Placeholder

حضارة اسمها: السمفونية العراقية

• رهان الإرهابيين على موت بغداد كرهانهم على موت الحياة وانطفاء الامل.. كمحاولة حجب الكركرات عن الاطفال؛ كرهان الرماد ضد النار؛ والا ايّ مدينة في الكون -قولوا لي بربكم- يسيّجها القتلة بمسدساتهم الكاتمة؛ ويفرّ المجرمون من سجونها سعيا وراء مآتم طازجة؛ ومع ذلك تحشّد عوائلها في باب المسرح الوطني لحضور حفلة موسيقى!!

معزوفات من شتراوس الألماني وكاميل الفرنسي وتشايكوفسكي الروسي؛ واستكمالا لمشهد الابداع تجمّل الأمسية بمحطات عراقية لخليل اسماعيل؛ ثم تضيف بهاءات بحضور جعفر الخفاف؛ وسط صمت مهيب حتى من الأطفال!!

  فإذا انتهت المقطوعة.. تعالى التصفيق احتراما لهذا السحر الآسر الحلال.

•   كان في داخلي امتنان خاص لصديقي الدكتور حامد الراوي لأنه من وجّه لي دعوة الحضور؛ ولا أكتمكم.. فوجئت تماما بالقاعة التي اكتظت عن بكرة كراسيها؛ بالفتيات الحلوات..بالشباب الأنيقين.. بالرجال المهذبين حد الانصياع لوقارهم؛ وبكاميرات الإعلاميين التي جاءت توثق لـ(مدينة باسلة) وليس لـ(حفلة موسيقية).

اما الموسيقيون.. فما اجملهم؛ ما اجمل القائد (الجنرال المسالم) محمد امين عزت؛ وهو يهش بعصاه على الأنغام فلا تملك الا ان تصدح بين مسامعنا؛ متقافزة من مقطع ضاج الى مقطع هادئ؛ وخوف أن تتقاطع في ترجماتها للعواطف والاشجان الانسانية؛ حرصت اصابع العازفين الكبار -في كل شيء- على تنسيق المعزوفات؛ فعشنا ما يقرب من ساعتين يحيطنا البهاء والمتعة الباذخة.

• حين تزور اي بلد متحضر؛ فأن القائمين على منهاج زيارتك يحرصون كل الحرص على ان تزور(دار الازياء) و(ثقافة الاطفال) و(المسرح القومي) و(الفنون الشعبية) و..الفرقة السمفونية.

.. هذا في العالم المتحضر؛ اما لدينا فمن المفارقات ان تهاجم وزارة الثقافة لأنها تتبنى المسرح والأزياء وفعاليات الاطفال وفنون الفولكلور الشعبي والفرقة السمفونية!!

•     كل عازف في هذه الفرقة البطلة (وسأفسر تسميتي لها بالبطلة)هو ثروة عراقية يجب المحافظة عليها ودعمها؛ولنا في ما استقطبتهم الدول التي بنت سمعتها الثقافية على أكتاف مبدعينا ممن لم نعرف كيف نحافظ عليهم خير دليل؛ فقد دفعت لهم الرواتب المجزية وبالعملة الصعبة؛ وكانوا هنا راضين بالملاليم؛ لكن ملاليم واستصغار ..هذا ظلم.أما لماذا اسمّي -ودائما-هذه الفرقة بالـ: بطلة؛ لكونها لم تنهزم امام الارهاب والظلاميين؛ في حين انهزمت كتل وأحزاب و(شرد) سياسيون عليهم الاعتماد -كما يقال بالشعبي- وانتقلوا باهلهم الى (الخارج) واعضاؤها ظلّوا في الوطن وربما حملوا السلاح بجوار الآلة الموسيقية دفاعا عن عشق صوفي وعن أسس حضارة يجب أن يتبناها احد؛ وكانوا هم من اوائل المتبنين لهذا الهم النبيل.

.. هوجمت مؤسساتهم واحرقت آلاتهم وعلى الرغم من(السيطرات الظلامية)التي كانت تحرّم الموسيقى وتنحر مرتكبيها؛كانوا يهربون الآلات الهوائية والوترية كما تهرّب الميليشيات الأسلحة؛ افلا يحق لي اذن ان اسميها(الفرقة البطلة) وأطالب الحكومة والمسؤولين بضرورة الاعتناء بها وتكريمها وتخصيص الدعم المادي اللائق بـ(فرقة كومندوز جمالي) تهاجم الحزن والسواد والتخلف وتدحره في اشد معاقله: الرهان على الخوف.

• ادعو القراء الى ان يتذكروا معي: كم خطيب سياسي او مفوّه برلماني؛وقف له الحضور(بعالي قاماتهم) وصفقوا لما يقرب من عشر دقائق متواصلة إعجابا وتقديرا؟!!

..نعم؛ اعرف..لا احد.. لكن المسرح الوطني عن بكرة جمهوره وقف للفرقة السمفونية العراقية وأضاء القاعة والليل الذي جلبب بغداد بالهتاف والدموع والاعجاب..فهل ثمة تميّز اكبر من هذا ؟!!

Placeholder

نحو محو.. الحقيقة

(الصحافة الاستقصائية…طريق نحو الشفافية) تحت مظلة هذا الشعار، دعتنا هيئة النزاهة مشكورة- نحن مجموعة من الصحفيين العاملين في عدد من المؤسسات الاعلامية والقنوات الفضائية-الى ورشة عمل نظمتها الأكاديمية العراقية لمكافحة الفساد، يوم الاثنين الموافق21/5/2012، تخللتها محاضرات نظرية وأخرى عملية، تناولت بالنقاش والأدلة والأسانيد التي برهن عليها ونوه بها عدد من الباحثين في مجال الصحافة التي تعرف بـ(الاستقصائية) والتي عرفتها ميادين الصحافة العربية بعدسات مكبرة بعد الاطاحة بكراسي وعروش الديكتاتوريات المعمرة وطوفان وطغيان عمليات تغيير الأنظمة الكترونيا، عبر قوة أثر وتأثير أهمية مواقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك)- مثلا- والذي أضحى ينافس أكبر دول العالم من حيث نسبة السكان (الصين وأخواتها، الهند وغيرها) من خلال تزايد عدد المشتركين والمتزاحمين في الحصول على صفحة من صفحاته التي ستربو في الوصول الى مليار مشترك نهاية هذا العام- كما هو متوقع، بالأخص،  بعد نجاح هبوب نسائم رياح الربيع في نقل لقاح التغيير إلى عدد من تلك الدول والأنظمة التي لم تتعرف -بعد- على هذا النوع من الصحافة، التي عرفها العالم منذ عقود تعود الى الحرب الأمريكية في فيتنام أواخر ستينيات القرن العشرين، حين تمكن صحفي أمريكي يدعى (سيمور هيرش) من فضح تفاصيل مذبحة (ماي-لاي) في فيتنام عام/1969، الأمر الذي جعل من صيت وسمعة الولايات المتحدة الأمريكية تتمرغان بمستنقع ووحل تلك الإدانة وجور حربها القذرة على هذا البلد المسكين، الذي لقن تلك الدولة درسا في المواجهة والدفاع عن وجوده، كما أسهمت عمليات فضح حقائق تلك المجزرة من قبل ذلك الصحفي عبر استقصائه وبحثه النشط والدؤوب والشجاع، من تقليل التأييد الشعبي داخل أمريكا نفسها-ايضا- وحدت من تبريراتها ومسوغاتها في شن حربها، التي استخدمت فيها(ماما أمريكا) ولاول مرة- وبنجاح ساحق- قنابل (النابالم)الحارقة المحرمة عرفا وقانونا، فيما أنتجت هوليود- كالعادة-عددا كبيرا من الأفلام عن (سفالة)تلك الحرب، التي من رحمها ولدت(الصحافة الاستقصائية)، وانتشرت كالنار في الهشيم بحثا وتقصيا عن الحقيقة، التي هي الضحية الأولى في اي نزاع أو ظلم أو سرقة أو فساد، ويا (مكثر) حالات وأنواع الفساد.

