفاء بمناسبة تدعى (دورة السنة)، كنت أحفظ طقوسها عن ظهر قلب فهي الكرزات والحلوى بأنواعها، والخس والشموع والأباريق الفخارية الصغيرة، وصحون المحلبي والحلاوة والدولمة والكبة، وقد جرت العادة ان يقرأ احد الصبيان شيئا من الكتاب الكريم على الصينية بحضور أفراد الأسرة وأنا يومها ولد مطلوب لهذه المهمة، فقد ختمت القرآن في صغري عند (الملاية)، وامتلك صوتا في التجويد -على رواية أمي- أحلى من صوت (محمد رفعة)  وهكذا حلفتني جارتنا أم محمود بالقراءة بعد ان وضعت درهما في يدي!!

أظهرت أفضل ما عندي من مواهب، -مع أنني كنت اقرأ بعين وأراقب الصينية بعين أخرى- ونلت استحسان الحاضرين، وملأت الخالة ام محمود حبيبي بالكرزات ثم اصرت ان أشاركهم الطعام، وذهلت لأن الدولمة كانت محشوة بالرز واللحم، فهذه اول مرة اعرف ان اللحم يضاف إليها، في بيتنا تكون الحشوة من الرز، كان طعمها لا يقاوم، حتى أنني أكلت كمية مخالفة لشروط الأدب واللياقة والصحة!!

في اليوم الثاني،  وأثناء (الاصطفاف سأل المدير التلاميذ) (ما هو أجمل شيء رأيتموه البارحة؟) وارتفعت مئات الأصابع، وكان الرجل يصغي الينا واحدا واحدا ويسمع الإجابة نفسها (ستاد.. أجمل شيء هو جلالة الملك المفدى) ويعقب الإجابة تصفيق حار، وحين جاء دوري قلت له (ستاد أجمل شي هو دولمة أم محمود) ولا ادري لماذا تحول التصفيق الى ضحك، حتى ان المدير سقط أرضا، مع أنني لم اكذب والله العظيم!! 

Placeholder

الخفقة والرطقة والفكة وأبو غرب ومجنون وخريدة .. كنـــوز نفطيــــة تحــــت أســــوار الميزوبوتاميــــا

ربما كان الخبير النفطي العراقي (جبار علي اللعيبي) أول من أشار, بعد احتلال العراق, إلى الواقع الغامض لحقولنا النفطية الحدودية, في كتابه الموسوم (الوقوف في العاصفة – تحديات في الزمن الصعب), من إصدارات دار السراج للطباعة والنشر البصرة عام 2009. 

من يقرأ الكتاب من الجلد إلى الجلد يكتشف إن (اللعيبي جبار) يتحدث بروح وطنية صادقة, يدفعه الحماس دائما إلى استثمار نعمة النفط, والانتفاع من مواردها الغنية في تفعيل المشاريع النهضوية الشاملة, والارتقاء بالعراق إلى المستوى الحضاري اللائق, مفضلا البدء بالمكامن النفطية الحدودية المشتركة, الواقعة تحت أسوار الميزوبوتاميا, في الفكّة, والرطقة, وأبي غرب, ومجنون, لافتا الانتباه في أكثر من مناسبة إلى إن العراق هو الدولة الوحيدة في العالم, التي لم تسع حتى الآن إلى إبرام الاتفاقيات الثانوية, بالاتجاه الذي يضمن حقوقنا في ضوء الصيغ القانونية الواردة في الإطار العام, مبينا حاجتنا للعمل المشترك بصيغة الاستفادة الثنائية المعبر عنها باصطلاح (التوحيد Unitization). 

 من يقف اليوم على مشارف حدودنا الشرقية والغربية والجنوبية يرى بأم عينه المعدات العملاقة التي جلبتها دول الجوار لخوض غمار التسابق السريع والمحموم, ويرى سعيها الحثيث لتطوير حقولها المتاخمة لحدودنا, بالقدر الذي يساعدها على استخراج أكبر كمية ممكنة من النفط لصالحها, في حين ساهمت حروبنا الكثيرة في تراجعنا, وتخلفنا عن تطوير حقولنا ومكامننا الحدودية, ما أدى إلى تكبدنا خسائر مادية فادحة, ترتبت عليها تنازلات سيادية مؤلمة. 

