Placeholder

الطبيب ..و..الهمج

مجرد المطالبة بقانون لحماية الطبيب من عدوان الهمج,  مدعاة للحرج, فالمعروف والجاري في كل المجتمعات احترام وتقدير الطبيب وكل ذكي ومبدع وفعال ورمز ومعطاء وبدرجات تتناسب وثقافة ووعي وتحضر المجتمعات … والطبيب في مجتمعنا كان محظوظا على مكانته ومنزلته الاجتماعية وعلو شأنه بين الناس.. الى ان (حلت) علينا (الديمقراطية) المفصلة بدقة حسب الغايات والمرامي, فانحط الطبيب مع عناوين اخرى وبات عرضة لتطاول وابتزاز الأميين (والمتمنطقين) بالديمقراطية وسواهم وبلغ الحال انه لا طبيب في العراق, إلا ما ندر, لا يفكر بالفرار من هذا الذي يعيشه ويعانيه من المراجع ومن بعض الإدارات  ومن الإجراءات التي تدفعه للعن اليوم الذي اختار فيه أن يكون طبيبا… وباتت هذه القناعة متداولة وشائعة حتى في قاعات الدرس ومجالس بث الشكوى, يمتن الجميع للدكتور وزير الصحة لتقديمه قانون حماية الأطباء ..وهو قانون يؤشر وباء اجتماعيا وقيميا  الا انه صار ضروريا …فقد انبثق من مجتمعنا ما لم يكن معروفا ولا معقولا …وان نظرة مسؤولة وجادة وحريصة تبين تأثير الزلزال الديمقراطي على منظومة المواقع والاعتبارات للرموز والأعلام والبناة..  وقد يُفاجأ المراقب اذ يبصر بحال عناوين وقامات عملاقة في ميادين الخلق والإبداع المختلفة …فلا غرابة ان يعامل الطبيب بهمجية من الاطراف المختلفة ..وبما ارغمه على التفكير بالفرار والهزيمة ..فكان سيد المستشفيات في دول الخليج والمنطقة وبلدان اوربا ..بدل هذا الإذلال والخوف والتعامل المخجل والمهين …وحصل ,بالمقابل ,ان تناقص الاطباء في العراق وباتت المستشفيات تبكي عليه ,ليعوض  باطباء غير عراقيين ..فهل حدث هذا في بلد آخر ؟؟؟؟ الاكيد ان المشكلة اعمق واخطر من تعامل همجي مع الطبيب, ومع كل البناة والكبار والموهوبين…ومن اعراض العلة انه يصعب حتى تسمية السبب وتشخيص الحالة ..وبما يعني انتظار اخلاء البلد من مبدعيه وعقوله ويجفف منهم ..ولا يبدو ان القيمين وولاة الأمر قد لاحتهم ومستهم الريح من الحرائق المستعرة.. فهم غائبون في (المحاصصة) ومشغولون بأطول خلافات مزمنة.. في حين تتسرب العقول الفذة الى الخارج مع العملة الصعبة, مع الثروات, مع المعاني …وليس امامنا ..بخصوص الاطباء ,سوى السيد وزير الصحة نستحثه وندعمه لتطبيق قانون حماية الاطباء …وما اذا كان له رأي؟

Placeholder

“مراجل” الفوضى الأميركية في ليبيا

أية معجزة هذه التي ربطت الإخوان والأمريكان برابطة التآخي !, وكيف اجتمعت الأضداد والنقائض العقائدية والفقهية في فرقاطة أمريكية تعمل بالوقود الطائفي وتقودها هيلاري كلينتون ؟, فمنذ الربع الأول من القرن الماضي وحتى اليوم الذي انطلقت فيها الشرارة الأولى للربيع البترولي كان الإخوان من ألد أعداء أمريكا, وكانت أمريكا لا تطيقهم ولا ترتاح لهم, فكيف اعترف بهم البيت الأبيض؟, وكيف اجتمعوا تحت قبته, وهل جاء الاعتراف بهم من باب الإقرار بحقوقهم المهدورة ؟, أم من باب الإعجاب بهم ؟, وهل تظاهرت أمريكا مرحليا بمعاداتهم لذر الرماد في العيون؟, أم إنهم فرحوا بصعودهم إلى سدة الحكم على طريقة الكيانات الإقليمية المتسامحة معهم, والمتوافقة مع منهجهم الساعي لتوطيد أركان النظام العالمي الجديد ؟. لقد اكتشفت بريطانيا منذ زمن بعيد سلاحا رخيصا ومتيسرا لتشتيت الأمة العربية وبعثرتها, ووجدت ضالتها في التناقضات الطائفية المتفشية بين الجماعات العربية المتدينة, وعثرت عليها في الصراعات المذهبية الموروثة, فجندت طوابيرها لدراسة التاريخ العربي الإسلامي دراسة مستفيضة واسعة, وأوصتهم بالغوص في أعماق أعماقه السحيقة, وطلبت منهم التركيز على الخلافات المتجذرة, والمواقف المتنافرة, وإخضاعها للتحليل على وفق الأسس العلمية الحديثة, بقصد البحث عن الثغرات التي يمكن التغلغل من خلالها لتعميق الخلافات وتأجيجها, وزرع الفتن وتفعيلها. 

مما يؤسف له إنها وجدت زعماء الطوائف والفرق متقوقعين على أنفسهم, غير عابئين بما تضمره لهم الأوكار الشريرة من خطط ومؤامرات ودسائس, فكانت الساحة مفتوحة لها لابتكار طوائف جديدة, واستحداث فرق مضافة إلى الفرق المتناقضة, وليس أدل على كلامنا هذا من المؤلفات الفقهية والتاريخية التي أنجزها المستشرق البريطاني برنارد لويس عن (مذهب الحشاشين) في الإسلام, وعن الفرقة (الإسماعيلية), والفرقة (النزارية), والفرقة (البهائية), و(البابية), و(السبعية), و(السماعلة), وهم غير الإسماعيلية, و(الزكرية), التي لم يسمع بها معظم القراء, ولسنا مغالين إذا قلنا: إن ما كتبه برنارد لويس وحده يعد من أقوى المدافع التي أسهمت ومازالت تسهم في تمزيق وحدة العرب. 