   أن ما يزعج -حقا- ويحزن- صدقا- بل، أن ما يدمي القلب-هنا- في لحظات استقصاء أولي هدف بالسعي اليه عمودي هذا، رغم أني تأخرت بنشره طوال الأسابيع التي تلت اقامة ورشة هيئة النزاهة لأسباب (استقصائية بحتة) أن الصحفي الأمريكي، طيب الذكر (سيمور هيرش) صاحب إيقاد الشرارة الأولى في اعلان هذا النوع من الصحافة، هو -ايضا- من أسهم في الكشف عن وقائع (حفلات) تعذيب السجناء العراقيين في سجن (أبو غريب)عام/2004،  بالصور والأدلة والوثائق التي نشرت غسيل مظلومية هؤلاء العزل على حبال فضائيات العالم وأتاحت (للي يسوه واللي مايسوه) أن يشاهد عوراتهم ومشاهد اغتصابهم، ونبقى – نحن- نلازم محو الحقيقة صمتا وخشية ونقصا حادا في المعلومات كي توصلنا اليها، ولا نحرك ساكنا في البحث عنها، هل سنترك للصحفي(هيرش)الأمريكي ان يصل قبلنا كما فعل في(ماي- لاي)و(أبو غريب)؟

هل هي مصادفة وحدها؟! أم أن في الأمر(أنه)؟!أم (أن بعض الظن أثم)؟!

Placeholder

مؤتمر حزب العدالة والتنمية التركي والحضور العراقي غير المبرر

كشفت الدعوات التي قدمت من قبل حزب العدالة والتنمية التركي والذي يرأسه السيد رجب طيب اوردغان رئيس الحكومة التركية كشفت هذه الدعوات اختبارا لا يقبل الشك للهوية الوطنية للأفراد والأحزاب الذين وجهت إليهم الدعوة.

كما كشفت تلك الدعوات عن مدى هشاشة العلاقة بين الأحزاب العراقية لاسيما أحزاب السلطة, وأثبتت أنها لم تبن على ولاء وطني نابع من الحرص على وحدة القرار العراقي لاسيما في المسائل الخارجية.

لقد سقط في هذا الاختبار الذي لم يكن الأول كل الأحزاب والشخصيات التي حسبت على العملية السياسية في العراق، وسبب هذا السقوط هو غياب كل من :

1-  الوعي الوطني

2-  الفهم السياسي

3-  الوحدة الوطنية

والأسباب التي حددت هذا السقوط هي :

1-  قيام الحكومة التركية بشخص رئيسها السيد رجب طيب اوردغان وهو رئيس حزب العدالة والتنمية صاحب الدعوة بتوفير اللجوء والاحتضان لشخص عراقي اتهم من قبل القضاء العراقي بمبررات قانونية تختص بالإرهاب وعندما هرب ذلك الشخص من وجه القضاء وجد احتضانا من قبل كل من قطر والسعودية وهي الدول التي تناصب العراق كراهية غير متوقعة لما حدث فيه من تغيير بعد 2003 .

2- لم تكتف الحكومة التركية باحتضان طارق الهاشمي فقط وإنما أصرت على عدم تسليمه للحكومة العراقية متحدية بذلك المعاهدات الدولية في هذا الشأن, ومتحدية أواصر الجوار والعلاقات المشتركة بين الشعبين العراقي والتركي ومتنكرة لمصالحها التجارية في العراق والتي لا يمكن لأية دولة أن ترجح حساباتها الطائفية على حساب مصالحها الوطنية في التجارة والاستثمار وهذا ما فعلته حكومة السيد اوردغان خلافا لكل ما ذكرنا .

3-  وعندما اصدر القضاء العراقي حكمه المعروف بشأن طارق الهاشمي أكدت حكومة اوردغان إصرارها على عدم تسليم الهاشمي للحكومة العراقية .

4- وعندما أصبح الانتربول الدولي مسؤولا عن قضية تسليم  الهاشمي بناء على طلب حكومة منتخبة ذات سيادة ولها قضاء مستقل هي حكومة جمهورية العراق رفض السيد اوردغان رئيس الحكومة التركية ورئيس حزب العدالة والتنمية تسليم العراقي المدان قضائيا إلى الانتربول الدولي وظل الهاشمي يحظى بتوفير الأجواء الإعلامية التي ساعدته على إطلاق تصريحات تطعن بالقضاء العراقي وبالحكومة العراقية, ولم يتوقف عند ذلك وإنما بدأ يدعو للتحريض الطائفي داخل العراقي مستفيدا من وجود جماعات تنظيم القاعدة الوهابي التي لا تعرف سوى إراقة الدم العراقي وإشاعة الرعب في نفوس المواطنين .

5- إصرار الحكومة التركية بشخص رئيسها اوردغان ووزير خارجيتها احمد داود اوغلو على مشاركة المدان قضائيا والهارب من وجه العدالة العراقية في مؤتمر حزب العدالة والتنمية المنعقد في تركيا والذي شكل مناسبة الدعوات “الفخ” التي وجهت للأحزاب والشخصيات العراقية ليس حبا بها وإنما إمعانا في تمزيق الصف العراقي المتهرئ أصلا على مستوى أحزاب السلطة ومن يفق معها من المنتفعين والمتزلفين الذين شوهوا وجه الحضور العراقي الحكومي في أكثر من مناسبة ومجال ومنها :

ا‌- مناسبة تشييع أمير الكويت السابق حيث ذهبت أربعة وفود من أحزاب السلطة خلافا لكل الأعراف الدبلوماسية في مثل هذه المناسبات .

ب‌- مناسبة وفاة ملك السعودية السابق حيث ذهبت مجموعة وفود وأفراد مما شكلوا مظهرا من النشاز الذي لم يحترم.

ت‌- مناسبة وفاة ولي العهد السعودي الأخير حيث ذهبت وفود من بينها شخصيات رئاسية لم تحترم حيث خرج لاستقبالهم موظف استقبالات عادي مما كانت صفعة للدبلوماسية العراقية وإهانة لمن حضر ولكنهم سكتوا عليها.