كانت معظم حقولنا الحدودية تعمل بطاقات إنتاجية متواضعة بسبب افتقارها إلى المؤهلات التقنية المعاصرة, بينما كانت الدول المحاددة لنا تسير بخطوات حثيثة نحو تحقيق أعلى المعدلات في كميات النفط المستخرج من الحقول المشتركة. لكنها رفعت طاقاتها الإنتاجية إلى الحد الأقصى بعد عام 2003 , في الوقت الذي كانت فيه حقولنا الحدودية في أسوأ حالاتها بسبب تعرض آبارنا إلى العبث والتخريب, فقد تعرضت معظم آبار حقل الرطقة (الرطكَة) القريبة من الحدود الكويتية للتلف والدمار, وأُشعلت فيها النيران, وامتدت مخالب التخريب المتعمد لتشمل المنشآت السطحية لمحطة إنتاج الرطقة, ثم انتقلت شرارة التخريب لتطال حقول (أبو غرب) في الفكّة على الحدود العراقية الإيرانية, من جهة محافظة ميسان, حتى تحولت المنشآت السطحية إلى أشلاء مبعثرة, وأصبحت معظم الآبار المنتجة خارج نطاق الخدمة, واختفت الملامح الحدودية الهشة, ولم يعد لها وجود, واختفت المنشآت والمحطات التي كانت عامرة قبل 2003. 

تطرق (اللعيبي جبار) في كتابه آنف الذكر (أسفل الصفحة 131) إلى بعض الآبار العراقية التي أصبحت في قبضة إيران, بقوله: ((والانكى من ذلك كله إن بعض آبار الفكّة صارت في الجانب الآخر, وبات من الصعب, بل يستحيل الوصول إليها, ومما يزيد الطين بلّة أيضا هي طبيعة المنطقة الجبلية الوعرة, فضلا على تداخل الحدود مع بعضها, بفعل غياب الدعامات الدولية, أضف إلى ذلك تواجد القطعات العسكرية الإيرانية)).

خريدة في مهب الريح

تؤكد المصادر العلمية على إن التغيرات الجيولوجية والتقلبات الجيمورفولوجية هي التي جعلت منطقة (خريدة أو الخردة) أغنى حقول النفط العراقية, في حين تفيد المصادر السياسية: أن الأطماع الإقليمية هي التي جعلتها في قبضة الكويت, وذلك في ضوء أحكام القرار الأممي الجائر (833), الذي زحفت بموجبة الكويت نحو الأراضي العراقية, وتوغلت في أعماق خور عبد الله بمباركة مجلس الأمن, حتى صارت قريبة جداً من سواحل الفاو, وتمددت حدودها الجديدة المضافة نحو حقول الرميلة بمؤازرة القوى الاستعلائية الغاشمة.