وهكذا كان المستشرقون هم اللبنة الأولى لبناء الأوكار التخريبية في قلب الوطن العربي, فاختارت أمريكا هذا السلاح المؤثر, وطورته وحسنته, فانتدبت برنارد لويس للعمل في البنتاغون, فغادر جامعة لندن, وأوصاهم باستعارة فكرة القتال الانتحاري من مذهب (الحشاشين) وإدخالها في أجندة المافيات الجهادية, ومن لا يصدق ذلك يتعين عليه أن يبحث في مؤلفات برنارد لويس عن (مذهب الحشاشين), وأن يدقق باستراتيجيهم القتالية المبنية على تنفيذ عمليات الاغتيال, ومن ثم الإقدام على الانتحار تحت تأثير الأفيون مؤمنين بأكذوبة الانتقال مباشرة من المسرح الدامي إلى الجنة ونعيمها, متأثرين بقاعدتهم الفقهية التي تقول: ((لا حقيقة في الكون وكل شي مباح)), حتى إن كلمة (اغتيال  Assassin) الشائعة في اللغة الانجليزية اشتقت من مذهب (الحشاشين), ثم انظر كيف انتقلت هذه الفكرة إلى الخلايا الانتحارية الإرهابية, التي استعارت هذه الفكرة, فجندت الشباب تحت تأثير أقراص الهلوسة, ودفعتهم لتفجير أنفسهم في الأسواق والمساجد على أمل تناول وجبة الإفطار على مائدة الأنبياء والرسل. ربما يطول بنا الحديث عن المعاول الغربية التي أسهمت في تدمير الثقافة العربية الإسلامية, وحولتها إلى قناطر عبرت فوقها لبسط نفوذها الاستعماري التوسعي, فما نريد قوله هنا: إن أمريكا قبلت بنصيحة المستشرقين الجدد بقيادة برنارد لويس, فهرعت لتوظيف الفئات الإسلامية المتطرفة, واستغلت التكتلات المتشددة في تأجيج الفتن الطائفية ونشرتها على نطاق واسع, فما نراه في اليمن والبحرين والعراق وليبيا ما هو إلا بداية خجولة للانفجارات البركانية المتوقعة, ولا ندري هل انشغل حكماء الإخوان بنشوة الاعتراف بشرعيتهم, فتجاهلوا ما تضمره الأوكار الشريرة من نوايا خبيثة.  

يقول هيكل: (إن الاعتراف الأمريكي والغربي بالإخوان المسلمين لم يجيء قبولاً بحقٍ لهم, ولا تقديراً تجلت دواعيه فجأة أمام المعترفين, ولا عجباً ولا حكمةً, لكنه جاء قبولاً, ولو جزئياً بنصيحة المستشرقين, فوظفت أمريكا قادة من العرب وزعمائهم لتحقيق المطلب, وعلقت أهمية ظاهرة على جهود الأمراء والرؤساء في محاولة تغيير طبيعة الصراع الرئيسي في المنطقة, من صراع عربي إسرائيلي, إلى صراع عربي فارسي)), واكتشف معسكر الصقور في البنتاغون إن النجاح في تأجيج الصراع المدبر لا يمكن تحقيقه إلا بعد الاستئناس بآراء المستشرقين, فجاءتهم النصائح من دهاليز العفاريت المستشرقة لتحويل الصراع من (حكومات ضد حكومات), إلى صراع (مجتمعات ضد مجتمعات), ولتكن المواجهة مفتوحة بين المذاهب الإسلامية على مصاريعها, لأنها المواجهة الكفيلة بتفعيل العداء المباشر والأعمق والأوسع والمدمر.   

أدركت أمريكا إن المواجهات (السنية الشيعية) ظلت في مراحلها الفقهية المؤجلة, ولم تبلغ المستوى القتالي المطلوب, فبحثت عن الوقود الطائفي المخزون في أقبية المستشرقين لإشعال فتيل الحروب الطاحنة, وشرعت بتعبئته في مراجل المنطقة. فهل وقع الاختيار على الأخوان لتنفيذ مشاريع التمزيق والتفرقة ؟, وهل سيقبلون بالقيام بهذا الدور البغيض لحساب الأطراف الغربية المنتفعة ؟, أم إنهم غرقوا في نشوة الاعتراف ولم يسمح لهم الوقت بمراجعة البواعث الحقيقية, بدليل إنهم لم يعترضوا على تصريحات هيلاري كلنتون, عندما قالت: (لقد تحولت مصر وتونس وليبيا من الدكتاتورية إلى حكم عصابات الغوغاء). 

ألم أقل لكم: الله يستر من الجايات ؟

Placeholder

كتاب موصوف في تأبين (أبو الصوف)

شاء تصادف وجودي في العاصمة الأردنية (عمّان) مع يوم رحيل عالم الآثار الكبير- المنقب والمؤرخ الجليل (د.بهنام أبو الصوف) في التاسع عشر من أيلول الماضي، أن يتيح لي حضور مراسيم تشييع جنازته المهيب في الثاني والعشرين من ذلك الشهر، ومهابة قداس رفع الصلاة على روحه العراقية الطاهرة، صباح وظهر ذلك اليوم في كنيسة (مريم الناصرية) في منطقة تقع ما بين(عبدون) و(الصويفية) التي تعد من الأحياء الراقية في هذه العاصمة التي تغير طعم ولون نهاراتها في ذلك اليوم، جراء فرط الحزن والحسرة التي اجتاحت أرواح وغطت وجوه المشيعين وكل من حضر من علماء وأصدقاء وأهل ومحبين وصحفيين وإعلاميين مراسيم قداس توديع روح عالم الآثار الكبير -المنقب والمؤرخ الجليل (أبو الصوف) آخر سلالة البحث والتحري والتنقيب المجدي، عبر بوابات سعة العلم والمعرفة، وصدق وثقة الإطلاع بالتعريف عن خواص وخلاصات نواتج حضارة وادي الرافدين، من رهط سلالة علماء العراق، بدأ بـ(أحمد سوسة) و(طه باقر) و(أحمد صالح العلي) و(سلمان القيسي) و(فؤاد سفر) و(فوزي رشيد) وليس انتهاءً برعيل(أبو الصوف) و(طارق مظلوم) ومن هم بمنزلة هذا الهم الحضاري والإنساني والوطني الذي حفر لنا مياسم سر الوصول إلى رحم وجذر حضارتنا الضاربة عمقا في غرين هذي الأرض منذ كانت ولم تزل (سرة العالم) بأسره. 