6- ومما يجعل كل من ذهب لحضور مؤتمر حزب العدالة والتنمية ساقطا في الامتحان هو أن رئيس الحكومة العراقية السيد نوري المالكي وجهت له الدعوة من قبل اوردغان واعتذر عن قبولها في الوقت الحاضر وكان السيد نوري المالكي محقا ومصيبا في ذلك، نقول، هذا لا من اجل السيد نوري المالكي, ولكن من اجل العراق الذي يجب أن يحترم في الوسط الدولي ولاسيما من قبل دول الجوار, ثم أن السيد اوردغان تمادى كثيرا هو ووزير خارجيته في التدخل في الشأن الداخلي العراقي وكانا سببا مباشرا في التحريض الطائفي, وزيارة احمد داود اوغلو الأخيرة لأربيل ثم لمدينة كركوك دون علم الحكومة المركزية الاتحادية هو استفزاز غير مقبول وتجاوز على الحق السيادي غير مسموح به .

7-  والذين لبوا قبول الدعوة وذهبوا إلى تركيا ثم رفضوا دخول قاعة المؤتمر لوجود طارق الهاشمي فيها سجلوا على أنفسهم الخطأ مرتين, مرة لأنهم لبوا دعوة كان قد رفضها رئيس الحكومة العراقية الاتحادية , ومرة لأنهم ذهبوا وهم يعلمون أن اوردغان صاحب الدعوة هو من يحتضن المدان طارق الهاشمي، وبالتالي مسألة حضور المدان لذلك المؤتمر لا تحتاج إلى كثير من التبصير لمن يفهم المواقف السياسية .

8- وكل الذين لبوا الدعوات من عرب وأكراد وتركمان أحزاب وشخصيات وعشائر هم مخطئون وطنيا ودستوريا في حضور مؤتمر حزب العدالة والتنمية التركي, أما وطنيا لان الذين قبلوا الدعوة وذهبوا إلى تركيا يعلمون أن رئيس الحكومة قد رفض الدعوة, وكان الواجب الوطني من قبل هؤلاء أن يعرفوا حق التضامن الوطني مع رئيس الحكومة لا من اجل شخصه ولكن من اجل احترام هيبة الحكومة والدولة العراقية أمام الخارج ، وإما دستوريا لأنهم لم يحترموا المواد الدستورية رقم 106 “ التي تنص على، “تحافظ السلطات الاتحادية على وحدة العراق وسلامته واستقلاله وسيادته ونظامه الديمقراطي الاتحادي “ وتلبية هذه الدعوات التي رفضها رئيس الحكومة الاتحادية هو تفريط بالسيادة والوحدة الوطنية, وأما المادة رقم “107” – أولا – فتنص على “رسم السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي من اختصاص السلطة الاتحادية” وهذه الدعوات تدخل في اختصاص رسم السياسة الخارجية وهي من اختصاصات الحكومة الاتحادية وبما أن رئيس الحكومة الاتحادية رفض هذه الدعوة أو اعتذر عن الحضور فكان الأولى والواجب الوطني على الجميع أن لا يلبوا هذه الدعوة احتراما للعراق وسيادته الوطنية .

Placeholder

حضارة اسمها: السمفونية العراقية

• رهان الإرهابيين على موت بغداد كرهانهم على موت الحياة وانطفاء الامل.. كمحاولة حجب الكركرات عن الاطفال؛ كرهان الرماد ضد النار؛ والا ايّ مدينة في الكون -قولوا لي بربكم- يسيّجها القتلة بمسدساتهم الكاتمة؛ ويفرّ المجرمون من سجونها سعيا وراء مآتم طازجة؛ ومع ذلك تحشّد عوائلها في باب المسرح الوطني لحضور حفلة موسيقى!!

معزوفات من شتراوس الألماني وكاميل الفرنسي وتشايكوفسكي الروسي؛ واستكمالا لمشهد الابداع تجمّل الأمسية بمحطات عراقية لخليل اسماعيل؛ ثم تضيف بهاءات بحضور جعفر الخفاف؛ وسط صمت مهيب حتى من الأطفال!!

  فإذا انتهت المقطوعة.. تعالى التصفيق احتراما لهذا السحر الآسر الحلال.

•   كان في داخلي امتنان خاص لصديقي الدكتور حامد الراوي لأنه من وجّه لي دعوة الحضور؛ ولا أكتمكم.. فوجئت تماما بالقاعة التي اكتظت عن بكرة كراسيها؛ بالفتيات الحلوات..بالشباب الأنيقين.. بالرجال المهذبين حد الانصياع لوقارهم؛ وبكاميرات الإعلاميين التي جاءت توثق لـ(مدينة باسلة) وليس لـ(حفلة موسيقية).

اما الموسيقيون.. فما اجملهم؛ ما اجمل القائد (الجنرال المسالم) محمد امين عزت؛ وهو يهش بعصاه على الأنغام فلا تملك الا ان تصدح بين مسامعنا؛ متقافزة من مقطع ضاج الى مقطع هادئ؛ وخوف أن تتقاطع في ترجماتها للعواطف والاشجان الانسانية؛ حرصت اصابع العازفين الكبار -في كل شيء- على تنسيق المعزوفات؛ فعشنا ما يقرب من ساعتين يحيطنا البهاء والمتعة الباذخة.

• حين تزور اي بلد متحضر؛ فأن القائمين على منهاج زيارتك يحرصون كل الحرص على ان تزور(دار الازياء) و(ثقافة الاطفال) و(المسرح القومي) و(الفنون الشعبية) و..الفرقة السمفونية.

.. هذا في العالم المتحضر؛ اما لدينا فمن المفارقات ان تهاجم وزارة الثقافة لأنها تتبنى المسرح والأزياء وفعاليات الاطفال وفنون الفولكلور الشعبي والفرقة السمفونية!!

•     كل عازف في هذه الفرقة البطلة (وسأفسر تسميتي لها بالبطلة)هو ثروة عراقية يجب المحافظة عليها ودعمها؛ولنا في ما استقطبتهم الدول التي بنت سمعتها الثقافية على أكتاف مبدعينا ممن لم نعرف كيف نحافظ عليهم خير دليل؛ فقد دفعت لهم الرواتب المجزية وبالعملة الصعبة؛ وكانوا هنا راضين بالملاليم؛ لكن ملاليم واستصغار ..هذا ظلم.أما لماذا اسمّي -ودائما-هذه الفرقة بالـ: بطلة؛ لكونها لم تنهزم امام الارهاب والظلاميين؛ في حين انهزمت كتل وأحزاب و(شرد) سياسيون عليهم الاعتماد -كما يقال بالشعبي- وانتقلوا باهلهم الى (الخارج) واعضاؤها ظلّوا في الوطن وربما حملوا السلاح بجوار الآلة الموسيقية دفاعا عن عشق صوفي وعن أسس حضارة يجب أن يتبناها احد؛ وكانوا هم من اوائل المتبنين لهذا الهم النبيل.

.. هوجمت مؤسساتهم واحرقت آلاتهم وعلى الرغم من(السيطرات الظلامية)التي كانت تحرّم الموسيقى وتنحر مرتكبيها؛كانوا يهربون الآلات الهوائية والوترية كما تهرّب الميليشيات الأسلحة؛ افلا يحق لي اذن ان اسميها(الفرقة البطلة) وأطالب الحكومة والمسؤولين بضرورة الاعتناء بها وتكريمها وتخصيص الدعم المادي اللائق بـ(فرقة كومندوز جمالي) تهاجم الحزن والسواد والتخلف وتدحره في اشد معاقله: الرهان على الخوف.