 تقع (خريدة) على امتداد الخط الصحراوي المرسوم من جبل سنام, والذي ينتهي عند الحافة الجنوبية لميناء أم قصر, مروراً بصفوان ومزارع (بني حجيم), و(البو صالح), التي استولت عليها الكويت وردمت سواقيها, وهكذا وقعت (خريدة) في قبضة الكويت, مثلما وقعت أرصفة الزوارق الصاروخية العراقية, وقاعدة الخليج العربي, ومنشآت قيادة القوة البحرية في قبضتها في العام 1993. كانت للعراق في (خريدة) وحدها عشرات الآبار, حفرتها شركة النفط الوطنية العراقية في عصرها الذهبي, وثبتتها في خرائط ومرتسمات موثقة منذ عقد السبعينات من القرن الماضي, ومنحتها أرقاماً ومسميات عراقية خالصة, بيد أن ذاريات (عاصفة الصحراء) زحفت عليها من حفر الباطن, وضمتها إلى الحقول النفطية الكويتية في قسمة ضيزى, لعب فيها (بطرس بطرس غالي) دور الخصم والحكم, وكان فيها مجلس الأمن هو العراب الذي أصدر شهادة ميلاد كويتية جديدة لحقول (خريدة), من دون أن يشير إلى اسمها العراقي القديم, وربما ضمتها إلى حقل (الرطقة), وهكذا انتقلت ملكيتها من العراق إلى الكويت في غفلة من الزمن.   ومن نافلة القول نذكر أن حقيبة الوثائق الرسمية العراقية القديمة حملت في جعبتها حكايات أخرى عن (خريدة), حكايات بدأت فصولها في منتصف شهر تموز (يوليو) من عام  1990 عندما انهالت التصريحات العراقية ضد الكويت, واتهمتها بسرقة النفط العراقي من حقول الرميلة, في حين تقول الروايات الكويتية أن تلك الاتهامات كانت إحدى الذرائع, التي لجأ إليها العراق لافتعال مبررات الغزو, بيد أن الوقائع الملموسة على مسرح العمليات النفطية في حقل (خريدة) وحقل (البقة) توحي للمشاهد العادي أن ما يجري الآن على الأرض يبعث على الريبة والشك, فالنشاطات الكويتية غير الاعتيادية, وغير المسبوقة, وجهودها المكثفة المعززة بأحدث التقنيات, والمجهزة بأفضل الأبراج العملاقة ذاتية الحركة, ونشاطاتها المتسارعة على حافة الخط الحدودي المستحدث بين الكويت والعراق تعطي انطباعات وتفسيرات غير مريحة, فالجهد الهندسي الكويتي الجبار في هذه المنطقة يتعدى حدود المعقول, ويتمرد على قواعد المنطق, ليسقط تحت طائلة التساؤلات والاستفسارات الكثيرة عن فحوى المساعي الكويتية المحمومة والمركزة في هذه المنطقة بالذات, فقد تراكمت الآبار الكويتية فوق بعضها البعض, حتى صارت منطقة (خريدة) تعج بغابة من الأبراج المتباينة الأحجام والأشكال والوظائف, ما دفع مجلس محافظة البصرة إلى إطلاق سلسلة من التصريحات بين الفينة والأخرى, محذراً من فقدان كميات هائلة من النفط العراقي, بسبب الجهود الكويتية الاستثنائية في التركيز على حفر الآبار عند خطوط التماس مع العراق, وأشارت التصريحات إلى احتمال لجوء الكويت إلى استخراج النفط الثقيل عن طريق استخدام أساليب الحفر المائل, بهدف استنزاف الاحتياطي النفطي, وشفط المخزون السطحي, من المناطق المحاذية والمتاخمة والمجاورة للحقول العراقية.

 فهل عادت حليمة الكويتية إلى عاداتها الاستفزازية القديمة ؟؟, أم أنها تعمدت شفط الثروات النفطية السطحية الواقعة على حافة خطوط التماس مع العراق؟؟, وهل خططت لالتهام المأدبة من أطرافها الدسمة ؟؟, أم أنها استغلت الظروف المؤاتية لتستولي على الوليمة البترولية كلها ؟؟. هذه الأسئلة نعرضها على أنظار وزارة النفط  بانتظار الجواب الشافي والرد الحاسم.

حقولنا البحرية المتروكة

لقد تفجرت الصراعات الحدودية بين الأقطار المتلهفة للاستحواذ على مكامن النفط والغاز في قاع الخليج, وتحول الخليج إلى ما يشبه الحوض الكبير, الذي تتشابك في قعره مصالح دول المنطقة والدول الكبرى, باستثناء العراق الذي اختار القيام بدور المقاتل الشرس, وانشغل بالمطالبة بحقوق العرب المنهوبة في عرض البحر, فشهر سيفه للدفاع عن (طنب الكبرى), وشقيقتها الصغرى, وعمهما (أبو موسى), في الوقت الذي راحت فيه الأقطار الخليجية نفسها تعد العدة للاستيلاء على ثرواته النفطية والغازية في البحر, وكانت هي السباقة في التسلل إلى خور عبد الله, فاستغلت غيابه, وراحت ترسم حدودها مع إيران بالطريقة, التي تحرمه من حقوقه الموروثة في مياهه الإقليمية, التي أقرتها الأعراف والاتفاقيات البحرية الدولية, فوجد العراق نفسه خارج الوليمة, وتقاسم الأخوة الأعداء حصته من غنائم البحر, فخرج من المولد بلا حمص. .  واللافت للنظر إن حوض الخليج يضم الكثير من الحقول المسكوت عنها في المرحلة الراهنة, ونخشى أن تقع بعض تلك الحقول في حدود منطقة (خور الخفقة) العراقية الخالصة, أو في حدود منطقة (خور العمية), فتنهشها مخالب النزاع في ظل الغموض الذي يكتنف المياه الإقليمية العراقية.. ومن نافلة القول نذكر إن حقل (نوروز) هو أقرب الحقول البحرية لمدخل قناة خور الخفقة العراقية من جهة البحر, ولا يبعد عن مدخل هذه القناة الملاحية سوى (28) ميلا بحريا (الميل البحري يساوي 1852 متراً فقط), بينما تحيط بالمدخل ثلاثة حقول أخرى موزعة على قوس وهمي, يقدر نصف قطره بحدود (43) ميلا بحريا تقريبا, والحقول الثلاثة هي: حقل (أبو زار), وحقل (سروش), وحقل (درة). ما يعني إن مقتربات القناة الملاحية العراقية المؤدية إلى موائنا النفطية لابد أن تكون غنية بحقول النفط والغاز لوقوعها بمحاذاة أربعة من كبريات الحقول المشهورة شمال الخليج العربي. .