لست بصدد التذكير بمصير واقع موتنا من العلماء والأدباء والنوابغ من الذين رحلوا خارج أوطانهم، وتم دفنهم في مقابر الغرباء التي حوت رفات الكثير منهم بعيدين من ذويهم وعشاقهم الروحيين، فتلك ظاهرة أضحت عابرة -للآسف- في قواميس السياسيين، عندنا، ممن يتولون -بحكم المسؤولية والوظيفة الوطنية- أمر وحسم مثل هذه الأمور كما يجب وكما فعل من قبل- مثلا- رئيس وزراء بريطانيا(ونستون تشرشل) حين خاطب العالم قائلا : (أن بريطانيا العظمى على أتم الاستعداد للتنازل عن جميع مستعمراتها، لكنها ليست على استعداد للتنازل عن وليم شكسبير)،  لكني… يا جماعة الخير بصدد التشبث بفكرة توالدت عندي بعد نهاية مراسيم دفن جثمان (د.بهنام أبو الصوف) في المقبرة المسيحية في عمان حسب رغبة أهله وذويه، حيث تصادف وأنا أبحث عن رواية الكاتبة الكبيرة لطفية الدليمي (سيدات زحل) في مكتبة الطليعة، أن تعرفت على صاحب المكتبة (سامي أحمد/أبو حسين) وهو فلسطيني الجنسية والذي حدثني عن الكتاب الأثير-الأخير للراحل (أبو الصوف) بعد أن أوشك على الانتهاء من التصحيح النهائي للمسودات وتضبيط إخراج الغلاف بالصورة التي طلبها قبل رحيله بأيام قليلة،  الكتاب يحمل عنوانا رئيسيا هو (مذكرات السنين) وآخر فرعيا هو (خمسون عاما من تأريخ العراق)، هنا أقول لمن تعنيه أمر هذا الفطحل الراحل (أبو الصوف)، ألسنا الأجدر بالإشراف على طبع الكتاب وتحمل تكاليف بقية مراحل إصداره وطبعه وترويجه، بما يليق  ويوازي حجم عطاءات وشهرة وعالمية عالمنا الآثاري الكبير هذا،  لطالما ونحن على مقربة من ارتقاء منصة الاحتفال ببغداد الحبيبة عاصمة للثقافة العربية العام القادم، من أجل تقديم علمائنا ونوابغنا عناوين كبيرة وراسخة تزهو بها ثقافتنا الحاضرة؟

Placeholder

حــج المســؤوليــن وحـج المـواطــنيـن

درج المسؤولون في هيئة الحج والعمرة على توزيع حصص الحج على بعض المسؤولين من تابعية أحزاب السلطة حتى بلغت حصة احدهم وهو من المزورين خمسة وعشرين مقعدا !.

أصبح مشهد الحج يعج في كل موسم بموظفي الدولة من مدير عام ومحافظ ووكيل وزير إلى الوزير, ووصل عدد النواب ذات مرة إلى ستة وسبعين نائبا مما جعل موسم الحج يتحول من عبادة وفريضة مناسك إلى سياحة واستجمام في زمن أحزاب السلطة وحكوماتهم, واليوم إذ يبادر الأستاذ نوري المالكي رئيس الحكومة إلى توجيه هيئة الحج والعمرة بعدم إعطاء حصة المواطنين من الحج إلى أي مسؤول حكومي , نقول أن هذه المبادرة جيدة ولو جاءت متأخرة جدا بلحاظ عمر التغيير , ويتذكر السيد رئيس الحكومة عندما كان عازما على السفر للحج عام 2004 وعندما وصله عتاب منا على ذلك , استجاب لذلك العتاب ورجع بعد أن كان متجهاً إلى صفوان لغرض السفر للحج عن طريق الكويت وهذه نقطة تحسب للسيد نوري المالكي قبل أن يصبح رئيسا للحكومة, واليوم تحسب له نقطة أخرى في منعه المسؤولين من السفر للحج على حساب حصة المواطنين من الحج , ولكن تبقى في ذمة السيد نوري المالكي حصة السنوات الماضية التي توزعها المسؤولون على هواهم ومزاجهم بموافقة هيئة الحج والعمرة التي يتحمل فيها الشيخ محمد تقي المولى المسؤولية الأولى في ضياع حصص المواطنين لفريضة عبادية ما كان المفروض بمن يعرف مناسك الحج ومعنى العبادة فيها أن يأخذ حصة ليست له ويترك المواطن الذي انتظر كثيرا ودفع مالا في سبيل الحصول على  فرصة الذهاب للحج العبادة المشروطة بالاستطاعة وبحج الضرورة وهو لمرة واحدة حيث حج رسول الله “ص” مرة واحدة في حياته , بينما أصبح المسؤولون العراقيون يحجون على هواهم كلما أرادوا غير ناظرين إلى محنة المواطنين العراقيين وكيف أصبح الحج بالنسبة لهم حلماً صعب المنال.

إن استغلال حصص الحج هو من مظاهر الفساد وعدم الأمانة التي لا يمكن تبرريها, والذين مارسوا سوء التصرف بهذه الأمانة هم ممن يدعون الحرص على الدين والتدين, ولكنهم بعدم حرصهم على أداء هذه الشعيرة بأمانة تتناسب مع عظم خطرها وتتناسب مع ما يدعو له البعض وما يتظاهر به من تدين ثبتت قشريته وبطلان مدعاه.

إن الشارع العراقي اليوم يعتبر ما جرى من تعامل مفرط بحصص الحج هو من الأدلة التي يحتج بها على عدم أهلية هؤلاء على إدارة الدولة وهو في ذلك له بعض الحق وفي مسائل أخرى له كل الحق.

إن المسؤولية أيا كانت تعني خدمة المواطن والوطن والحرص على النظام العام ومن هنا قال الرسول “ص” :

“ كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته “

وقال الإمام علي “عليه السلام” :

“ اتركوني كأحدكم أكون أطوعكم وأسمعكم “

وقبل ذلك قال الله تعالى:

“ يا أيها الذين امنوا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون “ .

إن ما جرى ويجري في حصص الحج من تلاعب طيلة سنوات ما بعد 2003 بحيث لم تعد جهة شرعية أو حكومية لم تعرف بذلك والسكوت كان ديدن الجميع, والمنع الذي وجهه رئيس الحكومة هذه الأيام لا نعتقد انه سيحظى بقدر كبير من الاهتمام والتطبيق لما عرفناه سابقا عن مصير التوجيهات التي تصدر عن رئيس الحكومة , وبهذه المناسبة اذكر ما رواه لي موظف في مجلس الوزراء قبل سنوات حيث صدر له أمر بتوقيع السيد رئيس الوزراء فقال له موظف طردي يعمل في أمانة مجلس الوزراء : “ليعينك المالكي في بيته”.

ومثل هذه المفارقات وهذه التجاوزات كثيرة والتي رسخت عدم هيبة الدولة حتى أصبحت عادة متبعة وعرفا سائدا لا احد يسعى للحد منه .

وما الذهاب المستعجل لبعض الأحزاب والشخصيات لحضور مؤتمر حزب العدالة والتنمية في تركيا الذي اعتذر عن حضوره رئيس الحكومة والذي لم يؤخذ بنظر الاعتبار من قبل كل من ذهب لحضور ذلك المؤتمر الذي مورست فيه تجاوزات على السيادة العراقية في سابقة خطيرة تطعن بوطنية كل من حضر في موقع سيادي أو في غير ذلك .

والتلاعب بحصص حج المواطنين لم يكن هو الخلل الوحيد المسجل ضد الجهات المسؤولة عن تلك المؤسسة, وإنما هناك في أروقة دوائر الرقابة والنزاهة الأشياء الكثيرة التي يمكن أن يكثر الحديث عنها .