• ادعو القراء الى ان يتذكروا معي: كم خطيب سياسي او مفوّه برلماني؛وقف له الحضور(بعالي قاماتهم) وصفقوا لما يقرب من عشر دقائق متواصلة إعجابا وتقديرا؟!!

..نعم؛ اعرف..لا احد.. لكن المسرح الوطني عن بكرة جمهوره وقف للفرقة السمفونية العراقية وأضاء القاعة والليل الذي جلبب بغداد بالهتاف والدموع والاعجاب..فهل ثمة تميّز اكبر من هذا ؟!!

Placeholder

نحو محو.. الحقيقة

(الصحافة الاستقصائية…طريق نحو الشفافية) تحت مظلة هذا الشعار، دعتنا هيئة النزاهة مشكورة- نحن مجموعة من الصحفيين العاملين في عدد من المؤسسات الاعلامية والقنوات الفضائية-الى ورشة عمل نظمتها الأكاديمية العراقية لمكافحة الفساد، يوم الاثنين الموافق21/5/2012، تخللتها محاضرات نظرية وأخرى عملية، تناولت بالنقاش والأدلة والأسانيد التي برهن عليها ونوه بها عدد من الباحثين في مجال الصحافة التي تعرف بـ(الاستقصائية) والتي عرفتها ميادين الصحافة العربية بعدسات مكبرة بعد الاطاحة بكراسي وعروش الديكتاتوريات المعمرة وطوفان وطغيان عمليات تغيير الأنظمة الكترونيا، عبر قوة أثر وتأثير أهمية مواقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك)- مثلا- والذي أضحى ينافس أكبر دول العالم من حيث نسبة السكان (الصين وأخواتها، الهند وغيرها) من خلال تزايد عدد المشتركين والمتزاحمين في الحصول على صفحة من صفحاته التي ستربو في الوصول الى مليار مشترك نهاية هذا العام- كما هو متوقع، بالأخص،  بعد نجاح هبوب نسائم رياح الربيع في نقل لقاح التغيير إلى عدد من تلك الدول والأنظمة التي لم تتعرف -بعد- على هذا النوع من الصحافة، التي عرفها العالم منذ عقود تعود الى الحرب الأمريكية في فيتنام أواخر ستينيات القرن العشرين، حين تمكن صحفي أمريكي يدعى (سيمور هيرش) من فضح تفاصيل مذبحة (ماي-لاي) في فيتنام عام/1969، الأمر الذي جعل من صيت وسمعة الولايات المتحدة الأمريكية تتمرغان بمستنقع ووحل تلك الإدانة وجور حربها القذرة على هذا البلد المسكين، الذي لقن تلك الدولة درسا في المواجهة والدفاع عن وجوده، كما أسهمت عمليات فضح حقائق تلك المجزرة من قبل ذلك الصحفي عبر استقصائه وبحثه النشط والدؤوب والشجاع، من تقليل التأييد الشعبي داخل أمريكا نفسها-ايضا- وحدت من تبريراتها ومسوغاتها في شن حربها، التي استخدمت فيها(ماما أمريكا) ولاول مرة- وبنجاح ساحق- قنابل (النابالم)الحارقة المحرمة عرفا وقانونا، فيما أنتجت هوليود- كالعادة-عددا كبيرا من الأفلام عن (سفالة)تلك الحرب، التي من رحمها ولدت(الصحافة الاستقصائية)، وانتشرت كالنار في الهشيم بحثا وتقصيا عن الحقيقة، التي هي الضحية الأولى في اي نزاع أو ظلم أو سرقة أو فساد، ويا (مكثر) حالات وأنواع الفساد.

   أن ما يزعج -حقا- ويحزن- صدقا- بل، أن ما يدمي القلب-هنا- في لحظات استقصاء أولي هدف بالسعي اليه عمودي هذا، رغم أني تأخرت بنشره طوال الأسابيع التي تلت اقامة ورشة هيئة النزاهة لأسباب (استقصائية بحتة) أن الصحفي الأمريكي، طيب الذكر (سيمور هيرش) صاحب إيقاد الشرارة الأولى في اعلان هذا النوع من الصحافة، هو -ايضا- من أسهم في الكشف عن وقائع (حفلات) تعذيب السجناء العراقيين في سجن (أبو غريب)عام/2004،  بالصور والأدلة والوثائق التي نشرت غسيل مظلومية هؤلاء العزل على حبال فضائيات العالم وأتاحت (للي يسوه واللي مايسوه) أن يشاهد عوراتهم ومشاهد اغتصابهم، ونبقى – نحن- نلازم محو الحقيقة صمتا وخشية ونقصا حادا في المعلومات كي توصلنا اليها، ولا نحرك ساكنا في البحث عنها، هل سنترك للصحفي(هيرش)الأمريكي ان يصل قبلنا كما فعل في(ماي- لاي)و(أبو غريب)؟

هل هي مصادفة وحدها؟! أم أن في الأمر(أنه)؟!أم (أن بعض الظن أثم)؟!

Placeholder

مؤتمر حزب العدالة والتنمية التركي والحضور العراقي غير المبرر

كشفت الدعوات التي قدمت من قبل حزب العدالة والتنمية التركي والذي يرأسه السيد رجب طيب اوردغان رئيس الحكومة التركية كشفت هذه الدعوات اختبارا لا يقبل الشك للهوية الوطنية للأفراد والأحزاب الذين وجهت إليهم الدعوة.

كما كشفت تلك الدعوات عن مدى هشاشة العلاقة بين الأحزاب العراقية لاسيما أحزاب السلطة, وأثبتت أنها لم تبن على ولاء وطني نابع من الحرص على وحدة القرار العراقي لاسيما في المسائل الخارجية.

لقد سقط في هذا الاختبار الذي لم يكن الأول كل الأحزاب والشخصيات التي حسبت على العملية السياسية في العراق، وسبب هذا السقوط هو غياب كل من :

1-  الوعي الوطني

2-  الفهم السياسي

3-  الوحدة الوطنية

والأسباب التي حددت هذا السقوط هي :

1-  قيام الحكومة التركية بشخص رئيسها السيد رجب طيب اوردغان وهو رئيس حزب العدالة والتنمية صاحب الدعوة بتوفير اللجوء والاحتضان لشخص عراقي اتهم من قبل القضاء العراقي بمبررات قانونية تختص بالإرهاب وعندما هرب ذلك الشخص من وجه القضاء وجد احتضانا من قبل كل من قطر والسعودية وهي الدول التي تناصب العراق كراهية غير متوقعة لما حدث فيه من تغيير بعد 2003 .

2- لم تكتف الحكومة التركية باحتضان طارق الهاشمي فقط وإنما أصرت على عدم تسليمه للحكومة العراقية متحدية بذلك المعاهدات الدولية في هذا الشأن, ومتحدية أواصر الجوار والعلاقات المشتركة بين الشعبين العراقي والتركي ومتنكرة لمصالحها التجارية في العراق والتي لا يمكن لأية دولة أن ترجح حساباتها الطائفية على حساب مصالحها الوطنية في التجارة والاستثمار وهذا ما فعلته حكومة السيد اوردغان خلافا لكل ما ذكرنا .