ويؤكد وزير النفط الأسبق (الأستاذ عصام الجلبي), على إن العراق سبق له أن حدد بعض الرقع الاستكشافية عام 1990, وسعى لسبر أغوارها لكن محاولاته توقفت فجأة في آب 1990 لأسباب معروفة. . ختاما نقول: إن كنوز الميزوبوتاميا الواقعة تحت أسوارها الطرفية البعيدة في البر والبحر, وحقولنا النفطية والغازية المهددة بانتهاكات دول الجوار تستدعي التفعيل والتعجيل, ولا تحتمل التعطيل والتأجيل, لأنها من ممتلكات الشعب العراقي, التي لا ينبغي التفريط بها, فهي حق مشروع من حقوقنا المدعومة بقوة القانون الدولي وبموجب أحكام الاتفاقيات النافدة, ولابد من الإسراع والمباشرة باستغلال المكامن الحدودية المهجورة قبل أن تشفطها مضخات الأشقاء, وقبل أن تجففها شافطات الأصدقاء.

Placeholder

مبالغ الحوالات الصفر

بحق، نخشى على أموالنا أن تتحول بما يشبه مغزى ذلك المثل المعروف بـ(تنبل أبو رطبه) أي ذلك الكسول الذي يجلس تحت النخلة ويفتح فمه كي يسقط الرطب فيه دون أي جهد أو عناء،، من فرط اعتمادنا الكبير -وربما الوحيد- على واردات النفط ومشتقاته أكثر من أي مجال صناعي وزراعي واستثماري يدعم وينمّي ويديم الاقتصاد الوطني ومدخولاته كما هو في بلدان العالم.

لقد جاء خبر توقيع مذكرة تفاهم أعلنتها وزارة الخارجية العراقية قبيل موعد انعقاد قمة بغداد بأسبوعين تقريبا ليشعل ويذكي- مجددا – نار الخشية على طريقة التصرف بأموالنا العامة وكيف يجب توجيهها بتغليب خدمة الصالح العام وتوفير فرص العمل للخريجين ومساعدة جيوش الشباب من العاطلين في بلاد النفط ومشتقات من الصناعات الاستخراجية التي نسمع طحنا لها ولا نرى العجين بأم أعيننا،، مذكرة التفاهم تلك التي جرت بين العراق ومصر في مقر وزارة الخارجية المصرية بحضور وزيري خارجية البلدين،، سندفع بموجبها مستحقات العاملين من أخوتنا المصريين في العراق في فترة الثمانينات والتسعينات وهي المعروفة بـ(الحوالات الصفر) عبر تسديد أصل الدين البالغ (408) أربعمئة وثمانية ملايين دولار والتفاوض والتباحث لاحقا على باقي المستحقات… والحبل على الجرار… بخصوص نصوص أصل دفع ديوان متراكمة بذمة شعبنا الذي أشد وأوقع ما (يرهم) وينطبق عليه مثل ذلك الجمل الذي يحمل الذهب ويأكل العاقول،، حاشاه الله،، كم يوجعني قلبي حين أمر على مثل هذه الامور حتى فيما يخص ويتعلق بحقوق أخوتنا من أبناء الكنانة والنيل البسطاء من الذين شاركونا عذابات دفع أثمان حماقات قادتنا الضروريين (جدا) وقهر نرجسياتهم المريضة -المكلفة- المجحفة بحق الانسانية أولا وبحق شعوبهم أولا وأخيرا. وأذكر-هنا- في معرض نكأ هذا الجرح مقطعا من قصيدة مذهلة لمظفر النواب يقول فيه: (كتلي من يعتك جرح جرحين يتلاكن وجعها… وكتلي السفن من تصفك بوجه الريح يتمزك شرعها) كان قد أوصلني الى ضفاف جرح آخر،، تمثل بثقة ونكران ذات وروح انسانية عالية حين صادق مجلسنا النيابي في آيار العام الماضي على قانون تسوية طلبات تتعلق بشأن تسديد مبالغ تصل قيمها الى (400 مليون دولار أمريكي) لعدد من عشرات الامريكيين كان النظام السابق قد استخدمهم  كدروع بشرية لتفادي غارات الحلفاء الجوية خلال حرب تحرير الكويت لتكون هي الاخرى(اي المبالغ) ثمن تعويضات مضافة على ظهر وكاهل شعبنا (المكرود) بعد ضيم حصارات وحروب وجروح وندوب وضربات وقائية و أخرى جراحية اعادتنا – بنجاح ساحق- الى ما قبل الصناعة كما حذّر( جيمس بيكر) وزير خارجية ماما أمريكا ابان حرب الخليج  الثانية على هذا البلد الذي دخل الحرب في ضوء معلومات سياحية وحماسية مدهونة بهتافات وملاحم وهمية منقوعة بقصائد كانت تغنى في حب القائد الضرورة.!!!