فهل نشهد نهاية لفصول التلاعب بحصص الحج للمواطنين الذين ينتظرون القرعة أو الذين ظهرت أسماؤهم بالقرعة وينتظرون بفارغ الصبر تلك اللحظة السعيدة التي تتكحل عيونهم برؤية الكعبة المشرفة التي فيها عمارة إبراهيم وإسماعيل ودعوة إبراهيم الخليل أن يكون بلدا آمنا , مثلما فيها عبق النبوة الخاتمة وفتحها المبين الذي كان نداؤه :

“ ادخلوها بسلام آمنين “، ثم كان إعلانه للمشركين :

“اذهبوا فأنتم الطلقاء”، “ومن دخل بيت أبي سفيان فهو امن”.

ذلك هو نبي الرحمة محمد بن عبد الله “ص” الذي دخل مكة يوم الفتح مطأطأ رأسه وهو راكب على جمله .

وبهذه المناسبة نذكر المسؤولين الذين يذهبون لأداء الحج أن يتذكروا الهيئة التي دخل فيها رسول الله إلى مكة يوم الفتح حتى يتخلوا عن حواشيهم وبعض التصرفات التي لا تتناسب ومن يريد أن يكون عبدا لله 

مبرا لذمته في كل ما يقوم به وما يجعل له امتيازات ليست من سنن هوية المؤمنين .

وما يحمل من هدايا بعد رجوعه أصبحت مدعاة للتباهي تتطلع لها عيون المرافقين والحواشي الذين بدأوا يقلدون رؤساءهم على طريقة : 

 “قومي رؤوس كلهم أرأيت مزرعة البصل” ، وكل حج والذمم مبراة إن شاء الله.

Placeholder

القنصل البريطاني !

ثمة حكاية لم تغادر ذاكرتي منذ زمن بعيد، لا ادري إن كنتُ سمعتها أو قرأتها، ويبدو أن ما تضمنته من دلالة موجعة، هي التي جعلتها ترسخ في الذاكرة ولا تبرحها، وملخص الحكاية يفيد بأن القنصل البريطاني (أو من كان يمثل بريطانيا العظمى في إحدى المحافظات العراقية، ربما في عشرينات أو ثلاثينات القرن الماضي)، استيقظ مبكرا على عادته اليومية، لكي يمارس رياضته الصباحية في حديقة منزله.. وقد لاحظ من نافذة غرفته، أن أعدادا كبيرة من سكان المدينة تتوجه إلى مكان لم يستطع أن يتبيّن موقعه، وهو أمر غير مسبوق لفت انتباه الرجل وأثار استغرابه وفضوله.. وقبل ذلك أثار اهتمامه بحكم المسؤولية الوظيفية والمهمة السياسية اللتين يضطلع بهما ولذلك استغنى عن رياضته الصباحية.. وسارع إلى تغيير ملابسه، وغادر منزله إلى مقر عمله، وهناك استفسر عن حارس القنصلية -وهو من ابناء المدينة- عن أسباب تلك الحركة الجماهيرية التي لم يعهدها من قبل، وما إذا كانت الناس تبيّت أمراً قد لا تحمد عقباه!

ابتسم الحارس في سره ثم أوضح له أن الناس ستجتمع في مكان واسع مفتوح لتؤدي الصلاة، ودهش الرجل الأجنبي، وهو الذي مضى على وجوده أكثر من ثلاث سنوات، وليس بين معلوماته صلاة تجتمع الناس إليها، إلا في الأعياد وأيام الجمع، وأوضح له الحارس من جديد، أن هذه الصلاة تقام لغرض معين هو الاستسقاء، اشد غرابة على معلومات القنصل، وقد تولى الحارس شرحها بالتفصيل، وكيف يؤدي المسلمون نوعا خاصا من الصلاة في حالة تعرض بلدانهم إلى الجدب، حيث ينحبس المطر ولا تجد الناس ماء لها، وعاشيتها وزرعها!! 

استرخى البريطاني على مقعده، وقد اطمأن إلى نوايا الناس السليمة، وتأمل الفكرة جيدا، وحيث لم يجد أحدا يحاوره في ذلك الوقت المبكر، فقد توجه بالحديث إلى الحارس، وهو رجل أمي بسيط، لا يعرف شيئا عن أمور الدين والدنيا الا على قدر حاله، وقال له : أنا اعتقد ان فكرة الاستسقاء جميلة، ولكن الإسلام بحكمته العظيمة شرعها لسكان، الصحراء والبادية، لان السماء إذا توقفت عن المطر، أمحلت الارض فلا زرع ولا عشب، وبالتالي يهلك الإنسان والحيوان جوعا وعطشا، ولكن لماذا يتوسل العراقيون إلى الخالق سبحانه وتعالى كي ينزل المطر عليهم، وقد تكرم عليهم بنهرين عظيمين، فماذا يريدون أكثر من هذا؟! وفيما كان الحارس يهز رأسه وهو لا يفقه شيئا، واصل القنصل كلامه، وهو منفعل: أتمنى أن لا يستجيب الرب لدعائهم، لان الحكومة العراقية لو كانت تفهم مسؤوليتها، وتدرك أهمية دجلة والفرات، لأقامت مئات السدود والمشاريع الإروائية، وأصبحت من أفضل دول العالم في ميدان الزراعة وتربية المواشي، ولما ذهبت تستسقي وكان أرضها من غير انهار، أنا خائف على مستقبل البلاد إذا ظلت الحكومة عاطلة عن العمل، ولا تحرك ساكنا، وتريد من الخالق ان يسقيها ويطعمها ويكسوها!! وامسك بكتف الحارس وهزها هزا عنيفا، وخاطبة بلهجة منفعلة (اسمع يا رجل.. ان الله يساعد من يساعد نفسه) ثم غادر البناية غاضبا، والحارس مثل الأطرش في الزفة، لم يفهم حرفا واحدا مما قاله القنصل، ولكن المشكلة أننا لم نستوعب الدرس، ولم نفهم كذلك ما قاله هذا البريطاني، حتى بعد مرور ثمانين سنة… وما زلنا نستسقي ونشحذ الماء من تركيا وإيران وسوريا!! 