3-  وعندما اصدر القضاء العراقي حكمه المعروف بشأن طارق الهاشمي أكدت حكومة اوردغان إصرارها على عدم تسليم الهاشمي للحكومة العراقية .

4- وعندما أصبح الانتربول الدولي مسؤولا عن قضية تسليم  الهاشمي بناء على طلب حكومة منتخبة ذات سيادة ولها قضاء مستقل هي حكومة جمهورية العراق رفض السيد اوردغان رئيس الحكومة التركية ورئيس حزب العدالة والتنمية تسليم العراقي المدان قضائيا إلى الانتربول الدولي وظل الهاشمي يحظى بتوفير الأجواء الإعلامية التي ساعدته على إطلاق تصريحات تطعن بالقضاء العراقي وبالحكومة العراقية, ولم يتوقف عند ذلك وإنما بدأ يدعو للتحريض الطائفي داخل العراقي مستفيدا من وجود جماعات تنظيم القاعدة الوهابي التي لا تعرف سوى إراقة الدم العراقي وإشاعة الرعب في نفوس المواطنين .

5- إصرار الحكومة التركية بشخص رئيسها اوردغان ووزير خارجيتها احمد داود اوغلو على مشاركة المدان قضائيا والهارب من وجه العدالة العراقية في مؤتمر حزب العدالة والتنمية المنعقد في تركيا والذي شكل مناسبة الدعوات “الفخ” التي وجهت للأحزاب والشخصيات العراقية ليس حبا بها وإنما إمعانا في تمزيق الصف العراقي المتهرئ أصلا على مستوى أحزاب السلطة ومن يفق معها من المنتفعين والمتزلفين الذين شوهوا وجه الحضور العراقي الحكومي في أكثر من مناسبة ومجال ومنها :

ا‌- مناسبة تشييع أمير الكويت السابق حيث ذهبت أربعة وفود من أحزاب السلطة خلافا لكل الأعراف الدبلوماسية في مثل هذه المناسبات .

ب‌- مناسبة وفاة ملك السعودية السابق حيث ذهبت مجموعة وفود وأفراد مما شكلوا مظهرا من النشاز الذي لم يحترم.

ت‌- مناسبة وفاة ولي العهد السعودي الأخير حيث ذهبت وفود من بينها شخصيات رئاسية لم تحترم حيث خرج لاستقبالهم موظف استقبالات عادي مما كانت صفعة للدبلوماسية العراقية وإهانة لمن حضر ولكنهم سكتوا عليها.

6- ومما يجعل كل من ذهب لحضور مؤتمر حزب العدالة والتنمية ساقطا في الامتحان هو أن رئيس الحكومة العراقية السيد نوري المالكي وجهت له الدعوة من قبل اوردغان واعتذر عن قبولها في الوقت الحاضر وكان السيد نوري المالكي محقا ومصيبا في ذلك، نقول، هذا لا من اجل السيد نوري المالكي, ولكن من اجل العراق الذي يجب أن يحترم في الوسط الدولي ولاسيما من قبل دول الجوار, ثم أن السيد اوردغان تمادى كثيرا هو ووزير خارجيته في التدخل في الشأن الداخلي العراقي وكانا سببا مباشرا في التحريض الطائفي, وزيارة احمد داود اوغلو الأخيرة لأربيل ثم لمدينة كركوك دون علم الحكومة المركزية الاتحادية هو استفزاز غير مقبول وتجاوز على الحق السيادي غير مسموح به .

7-  والذين لبوا قبول الدعوة وذهبوا إلى تركيا ثم رفضوا دخول قاعة المؤتمر لوجود طارق الهاشمي فيها سجلوا على أنفسهم الخطأ مرتين, مرة لأنهم لبوا دعوة كان قد رفضها رئيس الحكومة العراقية الاتحادية , ومرة لأنهم ذهبوا وهم يعلمون أن اوردغان صاحب الدعوة هو من يحتضن المدان طارق الهاشمي، وبالتالي مسألة حضور المدان لذلك المؤتمر لا تحتاج إلى كثير من التبصير لمن يفهم المواقف السياسية .

8- وكل الذين لبوا الدعوات من عرب وأكراد وتركمان أحزاب وشخصيات وعشائر هم مخطئون وطنيا ودستوريا في حضور مؤتمر حزب العدالة والتنمية التركي, أما وطنيا لان الذين قبلوا الدعوة وذهبوا إلى تركيا يعلمون أن رئيس الحكومة قد رفض الدعوة, وكان الواجب الوطني من قبل هؤلاء أن يعرفوا حق التضامن الوطني مع رئيس الحكومة لا من اجل شخصه ولكن من اجل احترام هيبة الحكومة والدولة العراقية أمام الخارج ، وإما دستوريا لأنهم لم يحترموا المواد الدستورية رقم 106 “ التي تنص على، “تحافظ السلطات الاتحادية على وحدة العراق وسلامته واستقلاله وسيادته ونظامه الديمقراطي الاتحادي “ وتلبية هذه الدعوات التي رفضها رئيس الحكومة الاتحادية هو تفريط بالسيادة والوحدة الوطنية, وأما المادة رقم “107” – أولا – فتنص على “رسم السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي من اختصاص السلطة الاتحادية” وهذه الدعوات تدخل في اختصاص رسم السياسة الخارجية وهي من اختصاصات الحكومة الاتحادية وبما أن رئيس الحكومة الاتحادية رفض هذه الدعوة أو اعتذر عن الحضور فكان الأولى والواجب الوطني على الجميع أن لا يلبوا هذه الدعوة احتراما للعراق وسيادته الوطنية .

Placeholder

ذكرى ولادة غريب طوس الإمام الرضا “عليه السلام”

المستقبل العراقي / الدكتور علي التميمي

رئيس مركز الدراسات والأبحاث الوطنية

ALITAMIMI5@yahoo.com

إذا كان الاحتفال بالذكريات هو ما درج عليه الناس، فان ذكريات المواليد تأتي في مقدمتها، وفي مقدمة ذكريات المواليد هي مواليد الأنبياء والأوصياء وهم الأئمة من آل البيت عليهم السلام.

والامام علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب عليهما السلام هو ثامن ائمة اهل البيت الأطهار ولد في 11 ذي القعدة سنة 148 هجرية.

ولهذا الامام كما لبقية الائمة الأطهار حياة حافلة بالعطاء العلمي والمواقف السياسية التي جعلته متميزا في عصره كما كان آباؤه واجداده من الائمة الطاهرين متميزين في كل شيء لا بدعوى تحيز ولا بدعوى تعصب، ولكن لان الحقيقة تفرض نفسها، والعقل يبحث عن الحقيقة وينطق بها حتى وان ادلهمت الخطوب وساءت النوايا وفسدت الطباع كما هو حالنا اليوم وكما كان حال من كان قبلنا وقصه علينا رب المشارق والمغارب في احسن القصص حيث قال: “وقال لهم أخوهم نوح ألا تتقون”.