Placeholder

نوروزيات!!

وأنا انثر ورود المحبة على كردستان، وأشارك شعبنا الكردي في أرجاء العراق، أفراحه البهية، ومسراته اللذيذة بعيده القومي، متمنيا له وللوطن الجميل، كل خير وعافية، استميح الجميع عذرا في العودة الى الذاكرة، والتنقيب بين أوراقها الذابلة، عن زمن الطفولة والبراءة. 

مشهدان يعودان الى ستين سنة مضت، علقا في قرارة الروح، لا ادري أيهما أحب الى القلب، ففي 21 آذار من ذلك العام الخمسيني، هيأنا معلم الرياضة، الأستاذ جواد، بملابس رياضية وزي الكشافة (نحن تلاميذ مدرسة الكرخ الابتدائية للبنين)، ثم اصطحبنا الى مكان محدد لنا عند احد شوارع بغداد -ربما كان قريبا من المحطة العالمية- لنقف مع تلاميذ وتلميذات المدارس الأخرى، ومعلميهم، ومعلماتهم، من اجل استقبال (الملك) والتصفيق له، حيث يمر قريبا منا بسيارته التي  (تتخطى) ببطء، وكأنها في نزهة، وابتسامة ناعمة ترتسم على وجهه!

كان ذلك من دواعي بهجتنا التي لا تضاهى، ليس فقط لأننا أدخلنا السعادة الى قلبه، بل كذلك لشعور كل واحد منا، ان الملك قد خصّه بتلك التحية، وابتسم له وحده! وكنا ندعو ذلك اليوم (عيد الشجرة)، من دون ان اعرف سبب التسمية أو لماذا لا احصل على (عيديات) كما هو الحال في الفطر والأضحى؟ على ان (بركات) ذلك اليوم لم تقتصر على الموكب الملكي صباحا، فمع بداية الليل، انصرفت عوائل كثيرة الى تهيئة (صينية) شديدة الشبه بصينية (زكريا)، وذلك احتفاء بمناسبة تدعى (دورة السنة)، كنت أحفظ طقوسها عن ظهر قلب فهي الكرزات والحلوى بأنواعها، والخس والشموع والأباريق الفخارية الصغيرة، وصحون المحلبي والحلاوة والدولمة والكبة، وقد جرت العادة ان يقرأ احد الصبيان شيئا من الكتاب الكريم على الصينية بحضور أفراد الأسرة وأنا يومها ولد مطلوب لهذه المهمة، فقد ختمت القرآن في صغري عند (الملاية)، وامتلك صوتا في التجويد -على رواية أمي- أحلى من صوت (محمد رفعة)  وهكذا حلفتني جارتنا أم محمود بالقراءة بعد ان وضعت درهما في يدي!!

أظهرت أفضل ما عندي من مواهب، -مع أنني كنت اقرأ بعين وأراقب الصينية بعين أخرى- ونلت استحسان الحاضرين، وملأت الخالة ام محمود حبيبي بالكرزات ثم اصرت ان أشاركهم الطعام، وذهلت لأن الدولمة كانت محشوة بالرز واللحم، فهذه اول مرة اعرف ان اللحم يضاف إليها، في بيتنا تكون الحشوة من الرز، كان طعمها لا يقاوم، حتى أنني أكلت كمية مخالفة لشروط الأدب واللياقة والصحة!!