Placeholder

مراجل الفوضى الأمريكية في ليبيا

من منكم سمع أو شاهد أو قرأ عن عمل عسكري متقن نفذته أمريكا لوحدها أو بالاشتراك مع حلفائها وتكلل بالنجاح ؟, ومن منكم سجل أو رصد نصراً ساحقا وصريحا ومتكاملا لأمريكا على صعيد حروبها التعبوية المتلاحقة, ابتداءً من حربها في فيتنام وانتهاءُ بمشاريعها الاستباحية, التي اقتصرت هذه الأيام على عملياتها العسكرية المتهورة في الأقطار العربية والإسلامية ؟, والتي لم تخلف وراءها غير الخراب والدمار والفوضى, ولم تحرز فيها أي تقدم غير التقدم الذي أحرزته في العودة بالبلدان التي دنستها إلى عصور الجهل والتخلف, دخلت العراق غازية محتلة بذريعة البحث عن أسلحة الدمار الشامل, وبحجة صيانة الأمن العالمي, والحفاظ على بوصلة السلم من الانحراف, فلا عثرت على مبتغاها, ولا نجحت في توفير ابسط معايير الاستقرار, ثم تركت سفينة العراق وراءها بأشرعتها الممزقة تواجه مصيرها المجهول في خضم الأمواج الطائفية المتلاطمة, ومكثت في أفغانستان عقودا من الزمن بذريعة القضاء على أوكار الإرهاب ومطاردة السرايا المتطرفة المسلحة, فلم تنجح في تحقيق أي تقدم على الأرض, في الوقت الذي ارتفعت فيه مؤشرات العنف في كابل حتى باتت تهدد شبه قارة آسيا برمتها, اما مسرحيتها التي زعمت فيها إنها قتلت أسامة بن لادن ورمت جثته في البحر, فكانت من المسرحيات الهزلية التافهة, والأنكى من ذلك كله انها لم تحرز أي مكسب شعبي في كل الأقطار التي دخلتها غازية أو محتلة أو داعمة (للثوار), وليس أدل على ذلك من الشعارات الليبية الرافضة لها ولسياساتها المريبة في حوض البحر الأبيض المتوسط. 

قبل بضعة أيام شاهدنا وقائع تظاهرات معادية لها, نضمها (أنصار الشريعة) في ليبيا, نقلتها لنا الفضائيات المحلية والأجنبية (لم تنقلها الجزيرة ولا العربية), وأصبح واضحا إن آخر ما تحتاجه ليبيا في مرحلتها الانتقالية الصعبة هو توسيع دائرة العداء لأمريكا في عيون الليبيين, الذين تتملكهم هواجس متباينة عن علاقاتهم الهشة مع الأمريكان, فهي أضعف من أن تتلقى ضربة قاصمة أخرى على غرار الضربة التي تلقتها قنصليتها في بنغازي, في حين تفجرت مراجل الفوضى التي صنعتها أمريكا في معامل الناتو, وتصاعدت وتيرة التهور الشعبي في سيناريوهات المليشيات الفوضوية المسلحة, بينما عادت القبائل الليبية إلى التخندق ضد بعضها البعض, مفضلة التغريد  خارج الأسراب المفككة, كل حسب طريقته وعلى هواه, حتى أصبحت مصلحة القبيلة فوق مصلحة الوطن, في حين لم يعد للحكومة الليبية أي مجال للسيطرة على زمام الأمور في مدنها وقراها المتناثرة, ووجدت ضالتها في إلقاء تبعات فشلها على تنظيم القاعدة, باعتباره الشماعة الجاهزة لتبرير ضعفها وتقصيرها, ناهيك عن مخاوفها الحقيقية من بقاء الثوار خارج سيطرة أجهزة الدولة. 

 ومن نافلة القول نذكر إنها لجأت أكثر من مرة إلى المليشيات الأقوى, التي أصبحت تمتلك سلطات جديدة تجاوزت سلطات (العقيد) أيام حكمه, فاستعانت بها في كبح جماح المليشيات الأضعف وفي ضبط الأمن عندما وقع الاعتداء العشوائي على مقر القنصلية الأمريكية. 

فإذا كان رجال المليشيات الذين مازالوا يطلقون على أنفسهم تسمية (الثوار) يشكلون القوة الضاربة, ويبسطون نفوذهم على الشارع, فمن يقدر على نزع أسلحتهم وإقناعهم بالرضوخ لسلطة القانون ؟, وإذا كانت كتيبة واحدة لا تتبع النظام الجديد كلفت متظاهري بنغازي في جمعة الإنقاذ (17) قتيلا, و(70) جريحاً, فكم سيدفع الليبيون من ضريبة الدم لاجتثاث مراجل المليشيات وإرغامها على الانخراط في القوات الوطنية ؟, وهل سيرضى من يرى نفسه (الفاتح) و(المحرر) لليبيا أن يتلقى الأوامر من مناصب يراها دونه في المراتب الثورية ؟, وكيف سيكون توزيع عناصر المليشيات, التي تأسست على أساس عرقي  ومناطقي وعشائري في وحدات القوات الليبية ؟. 

وهكذا أثبتت الوقائع إن المراجل الأمريكية هي المراجل التي فجرت الأوضاع في المنطقة, وهي التي عادت بها إلى عصور الجهل والتخلف, مستعينة بالوقود الطائفي الذي لا ينضب, ومعتمدة على مصادر الطاقات القبلية البديلة. 

 ختاما نقول: قد يظن البعض أن أمريكا فشلت في تدخلاتها السافرة المتكررة, فنقول لهم: كلا. بل على العكس تماما فقد حققت نجاحا منقطع النظير في تصنيع وتوزيع وتشغيل مراجل الفوضى, التي صارت تعمل ذاتيا بوقود الطاقات الطائفية والقبلية المتاحة لها ولغيرها في مرحلة التراجع الفكري والوطني التي تمر بها المنطقة العربية هذه الأيام, ونجحت في تعقيد الأزمات الليبية المثقلة بتراكمات الماضي, ونجحت في تشكيل (1700) تشكيل مسلح بموجب التقديرات الصادرة عن هيئة شؤون المحاربين, ووصل عدد الكتائب في مراجل (الزنتان) وحدها إلى (240) كتيبة مسلحة. 

والله يستر من الجايات

Placeholder

كتاب موصوف في تأبين (أبو الصوف)

شاء تصادف وجودي في العاصمة الأردنية (عمّان) مع يوم رحيل عالم الآثار الكبير- المنقب والمؤرخ الجليل (د.بهنام أبو الصوف) في التاسع عشر من أيلول الماضي، أن يتيح لي حضور مراسيم تشييع جنازته المهيب في الثاني والعشرين من ذلك الشهر، ومهابة قداس رفع الصلاة على روحه العراقية الطاهرة، صباح وظهر ذلك اليوم في كنيسة (مريم الناصرية) في منطقة تقع ما بين(عبدون) و(الصويفية) التي تعد من الأحياء الراقية في هذه العاصمة التي تغير طعم ولون نهاراتها في ذلك اليوم، جراء فرط الحزن والحسرة التي اجتاحت أرواح وغطت وجوه المشيعين وكل من حضر من علماء وأصدقاء وأهل ومحبين وصحفيين وإعلاميين مراسيم قداس توديع روح عالم الآثار الكبير -المنقب والمؤرخ الجليل (أبو الصوف) آخر سلالة البحث والتحري والتنقيب المجدي، عبر بوابات سعة العلم والمعرفة، وصدق وثقة الإطلاع بالتعريف عن خواص وخلاصات نواتج حضارة وادي الرافدين، من رهط سلالة علماء العراق، بدأ بـ(أحمد سوسة) و(طه باقر) و(أحمد صالح العلي) و(سلمان القيسي) و(فؤاد سفر) و(فوزي رشيد) وليس انتهاءً برعيل(أبو الصوف) و(طارق مظلوم) ومن هم بمنزلة هذا الهم الحضاري والإنساني والوطني الذي حفر لنا مياسم سر الوصول إلى رحم وجذر حضارتنا الضاربة عمقا في غرين هذي الأرض منذ كانت ولم تزل (سرة العالم) بأسره. 