” وقال لهم اخوهم لـوط ألا تتقون”

 ” وقال لهم اخوهم هـود ألا تتقون”

 ” وقال لهم اخوهم صالح ألا تتقون”

 ” وقــال لهم شعيب ألا تتقون”

ان الحديث عن الإمام علي بن موسى الرضا تمليه الحاجة إلى المعرفة والعلم الذي قال عنه رسول الله “ص”:

“لا دين بدون معرفة”.

وقال “ص”: “العقل قائد والعلم رائـــد”.

ومن هنا يكون البحث عن القيادة بحثا معرفيا، وعندما يكون البحث معرفيا تكون الإمامة حاضرة تفرض نفسها من اوسع نوافذ وبوابات العلم.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا من تاريخ حياة الإمام علي بن موسى الرضا هو: لماذا كلف المأمون الإمام علي بن موسى الرضا بولاية العهد.

والإجابة على هذا السؤال تحتاج منا الإبحار في شواطئ العلم الذي توفر عليه الائمة الأطهار عليهم السلام ومنهم الإمام علي بن موسى الرضا.

وهنا لابد لنا من ان نتذكر ما قاله رسول الله “ص” عن الأئمة من ال البيت عليهم السلام، قال “ص”:

“لا تتقدموا عليهم فتهلكوا، ولا تتأخروا عنهم فتندموا”.

ثم قال “ص” : “لا تعلموهم فأنهم معلمون”.

وهذا المعنى الذي لم يدرس بعناية من قبل بعض المسلمين نتيجة أعمال الذات وحضور إغراءات السلطة الزمنية التي أسس لها معاوية بن أبي سفيان تأسيسا مغرقا في الكراهية والحقد والعدوانية حيث نقل عنه المغيرة بن شعبه الذي ينقل عنه ولده الوليد بن المغيرة بن شعبة حيث يقول:

دخل عليّ أبي يوما مغموما، فقلت له:

يا أبتي أراك مغموما هل قصر احد من العيال بخدمتك.

قال: قال لا

قلت فما السبب.

 قال: جئت من أكثر الناس لؤما.

قلت ممن جئت يا أبتي.

قال: جئت من معاوية.

يقول الوليد بن المغيرة، فعجبت من الأمر حيث كان معاوية صديقا لوالدي، فقلت: كيف ذلك.

قال: جمعني مجلس مع معاوية، فقلت له : لقد هلك الحسن بن علي فهل ترافق ابناء عمومتك من بني هاشم.

فضرب على فخذي وقال: لا ام لك. 

لقد حكم ابو بكر واجتهد ما اجتهد ثم هلك فلا يقال عنه إلا : ابو بكر.

ثم حكم عمر بن الخطاب واجتهد ما اجتهد ثم هلك فلا يقال عنه الا عمر بن الخطاب.

ثم حكم أخونا عثمان واجتهد ما اجتهد ثم هلك فلا يقال عنه الا عثمان بن عفان.

اما اخو بني هاشم فلا يزال يذكر على المنائر والمنابر خمس مرات باليوم.

والمتأمل بهذا النفس الذي يحمله معاوية تجاه رسول الله “ص” يكشف لنا بوضوح ان هذا الرجل لم يدخل الإيمان في عقله وضميره قال تعالى “لا تقولوا آمنّا بل قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم”.

ورجل يحمل هذه العصبية هو الذي أسس الكراهية والحقد والتشويش الذي ابعد الناس عن أهل البيت عليهم السلام

وهو الذي جعل الإمام علي عليه السلام يقول:

“لا رأي لمن لا يطاع” وهو الذي قال كذلك:

“اتركوني كأحدكم أكون أطوعكــــم وأسمـــعكم” وقال:

“إنــي لكم وزير خير مني لكم أمـيـر” وهو الذي قال:

“سهت عيني ساعة فرأيت رسول الله “ص” فقلت:

“يا رسول الله كم لقيت من أمتك”. فقال “ص” :

” أدعو عليهم” فقال : قلت :-

” اللهم ابدلهم شرا مني، وأبدلني خيرا منهم” فكانت بعد ايام شهادته في مسجد الكوفة وهو يصلي على يد اشر خلق الله عبد الرحمن بن ملجم.

ومن ذلك التاريخ المعطر بنفحات العلم كانت حياة الامام علي بن موسى الرضا تغمر المأمون الخليفة العباسي بالإعجاب المغلف بالحيرة التي جعلت العرش العباسي يهتز خوفا وهلعا عندما بعث الخليفة هارون الرشيد على الامام موسى بن جعفر والد الامام علي بن موسى قائلا له: حدد لي حدود فدك حتى ارجعها لكم. وهي قطعة الارض التي ورثتها فاطمة الزهراء عن ابيها رسول الله “ص” فاخذت منها وقيل لها: سمعنا رسول الله يقول : نحن معاشر الانبياء لا نورث. فردت فاطمة الزهراء عليها السلام قائلة :

“أفي دين الله ترث أباك ولا ارث أبي”. وظل ذلك سؤالا معلقا في لوح الغيب حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.

ثم اختتم الإمام علي تلك القضية الملتبسة بقوله:

“وما فدك إلا قطعة من ارض شحت بها نفوس قوم وسخت بها نفوس قوم اخرين”.

والإمام موسى الكاظم حدد فدك لهارون الرشيد على الشكل الآتي:

” تحدها من الشمال اذربيجان وبلاد القوقاس، ومن الشرق بلاد السند والهند، ومن الغرب حافة المحيط من ارض افريقيا ومن الجنوب حافة البحر مما يلي اليمن. وهي المساحة الجغرافية للبلاد الإسلامية ويعني بذلك الدولة الإسلامية وولاية امرها ولا يعني الارض التي زهد بها من قبل الامام علي عليه السلام وقرانا كلامه، فالمامون عندما واجه ضغطا من العلويين، اراد ان يخفف عنه ذلك الضغط فرأى ان يعطي ولاية العهد للامام علي بن موسى الرضا. 

ولكن هل كان المأمون صادقا في ذلك. وإذا كان كذلك كما يظن البعض، فلماذا انتهت حياة الإمام علي بن موسى الرضا مقتولا بالسم. وهو الأسلوب الفتاك الذي يلجأ اليه أصحاب السلطة الزمنية لتصفية خصومهم بصمت.

ثم لماذا كانت ولاية العهد تعرض من قبل المأمون، ولماذا يستدعى الامام علي بن موسى الرضا الى خراسان من ارض طوس وهي ابعد مكان في جغرافية العالم الاسلامي في ذلك الزمان؟

ان ولاية العهد هي استحقاق سياسي زمني.

ولماذا يصار الى التفكير بولاية عهد للسلطان الأرضي، ولا يصار الى التفكير بولاية عهد الى نبي الله محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء والمرسلين.

هذا السؤال يستحق استحضارا معرفيا يظن به الجهال غمزا طائفيا ويظن به المحدودون تكلفا لا معنى له.

ويستقبله العقلاء على انه من أمهات المسائل التي يحترم نقاشها ويثاب المتحاورون فيها.

ولاية العهد هي جزء من مفهوم أولي الأمر الذي اخذ من غير أهله وفسر على غير معناه.