في اليوم الثاني،  وأثناء (الاصطفاف سأل المدير التلاميذ) (ما هو أجمل شيء رأيتموه البارحة؟) وارتفعت مئات الأصابع، وكان الرجل يصغي الينا واحدا واحدا ويسمع الإجابة نفسها (ستاد.. أجمل شيء هو جلالة الملك المفدى) ويعقب الإجابة تصفيق حار، وحين جاء دوري قلت له (ستاد أجمل شي هو دولمة أم محمود) ولا ادري لماذا تحول التصفيق الى ضحك، حتى ان المدير سقط أرضا، مع أنني لم اكذب والله العظيم!! 

Placeholder

الخفقة والرطقة والفكة وأبو غرب ومجنون وخريدة .. كنـــوز نفطيــــة تحــــت أســــوار الميزوبوتاميــــا

ربما كان الخبير النفطي العراقي (جبار علي اللعيبي) أول من أشار, بعد احتلال العراق, إلى الواقع الغامض لحقولنا النفطية الحدودية, في كتابه الموسوم (الوقوف في العاصفة – تحديات في الزمن الصعب), من إصدارات دار السراج للطباعة والنشر البصرة عام 2009. 

من يقرأ الكتاب من الجلد إلى الجلد يكتشف إن (اللعيبي جبار) يتحدث بروح وطنية صادقة, يدفعه الحماس دائما إلى استثمار نعمة النفط, والانتفاع من مواردها الغنية في تفعيل المشاريع النهضوية الشاملة, والارتقاء بالعراق إلى المستوى الحضاري اللائق, مفضلا البدء بالمكامن النفطية الحدودية المشتركة, الواقعة تحت أسوار الميزوبوتاميا, في الفكّة, والرطقة, وأبي غرب, ومجنون, لافتا الانتباه في أكثر من مناسبة إلى إن العراق هو الدولة الوحيدة في العالم, التي لم تسع حتى الآن إلى إبرام الاتفاقيات الثانوية, بالاتجاه الذي يضمن حقوقنا في ضوء الصيغ القانونية الواردة في الإطار العام, مبينا حاجتنا للعمل المشترك بصيغة الاستفادة الثنائية المعبر عنها باصطلاح (التوحيد Unitization). 

 من يقف اليوم على مشارف حدودنا الشرقية والغربية والجنوبية يرى بأم عينه المعدات العملاقة التي جلبتها دول الجوار لخوض غمار التسابق السريع والمحموم, ويرى سعيها الحثيث لتطوير حقولها المتاخمة لحدودنا, بالقدر الذي يساعدها على استخراج أكبر كمية ممكنة من النفط لصالحها, في حين ساهمت حروبنا الكثيرة في تراجعنا, وتخلفنا عن تطوير حقولنا ومكامننا الحدودية, ما أدى إلى تكبدنا خسائر مادية فادحة, ترتبت عليها تنازلات سيادية مؤلمة. 

كانت معظم حقولنا الحدودية تعمل بطاقات إنتاجية متواضعة بسبب افتقارها إلى المؤهلات التقنية المعاصرة, بينما كانت الدول المحاددة لنا تسير بخطوات حثيثة نحو تحقيق أعلى المعدلات في كميات النفط المستخرج من الحقول المشتركة. لكنها رفعت طاقاتها الإنتاجية إلى الحد الأقصى بعد عام 2003 , في الوقت الذي كانت فيه حقولنا الحدودية في أسوأ حالاتها بسبب تعرض آبارنا إلى العبث والتخريب, فقد تعرضت معظم آبار حقل الرطقة (الرطكَة) القريبة من الحدود الكويتية للتلف والدمار, وأُشعلت فيها النيران, وامتدت مخالب التخريب المتعمد لتشمل المنشآت السطحية لمحطة إنتاج الرطقة, ثم انتقلت شرارة التخريب لتطال حقول (أبو غرب) في الفكّة على الحدود العراقية الإيرانية, من جهة محافظة ميسان, حتى تحولت المنشآت السطحية إلى أشلاء مبعثرة, وأصبحت معظم الآبار المنتجة خارج نطاق الخدمة, واختفت الملامح الحدودية الهشة, ولم يعد لها وجود, واختفت المنشآت والمحطات التي كانت عامرة قبل 2003. 

تطرق (اللعيبي جبار) في كتابه آنف الذكر (أسفل الصفحة 131) إلى بعض الآبار العراقية التي أصبحت في قبضة إيران, بقوله: ((والانكى من ذلك كله إن بعض آبار الفكّة صارت في الجانب الآخر, وبات من الصعب, بل يستحيل الوصول إليها, ومما يزيد الطين بلّة أيضا هي طبيعة المنطقة الجبلية الوعرة, فضلا على تداخل الحدود مع بعضها, بفعل غياب الدعامات الدولية, أضف إلى ذلك تواجد القطعات العسكرية الإيرانية)).