لست بصدد التذكير بمصير واقع موتنا من العلماء والأدباء والنوابغ من الذين رحلوا خارج أوطانهم، وتم دفنهم في مقابر الغرباء التي حوت رفات الكثير منهم بعيدين من ذويهم وعشاقهم الروحيين، فتلك ظاهرة أضحت عابرة -للآسف- في قواميس السياسيين، عندنا، ممن يتولون -بحكم المسؤولية والوظيفة الوطنية- أمر وحسم مثل هذه الأمور كما يجب وكما فعل من قبل- مثلا- رئيس وزراء بريطانيا(ونستون تشرشل) حين خاطب العالم قائلا : (أن بريطانيا العظمى على أتم الاستعداد للتنازل عن جميع مستعمراتها، لكنها ليست على استعداد للتنازل عن وليم شكسبير)،  لكني… يا جماعة الخير بصدد التشبث بفكرة توالدت عندي بعد نهاية مراسيم دفن جثمان (د.بهنام أبو الصوف) في المقبرة المسيحية في عمان حسب رغبة أهله وذويه، حيث تصادف وأنا أبحث عن رواية الكاتبة الكبيرة لطفية الدليمي (سيدات زحل) في مكتبة الطليعة، أن تعرفت على صاحب المكتبة (سامي أحمد/أبو حسين) وهو فلسطيني الجنسية والذي حدثني عن الكتاب الأثير-الأخير للراحل (أبو الصوف) بعد أن أوشك على الانتهاء من التصحيح النهائي للمسودات وتضبيط إخراج الغلاف بالصورة التي طلبها قبل رحيله بأيام قليلة،  الكتاب يحمل عنوانا رئيسيا هو (مذكرات السنين) وآخر فرعيا هو (خمسون عاما من تأريخ العراق)، هنا أقول لمن تعنيه أمر هذا الفطحل الراحل (أبو الصوف)، ألسنا الأجدر بالإشراف على طبع الكتاب وتحمل تكاليف بقية مراحل إصداره وطبعه وترويجه، بما يليق  ويوازي حجم عطاءات وشهرة وعالمية عالمنا الآثاري الكبير هذا،  لطالما ونحن على مقربة من ارتقاء منصة الاحتفال ببغداد الحبيبة عاصمة للثقافة العربية العام القادم، من أجل تقديم علمائنا ونوابغنا عناوين كبيرة وراسخة تزهو بها ثقافتنا الحاضرة؟

Placeholder

حــج المســؤوليــن وحـج المـواطــنيـن

درج المسؤولون في هيئة الحج والعمرة على توزيع حصص الحج على بعض المسؤولين من تابعية أحزاب السلطة حتى بلغت حصة احدهم وهو من المزورين خمسة وعشرين مقعدا !.

أصبح مشهد الحج يعج في كل موسم بموظفي الدولة من مدير عام ومحافظ ووكيل وزير إلى الوزير, ووصل عدد النواب ذات مرة إلى ستة وسبعين نائبا مما جعل موسم الحج يتحول من عبادة وفريضة مناسك إلى سياحة واستجمام في زمن أحزاب السلطة وحكوماتهم, واليوم إذ يبادر الأستاذ نوري المالكي رئيس الحكومة إلى توجيه هيئة الحج والعمرة بعدم إعطاء حصة المواطنين من الحج إلى أي مسؤول حكومي , نقول أن هذه المبادرة جيدة ولو جاءت متأخرة جدا بلحاظ عمر التغيير , ويتذكر السيد رئيس الحكومة عندما كان عازما على السفر للحج عام 2004 وعندما وصله عتاب منا على ذلك , استجاب لذلك العتاب ورجع بعد أن كان متجهاً إلى صفوان لغرض السفر للحج عن طريق الكويت وهذه نقطة تحسب للسيد نوري المالكي قبل أن يصبح رئيسا للحكومة, واليوم تحسب له نقطة أخرى في منعه المسؤولين من السفر للحج على حساب حصة المواطنين من الحج , ولكن تبقى في ذمة السيد نوري المالكي حصة السنوات الماضية التي توزعها المسؤولون على هواهم ومزاجهم بموافقة هيئة الحج والعمرة التي يتحمل فيها الشيخ محمد تقي المولى المسؤولية الأولى في ضياع حصص المواطنين لفريضة عبادية ما كان المفروض بمن يعرف مناسك الحج ومعنى العبادة فيها أن يأخذ حصة ليست له ويترك المواطن الذي انتظر كثيرا ودفع مالا في سبيل الحصول على  فرصة الذهاب للحج العبادة المشروطة بالاستطاعة وبحج الضرورة وهو لمرة واحدة حيث حج رسول الله “ص” مرة واحدة في حياته , بينما أصبح المسؤولون العراقيون يحجون على هواهم كلما أرادوا غير ناظرين إلى محنة المواطنين العراقيين وكيف أصبح الحج بالنسبة لهم حلماً صعب المنال.

إن استغلال حصص الحج هو من مظاهر الفساد وعدم الأمانة التي لا يمكن تبرريها, والذين مارسوا سوء التصرف بهذه الأمانة هم ممن يدعون الحرص على الدين والتدين, ولكنهم بعدم حرصهم على أداء هذه الشعيرة بأمانة تتناسب مع عظم خطرها وتتناسب مع ما يدعو له البعض وما يتظاهر به من تدين ثبتت قشريته وبطلان مدعاه.

إن الشارع العراقي اليوم يعتبر ما جرى من تعامل مفرط بحصص الحج هو من الأدلة التي يحتج بها على عدم أهلية هؤلاء على إدارة الدولة وهو في ذلك له بعض الحق وفي مسائل أخرى له كل الحق.

إن المسؤولية أيا كانت تعني خدمة المواطن والوطن والحرص على النظام العام ومن هنا قال الرسول “ص” :

“ كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته “

وقال الإمام علي “عليه السلام” :

“ اتركوني كأحدكم أكون أطوعكم وأسمعكم “

وقبل ذلك قال الله تعالى:

“ يا أيها الذين امنوا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون “ .

إن ما جرى ويجري في حصص الحج من تلاعب طيلة سنوات ما بعد 2003 بحيث لم تعد جهة شرعية أو حكومية لم تعرف بذلك والسكوت كان ديدن الجميع, والمنع الذي وجهه رئيس الحكومة هذه الأيام لا نعتقد انه سيحظى بقدر كبير من الاهتمام والتطبيق لما عرفناه سابقا عن مصير التوجيهات التي تصدر عن رئيس الحكومة , وبهذه المناسبة اذكر ما رواه لي موظف في مجلس الوزراء قبل سنوات حيث صدر له أمر بتوقيع السيد رئيس الوزراء فقال له موظف طردي يعمل في أمانة مجلس الوزراء : “ليعينك المالكي في بيته”.