وأولي الأمر مفهوم معرفي يمتد في طول الزمان “وتلك الأيام نداولها بين الناس ” ويمتد بامتداد المكان ” والأرض وضعها للأنام”.

والإمام الرضا عندما قدر له ان يقود الحوارات الفكرية بين المتكلمة وأهل الرأي بدعوة من المأمون، وكانت إجاباته تبهر العلماء، وتسكت المتكلمين، وتحير المتفلسفين، ونتيجة هذه المواقف كانت تلقي بظلها على المأمون الموزع المشاعر بين هوى السلطة، وقوة حجة الرأي الذي يحمله الإمام علي بن موسى الرضا، وبين وهج الشعبية المتنامي بين صفوف الناس الذين وجدوا انفسهم اول مرة وجها لوجه مع التقوى والخلق الرفيع والتواضع الذي يجذب النفوس، كل ذلك مصحوبا بانتشار الحكايات التي تقول بان بضعة النبي “ص” اذا حلت في مكان حلت معها البركة، واخرى تقول : كيف بكم اذا جاءتكم وديعة رسول الله “ص” والتي كان جواب الامام علي بن موسى الرضا قائلا لمن يساله عن ذلك :

” انا وديعة رسول الله “ص”.

وهو نفس جواب ابيه موسى بن جعفر الى هارون الرشيد.

وهو نفس ماقاله الامام علي بن ابي طالب عليه السلام عندما قال :

” متى كنت اقرن الى هذه النظائر وانا ينحدر عني السيل ولا يرقى الي الطير “.

وعلى طول الخط التاريخي للوجود المعصوم عندما قال يوسف النبي عليه السلام لفرعون مصر :

” قال اجعلني على خزائن الارض اني حفيظ عليم ” – 55- يوسف –

فاولي الامر سواء كانوا ظاهرين كالانبياء او مستترين كالخضر الذي تعلم منه موسى وهو كليم الرحمن، وصاحب سليمان الذي عنده علم من الكتاب حيث قال عنه تعالى ” قال الذي عنده علم من الكتاب انا آتيك به قبل ان يرتد اليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم اكفر ومن شكر فانما يشكر لنفسه ومن كفر فان ربي غني كريم ” – 40- النمل –

ومن المستترين الذين شاءت حكمة الله ان يجعلهم رهن الانتظار هو الامام المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف وهو من احفاد رسول الله “ص” ومن ابناء الامام علي بن موسى الرضا عن طريق محمد الجواد وعلي الهادي والحسن العسكري.

ولقد نقل العلماء والرواة سيرة الامام علي بن موسى الرضا بما شهد به الفلاسفة والفقهاء في مجالس العلم، حيث قال الواقدي: 

“كان ثقة، يفتي بمسجد رسول الله “ص” وهو ابن نيف وعشرين سنة وهو من الطبقة الثامنة من التابعين من اهل المدينة – ابن الجوزي تذكرة الخواص ص198

وقد قال عنه ابوه موسى بن جعفر عليه السلام :

“هذا اخوكم علي بن موسى عالم ال محمد، فسلوه عن اديانكم واحفظوا مايقول لكم”  – الشيخ المفيد – الارشاد –

ومثلما لم يحدثنا احد في التاريخ عن مصادر علم الائمة الاطهار وانهم لم يحضروا عند احد من علماء عصرهم بل كان علماء عصرهم يحضرون عندهم ويأخذون عنهم، وهذه القضية لم يسلط عليها الضوء فضاعت عن عموم الناس وبقيت محفوظة في صدور اهل العلم وحفظة اثاره وهم القلة القليلة والنادرة كندرة الماس والجوهر.

وهذه الظاهرة ترجعنا الى استذكار حديث رسول الله “ص”

“لا تعلموهم فأنهم معلمون” اي ائمة اهل البيت عليهم السلام وعلى هذا يكون الاخذ عنهم يتصف بما يلي :- 

1- مبرأ للذمة لانه يمتلك المعذرية امام الله يوم تكون المنجزية لله الواحد القهار

2- موصلا للحق والحقيقة باقصر الطرق

3- مبعدا للشك والشبهة

4- خاليا من الخلاف والاختلاف، فما عند اول امام منهم هو ماعند اخر امام منهم وان اختلفت التعابير ولكن لا تختلف المضامين، وهذه الحقيقة حجة على من يبحث عن الحق واهله، ومن يريد ان يعرف العلم وحملته الحقيقيين، فهم الراسخون في العلم، وهم اهل الذكر، واولي الامر تحققا لملاك المواصفات الذي وضعه رسول الله “ص” قاعدة حتى لاتظل الامة من بعده عندما قال :

” اذا اجتمع خمس وعشرون نفر منكم ولم يؤمروا من هو اعلمهم فعملهم باطل ”

ان الاحتفال بذكرى ولادة الامام علي بن موسى الرضا هو احتفال بالعلم ورجاله الذين كان العلم عندهم لدنيا ولم يكن كسبيا

فعندما سولت نفس المامون له ان يتخلص من هذا الامام العلم بان يدس له السم بعصير الرمان لم يكن الامام غافلا عما يحاك له ولكنه كان اهلا للامانة الربانية والصبر على الاذى والمصيبة التي لايتفهما الكثير من الناس ممن شوهت مفاهيمهم بغبار المادة وحجبها، حيث عندما ناوله المأمون عصير الرمان وقد شرب امه كاسا للتمويه، فشرب منه الامام علي بن موسى الرضا قليلا ثم دلف الى حجرة مجاورة لحجرة المأمون فقال له المأمون الى اين يا ابن رسول الله:

قال عليه السلام: الى حيث أمرتني.

وفي هذا الكلام من المعنى العميق والتورية حيث اراد ان يقول له : لقد اردت ان تقتلني بالسم وقد فعلت.

فوضع رأسه الشريف على الوسادة وسلم روحه لباريها حيث ظن عليه الطغاة بالمنافسة والمزاحمة، فانتقل الى الرفيق الأعلى هازئا من دنياهم كارها مجاورتهم.

ذلك هو الامام علي بن موسى الرضا في ذكرى مولده الشريف.

Placeholder

السلطة البديلة.. قائمة

تأكد الأمر عمليا وفي تجربة مريرة ..ولم تكن هناك مبالغة وخرافة وحكاية لقرقوش …ونقصد من الرواية مخاطبة المستقبل واخباره بما جرى للعراقيين بعد الاحتلال الخارجي والداخلي …

التكسب وتحصيل المال بمهنة (الفصول والجلسات العشائرية ..وتقاطر الشقاوات للتهديد وانتزاع الاتاوات من الضحايا)  وان الاعذار والمبررات بسيطة وجاهزة ..ويمكن توفيرها باستفزاز الضحية لتكون اللكمة او الضربة او الخدش الذي يأتي بالملايين ….فالمخدوش لم يطلع من فطر الأرض,و خلفه رجال وعشيرة …..وادفع وإلا …

يمكن ان يضيف (قطاع الطرق,  والشقاوات ..ومن عرفوا بمناطقهم)  يمكن ان يضيفوا لدواعي التعويض والفصل ان الضحية قد زاغت عيناه على الأخت او الزوجة المصون او الحاجة ….الخ ولا اسهل من اضافة الشرف الى النزاع …دون ان ينتبه المنبوذون لمعنى المتاجرة وإلصاق الشرف بالأمر …فهم بلا شرف.