خريدة في مهب الريح

تؤكد المصادر العلمية على إن التغيرات الجيولوجية والتقلبات الجيمورفولوجية هي التي جعلت منطقة (خريدة أو الخردة) أغنى حقول النفط العراقية, في حين تفيد المصادر السياسية: أن الأطماع الإقليمية هي التي جعلتها في قبضة الكويت, وذلك في ضوء أحكام القرار الأممي الجائر (833), الذي زحفت بموجبة الكويت نحو الأراضي العراقية, وتوغلت في أعماق خور عبد الله بمباركة مجلس الأمن, حتى صارت قريبة جداً من سواحل الفاو, وتمددت حدودها الجديدة المضافة نحو حقول الرميلة بمؤازرة القوى الاستعلائية الغاشمة.

 تقع (خريدة) على امتداد الخط الصحراوي المرسوم من جبل سنام, والذي ينتهي عند الحافة الجنوبية لميناء أم قصر, مروراً بصفوان ومزارع (بني حجيم), و(البو صالح), التي استولت عليها الكويت وردمت سواقيها, وهكذا وقعت (خريدة) في قبضة الكويت, مثلما وقعت أرصفة الزوارق الصاروخية العراقية, وقاعدة الخليج العربي, ومنشآت قيادة القوة البحرية في قبضتها في العام 1993. كانت للعراق في (خريدة) وحدها عشرات الآبار, حفرتها شركة النفط الوطنية العراقية في عصرها الذهبي, وثبتتها في خرائط ومرتسمات موثقة منذ عقد السبعينات من القرن الماضي, ومنحتها أرقاماً ومسميات عراقية خالصة, بيد أن ذاريات (عاصفة الصحراء) زحفت عليها من حفر الباطن, وضمتها إلى الحقول النفطية الكويتية في قسمة ضيزى, لعب فيها (بطرس بطرس غالي) دور الخصم والحكم, وكان فيها مجلس الأمن هو العراب الذي أصدر شهادة ميلاد كويتية جديدة لحقول (خريدة), من دون أن يشير إلى اسمها العراقي القديم, وربما ضمتها إلى حقل (الرطقة), وهكذا انتقلت ملكيتها من العراق إلى الكويت في غفلة من الزمن.   ومن نافلة القول نذكر أن حقيبة الوثائق الرسمية العراقية القديمة حملت في جعبتها حكايات أخرى عن (خريدة), حكايات بدأت فصولها في منتصف شهر تموز (يوليو) من عام  1990 عندما انهالت التصريحات العراقية ضد الكويت, واتهمتها بسرقة النفط العراقي من حقول الرميلة, في حين تقول الروايات الكويتية أن تلك الاتهامات كانت إحدى الذرائع, التي لجأ إليها العراق لافتعال مبررات الغزو, بيد أن الوقائع الملموسة على مسرح العمليات النفطية في حقل (خريدة) وحقل (البقة) توحي للمشاهد العادي أن ما يجري الآن على الأرض يبعث على الريبة والشك, فالنشاطات الكويتية غير الاعتيادية, وغير المسبوقة, وجهودها المكثفة المعززة بأحدث التقنيات, والمجهزة بأفضل الأبراج العملاقة ذاتية الحركة, ونشاطاتها المتسارعة على حافة الخط الحدودي المستحدث بين الكويت والعراق تعطي انطباعات وتفسيرات غير مريحة, فالجهد الهندسي الكويتي الجبار في هذه المنطقة يتعدى حدود المعقول, ويتمرد على قواعد المنطق, ليسقط تحت طائلة التساؤلات والاستفسارات الكثيرة عن فحوى المساعي الكويتية المحمومة والمركزة في هذه المنطقة بالذات, فقد تراكمت الآبار الكويتية فوق بعضها البعض, حتى صارت منطقة (خريدة) تعج بغابة من الأبراج المتباينة الأحجام والأشكال والوظائف, ما دفع مجلس محافظة البصرة إلى إطلاق سلسلة من التصريحات بين الفينة والأخرى, محذراً من فقدان كميات هائلة من النفط العراقي, بسبب الجهود الكويتية الاستثنائية في التركيز على حفر الآبار عند خطوط التماس مع العراق, وأشارت التصريحات إلى احتمال لجوء الكويت إلى استخراج النفط الثقيل عن طريق استخدام أساليب الحفر المائل, بهدف استنزاف الاحتياطي النفطي, وشفط المخزون السطحي, من المناطق المحاذية والمتاخمة والمجاورة للحقول العراقية.