ومثل هذه المفارقات وهذه التجاوزات كثيرة والتي رسخت عدم هيبة الدولة حتى أصبحت عادة متبعة وعرفا سائدا لا احد يسعى للحد منه .

وما الذهاب المستعجل لبعض الأحزاب والشخصيات لحضور مؤتمر حزب العدالة والتنمية في تركيا الذي اعتذر عن حضوره رئيس الحكومة والذي لم يؤخذ بنظر الاعتبار من قبل كل من ذهب لحضور ذلك المؤتمر الذي مورست فيه تجاوزات على السيادة العراقية في سابقة خطيرة تطعن بوطنية كل من حضر في موقع سيادي أو في غير ذلك .

والتلاعب بحصص حج المواطنين لم يكن هو الخلل الوحيد المسجل ضد الجهات المسؤولة عن تلك المؤسسة, وإنما هناك في أروقة دوائر الرقابة والنزاهة الأشياء الكثيرة التي يمكن أن يكثر الحديث عنها .

فهل نشهد نهاية لفصول التلاعب بحصص الحج للمواطنين الذين ينتظرون القرعة أو الذين ظهرت أسماؤهم بالقرعة وينتظرون بفارغ الصبر تلك اللحظة السعيدة التي تتكحل عيونهم برؤية الكعبة المشرفة التي فيها عمارة إبراهيم وإسماعيل ودعوة إبراهيم الخليل أن يكون بلدا آمنا , مثلما فيها عبق النبوة الخاتمة وفتحها المبين الذي كان نداؤه :

“ ادخلوها بسلام آمنين “، ثم كان إعلانه للمشركين :

“اذهبوا فأنتم الطلقاء”، “ومن دخل بيت أبي سفيان فهو امن”.

ذلك هو نبي الرحمة محمد بن عبد الله “ص” الذي دخل مكة يوم الفتح مطأطأ رأسه وهو راكب على جمله .

وبهذه المناسبة نذكر المسؤولين الذين يذهبون لأداء الحج أن يتذكروا الهيئة التي دخل فيها رسول الله إلى مكة يوم الفتح حتى يتخلوا عن حواشيهم وبعض التصرفات التي لا تتناسب ومن يريد أن يكون عبدا لله 

مبرا لذمته في كل ما يقوم به وما يجعل له امتيازات ليست من سنن هوية المؤمنين .

وما يحمل من هدايا بعد رجوعه أصبحت مدعاة للتباهي تتطلع لها عيون المرافقين والحواشي الذين بدأوا يقلدون رؤساءهم على طريقة : 

 “قومي رؤوس كلهم أرأيت مزرعة البصل” ، وكل حج والذمم مبراة إن شاء الله.

Placeholder

القنصل البريطاني !

ثمة حكاية لم تغادر ذاكرتي منذ زمن بعيد، لا ادري إن كنتُ سمعتها أو قرأتها، ويبدو أن ما تضمنته من دلالة موجعة، هي التي جعلتها ترسخ في الذاكرة ولا تبرحها، وملخص الحكاية يفيد بأن القنصل البريطاني (أو من كان يمثل بريطانيا العظمى في إحدى المحافظات العراقية، ربما في عشرينات أو ثلاثينات القرن الماضي)، استيقظ مبكرا على عادته اليومية، لكي يمارس رياضته الصباحية في حديقة منزله.. وقد لاحظ من نافذة غرفته، أن أعدادا كبيرة من سكان المدينة تتوجه إلى مكان لم يستطع أن يتبيّن موقعه، وهو أمر غير مسبوق لفت انتباه الرجل وأثار استغرابه وفضوله.. وقبل ذلك أثار اهتمامه بحكم المسؤولية الوظيفية والمهمة السياسية اللتين يضطلع بهما ولذلك استغنى عن رياضته الصباحية.. وسارع إلى تغيير ملابسه، وغادر منزله إلى مقر عمله، وهناك استفسر عن حارس القنصلية -وهو من ابناء المدينة- عن أسباب تلك الحركة الجماهيرية التي لم يعهدها من قبل، وما إذا كانت الناس تبيّت أمراً قد لا تحمد عقباه!

ابتسم الحارس في سره ثم أوضح له أن الناس ستجتمع في مكان واسع مفتوح لتؤدي الصلاة، ودهش الرجل الأجنبي، وهو الذي مضى على وجوده أكثر من ثلاث سنوات، وليس بين معلوماته صلاة تجتمع الناس إليها، إلا في الأعياد وأيام الجمع، وأوضح له الحارس من جديد، أن هذه الصلاة تقام لغرض معين هو الاستسقاء، اشد غرابة على معلومات القنصل، وقد تولى الحارس شرحها بالتفصيل، وكيف يؤدي المسلمون نوعا خاصا من الصلاة في حالة تعرض بلدانهم إلى الجدب، حيث ينحبس المطر ولا تجد الناس ماء لها، وعاشيتها وزرعها!! 

استرخى البريطاني على مقعده، وقد اطمأن إلى نوايا الناس السليمة، وتأمل الفكرة جيدا، وحيث لم يجد أحدا يحاوره في ذلك الوقت المبكر، فقد توجه بالحديث إلى الحارس، وهو رجل أمي بسيط، لا يعرف شيئا عن أمور الدين والدنيا الا على قدر حاله، وقال له : أنا اعتقد ان فكرة الاستسقاء جميلة، ولكن الإسلام بحكمته العظيمة شرعها لسكان، الصحراء والبادية، لان السماء إذا توقفت عن المطر، أمحلت الارض فلا زرع ولا عشب، وبالتالي يهلك الإنسان والحيوان جوعا وعطشا، ولكن لماذا يتوسل العراقيون إلى الخالق سبحانه وتعالى كي ينزل المطر عليهم، وقد تكرم عليهم بنهرين عظيمين، فماذا يريدون أكثر من هذا؟! وفيما كان الحارس يهز رأسه وهو لا يفقه شيئا، واصل القنصل كلامه، وهو منفعل: أتمنى أن لا يستجيب الرب لدعائهم، لان الحكومة العراقية لو كانت تفهم مسؤوليتها، وتدرك أهمية دجلة والفرات، لأقامت مئات السدود والمشاريع الإروائية، وأصبحت من أفضل دول العالم في ميدان الزراعة وتربية المواشي، ولما ذهبت تستسقي وكان أرضها من غير انهار، أنا خائف على مستقبل البلاد إذا ظلت الحكومة عاطلة عن العمل، ولا تحرك ساكنا، وتريد من الخالق ان يسقيها ويطعمها ويكسوها!! وامسك بكتف الحارس وهزها هزا عنيفا، وخاطبة بلهجة منفعلة (اسمع يا رجل.. ان الله يساعد من يساعد نفسه) ثم غادر البناية غاضبا، والحارس مثل الأطرش في الزفة، لم يفهم حرفا واحدا مما قاله القنصل، ولكن المشكلة أننا لم نستوعب الدرس، ولم نفهم كذلك ما قاله هذا البريطاني، حتى بعد مرور ثمانين سنة… وما زلنا نستسقي ونشحذ الماء من تركيا وإيران وسوريا!! 

Placeholder

مراجل الفوضى الأمريكية في ليبيا

من منكم سمع أو شاهد أو قرأ عن عمل عسكري متقن نفذته أمريكا لوحدها أو بالاشتراك مع حلفائها وتكلل بالنجاح ؟, ومن منكم سجل أو رصد نصراً ساحقا وصريحا ومتكاملا لأمريكا على صعيد حروبها التعبوية المتلاحقة, ابتداءً من حربها في فيتنام وانتهاءُ بمشاريعها الاستباحية, التي اقتصرت هذه الأيام على عملياتها العسكرية المتهورة في الأقطار العربية والإسلامية ؟, والتي لم تخلف وراءها غير الخراب والدمار والفوضى, ولم تحرز فيها أي تقدم غير التقدم الذي أحرزته في العودة بالبلدان التي دنستها إلى عصور الجهل والتخلف, دخلت العراق غازية محتلة بذريعة البحث عن أسلحة الدمار الشامل, وبحجة صيانة الأمن العالمي, والحفاظ على بوصلة السلم من الانحراف, فلا عثرت على مبتغاها, ولا نجحت في توفير ابسط معايير الاستقرار, ثم تركت سفينة العراق وراءها بأشرعتها الممزقة تواجه مصيرها المجهول في خضم الأمواج الطائفية المتلاطمة, ومكثت في أفغانستان عقودا من الزمن بذريعة القضاء على أوكار الإرهاب ومطاردة السرايا المتطرفة المسلحة, فلم تنجح في تحقيق أي تقدم على الأرض, في الوقت الذي ارتفعت فيه مؤشرات العنف في كابل حتى باتت تهدد شبه قارة آسيا برمتها, اما مسرحيتها التي زعمت فيها إنها قتلت أسامة بن لادن ورمت جثته في البحر, فكانت من المسرحيات الهزلية التافهة, والأنكى من ذلك كله انها لم تحرز أي مكسب شعبي في كل الأقطار التي دخلتها غازية أو محتلة أو داعمة (للثوار), وليس أدل على ذلك من الشعارات الليبية الرافضة لها ولسياساتها المريبة في حوض البحر الأبيض المتوسط. 

قبل بضعة أيام شاهدنا وقائع تظاهرات معادية لها, نضمها (أنصار الشريعة) في ليبيا, نقلتها لنا الفضائيات المحلية والأجنبية (لم تنقلها الجزيرة ولا العربية), وأصبح واضحا إن آخر ما تحتاجه ليبيا في مرحلتها الانتقالية الصعبة هو توسيع دائرة العداء لأمريكا في عيون الليبيين, الذين تتملكهم هواجس متباينة عن علاقاتهم الهشة مع الأمريكان, فهي أضعف من أن تتلقى ضربة قاصمة أخرى على غرار الضربة التي تلقتها قنصليتها في بنغازي, في حين تفجرت مراجل الفوضى التي صنعتها أمريكا في معامل الناتو, وتصاعدت وتيرة التهور الشعبي في سيناريوهات المليشيات الفوضوية المسلحة, بينما عادت القبائل الليبية إلى التخندق ضد بعضها البعض, مفضلة التغريد  خارج الأسراب المفككة, كل حسب طريقته وعلى هواه, حتى أصبحت مصلحة القبيلة فوق مصلحة الوطن, في حين لم يعد للحكومة الليبية أي مجال للسيطرة على زمام الأمور في مدنها وقراها المتناثرة, ووجدت ضالتها في إلقاء تبعات فشلها على تنظيم القاعدة, باعتباره الشماعة الجاهزة لتبرير ضعفها وتقصيرها, ناهيك عن مخاوفها الحقيقية من بقاء الثوار خارج سيطرة أجهزة الدولة. 

 ومن نافلة القول نذكر إنها لجأت أكثر من مرة إلى المليشيات الأقوى, التي أصبحت تمتلك سلطات جديدة تجاوزت سلطات (العقيد) أيام حكمه, فاستعانت بها في كبح جماح المليشيات الأضعف وفي ضبط الأمن عندما وقع الاعتداء العشوائي على مقر القنصلية الأمريكية. 

فإذا كان رجال المليشيات الذين مازالوا يطلقون على أنفسهم تسمية (الثوار) يشكلون القوة الضاربة, ويبسطون نفوذهم على الشارع, فمن يقدر على نزع أسلحتهم وإقناعهم بالرضوخ لسلطة القانون ؟, وإذا كانت كتيبة واحدة لا تتبع النظام الجديد كلفت متظاهري بنغازي في جمعة الإنقاذ (17) قتيلا, و(70) جريحاً, فكم سيدفع الليبيون من ضريبة الدم لاجتثاث مراجل المليشيات وإرغامها على الانخراط في القوات الوطنية ؟, وهل سيرضى من يرى نفسه (الفاتح) و(المحرر) لليبيا أن يتلقى الأوامر من مناصب يراها دونه في المراتب الثورية ؟, وكيف سيكون توزيع عناصر المليشيات, التي تأسست على أساس عرقي  ومناطقي وعشائري في وحدات القوات الليبية ؟. 

وهكذا أثبتت الوقائع إن المراجل الأمريكية هي المراجل التي فجرت الأوضاع في المنطقة, وهي التي عادت بها إلى عصور الجهل والتخلف, مستعينة بالوقود الطائفي الذي لا ينضب, ومعتمدة على مصادر الطاقات القبلية البديلة. 

 ختاما نقول: قد يظن البعض أن أمريكا فشلت في تدخلاتها السافرة المتكررة, فنقول لهم: كلا. بل على العكس تماما فقد حققت نجاحا منقطع النظير في تصنيع وتوزيع وتشغيل مراجل الفوضى, التي صارت تعمل ذاتيا بوقود الطاقات الطائفية والقبلية المتاحة لها ولغيرها في مرحلة التراجع الفكري والوطني التي تمر بها المنطقة العربية هذه الأيام, ونجحت في تعقيد الأزمات الليبية المثقلة بتراكمات الماضي, ونجحت في تشكيل (1700) تشكيل مسلح بموجب التقديرات الصادرة عن هيئة شؤون المحاربين, ووصل عدد الكتائب في مراجل (الزنتان) وحدها إلى (240) كتيبة مسلحة. 

والله يستر من الجايات