 فهل عادت حليمة الكويتية إلى عاداتها الاستفزازية القديمة ؟؟, أم أنها تعمدت شفط الثروات النفطية السطحية الواقعة على حافة خطوط التماس مع العراق؟؟, وهل خططت لالتهام المأدبة من أطرافها الدسمة ؟؟, أم أنها استغلت الظروف المؤاتية لتستولي على الوليمة البترولية كلها ؟؟. هذه الأسئلة نعرضها على أنظار وزارة النفط  بانتظار الجواب الشافي والرد الحاسم.

حقولنا البحرية المتروكة

لقد تفجرت الصراعات الحدودية بين الأقطار المتلهفة للاستحواذ على مكامن النفط والغاز في قاع الخليج, وتحول الخليج إلى ما يشبه الحوض الكبير, الذي تتشابك في قعره مصالح دول المنطقة والدول الكبرى, باستثناء العراق الذي اختار القيام بدور المقاتل الشرس, وانشغل بالمطالبة بحقوق العرب المنهوبة في عرض البحر, فشهر سيفه للدفاع عن (طنب الكبرى), وشقيقتها الصغرى, وعمهما (أبو موسى), في الوقت الذي راحت فيه الأقطار الخليجية نفسها تعد العدة للاستيلاء على ثرواته النفطية والغازية في البحر, وكانت هي السباقة في التسلل إلى خور عبد الله, فاستغلت غيابه, وراحت ترسم حدودها مع إيران بالطريقة, التي تحرمه من حقوقه الموروثة في مياهه الإقليمية, التي أقرتها الأعراف والاتفاقيات البحرية الدولية, فوجد العراق نفسه خارج الوليمة, وتقاسم الأخوة الأعداء حصته من غنائم البحر, فخرج من المولد بلا حمص. .  واللافت للنظر إن حوض الخليج يضم الكثير من الحقول المسكوت عنها في المرحلة الراهنة, ونخشى أن تقع بعض تلك الحقول في حدود منطقة (خور الخفقة) العراقية الخالصة, أو في حدود منطقة (خور العمية), فتنهشها مخالب النزاع في ظل الغموض الذي يكتنف المياه الإقليمية العراقية.. ومن نافلة القول نذكر إن حقل (نوروز) هو أقرب الحقول البحرية لمدخل قناة خور الخفقة العراقية من جهة البحر, ولا يبعد عن مدخل هذه القناة الملاحية سوى (28) ميلا بحريا (الميل البحري يساوي 1852 متراً فقط), بينما تحيط بالمدخل ثلاثة حقول أخرى موزعة على قوس وهمي, يقدر نصف قطره بحدود (43) ميلا بحريا تقريبا, والحقول الثلاثة هي: حقل (أبو زار), وحقل (سروش), وحقل (درة). ما يعني إن مقتربات القناة الملاحية العراقية المؤدية إلى موائنا النفطية لابد أن تكون غنية بحقول النفط والغاز لوقوعها بمحاذاة أربعة من كبريات الحقول المشهورة شمال الخليج العربي. .

ويؤكد وزير النفط الأسبق (الأستاذ عصام الجلبي), على إن العراق سبق له أن حدد بعض الرقع الاستكشافية عام 1990, وسعى لسبر أغوارها لكن محاولاته توقفت فجأة في آب 1990 لأسباب معروفة. . ختاما نقول: إن كنوز الميزوبوتاميا الواقعة تحت أسوارها الطرفية البعيدة في البر والبحر, وحقولنا النفطية والغازية المهددة بانتهاكات دول الجوار تستدعي التفعيل والتعجيل, ولا تحتمل التعطيل والتأجيل, لأنها من ممتلكات الشعب العراقي, التي لا ينبغي التفريط بها, فهي حق مشروع من حقوقنا المدعومة بقوة القانون الدولي وبموجب أحكام الاتفاقيات النافدة, ولابد من الإسراع والمباشرة باستغلال المكامن الحدودية المهجورة قبل أن تشفطها مضخات الأشقاء, وقبل أن تجففها شافطات الأصدقاء.