ما المعنى الذي يليق بالسلطة ازاء فرض سطوة الحثالة وسيادة قرارهم على المواطن.. وعلنا وامام الجميع ؟؟؟

ما الذي يتبقى للسلطة مقابل سلطة المنبوذ الشقي على المواطن؟؟؟ سمعنا الكثير ولكن لن نستعجل ..ولا بد من التريث فربما كنا تحت تأثير ما أقنعنا ان ابتزاز المواطن بهذه الظاهرة وبهذا اللون الفاقع وهذا التحدي انما هو حقيقة ….ولذا سنسعى للقاء من يتسنى لنا لقاؤه في وزارة الداخلية ونستوضح الامر …والأكيد ..وبعد خبرتنا, لا نتوقع ان يكون مقالنا هذا مفتاح لباب الداخلية …اذ لا وقت للمسؤولين للقراءة ..ثم ان الصحف كثيرة ….و..و..المهم اننا سنحاول …ونقف على التفسير والتوضيح.

المهمة فاشلة مقدما.. ولو كانت وزارة الداخلية متوفرة على الحد الادنى من المقومات لما عمل قطاع الطرق والمجاميع الرثة (والدائحة)بهذه العلنية ..وتقول للسلطة وبالعمل ,وعلى الواقع انها هزيلة ,وعدم وجودها افضل …وانها تنتزع أموال الناس علنا وبصلافة ..ولتطلع السلطة رأسها ان استطاعت ..ذلك ان مواقع مهمة فيها دفعت التعويض والدية والإتاوة …فما الذي سيقوله الرجال في وزارة الداخلية ؟؟انهم قادرون على الفقراء والمساكين ومثقفي اليوم؟ ام سيجدون في تساؤلاتنا عقوقا وعدم وفاء لتقاليدنا ولتراثنا العشائري ..وللماضي وقرونه الوسطى ؟؟انها تساؤلات اقل ما فيها التهور والحماقة وإسراع إلى التهلكة؟؟؟

بيد انه لا أسرع من تلاشي واختفاء الأشباح..  ولا اجبن من اللصوص والخونة والمتاجرين بالشرف للظفر بالتعويض …ولو قدر للسلطة ان تبدي العين الحمراء وتغضب من اجل الشعب لاختفت هذه الظاهرة المهينة والمخزية فورا وفي غضون أيام,  لا أسابيع …فما الذي سنسمعه في وزارة الداخلية؟ على افتراض اننا سندعى او نجد الطريق إليها سالكا.

Placeholder

“أبو الغيرة” هاشيموتو فوكودا ونقيضه فرهودو حورامي فرهودو

هاشيموتو فوكودا رجل ياباني بسيط من قبائل الساموراي العريقة, سجل بشهامته وحميته موقفا وطنيا مدهشاً, رفع به اسمه واسم أسرته إلى مصاف الفرسان النبلاء في الحرس الإمبراطوري.    تتلخص قصة (هاشيموتو) بأنه كان مديرا لبلدية مدينة (كوبي) اليابانية, التي ضربها زلزال عنيف دمر خزانات المياه ومحطات التحلية, وأصاب منظومات الأنابيب المنزلية في المدينة بأعطاب كثيرة, فانقطعت مياه الشرب عن الناس, وكانوا في أمس الحاجة لمن يروي ظمأهم, ويقف معهم في هذه المحنة, التي جلبتها لهم الكوارث الطبيعية, وهنا جاء دور (هاشيموتو) أبو الغيرة وصاحب الحمية, فعمل بجد ليل نهار, وكان يبكي بكاءً شديداً اثناء مساعدته المتضررين, لم يعرف أحد سبب بكائه, لكنه شوهد بعد يوم من الكارثة يقوم بتأدية بعض المراسيم التقليدية لدفن زوجته, التي تأخر في البحث عنها تحت أنقاض منزله, بسبب انشغاله بإنقاذ المنكوبين ومعالجة الجرحى, وفي صباح اليوم التالي وجدوه مشنوقاً ومعلقاً بشجرة, وقد ترك رسالة يقول فيها: ((إن المسؤول الذي يعجز عن إيصال خدمة مياه الشرب لأبناء مدينته لا يستحق الحياة)), وهكذا انتحر (هاشيموتو) تضامنا مع اسر الضحايا ولشعوره بالذنب والتقصير في حادثة طبيعية ساقتها الأقدار إلى مدينته, لم يكن (هاشيموتو) طرفا فيها, لكنه خجل من نفسه لأنه لم يكن قادراً على تأمين مياه الشرب للعطشى, ولم يكن قادراً على مواساتهم في هذه الفاجعة, ففضل الانتحار شنقا على طريقة الساموراي, واختار الموت بشرف لذنب لم يقترفه هو, لكن مشاعره الوطنية الصادقة, وانفعالاته الإنسانية المرهفة هي التي رسمت له الطريق للالتحاق بالفرسان النبلاء. 

 للفساد والإهمال والتقصير صور كثيرة, ومعايير متباينة تختلف من مكان لآخر ومن زمان لزمان, ومن قوم لقوم, فما كان يراه مدير بلدية (كوبي) اليابانية فسادا, لا يراه مدير بلديتنا كذلك, وما كان يراه المدير الياباني (هاشيموتو فوكودا) تقصيراً, قد لا يراه مدير بلديتنا, وقد لا يكثر له بالمرة, فليس من عادة مدراء البلديات عندنا الاهتمام بالنواحي الخدمية بالمستوى الذي بلغته اليابان من الحرص والتفاني, أو الذي بلغته سيريلانكا الفقيرة من الكفاح والصبر. 

وصدق القائل: (اللي اختشوا ماتوا), فكان هاشيموتو أول الذين ماتوا ألما وحزنا وتعاطفا مع شعبه, مات (هاشيموتو) لأنه كان يستحي من نفسه, وهو يرى أبناء مدينته يمزقهم الزلزال من دون أن يقدر على انتشالهم وإسعافهم ونجدتهم.  

ما كان على (هاشيموتو فوكودا) أبو الغيرة والحمية أن يقتل نفسه حزنا وألما على شحة مياه الشرب بعد الزلزال الذي حطم مواسير مياه مدينته, ودمر محطات التحلية فيها, كان يتعين عليه أن يتريث قليلا, ولا يقدم على شنق نفسه تحت تلك الشجرة البائسة عقابا لتقصيره, لو نظر (هاشيموتو) لمصيبتنا لهانت عليه مصيبته, فما حدث في اليابان بفعل الزلزال اللعين, يحدث في قرانا ومدننا كل يوم من دون أن يمر بها الزلزال, ويحدث في قراننا ومدننا على الرغم من توفر كل المستلزمات المالية والتشغيلية والاجتماعية, فيمر المسؤولون علينا بمصفحاتهم المدرعة, وسياراتهم المظللة, ومواكبهم الاستفزازية, وقواتهم المبرقعة, بوجوههم المقنعة, ورؤوسهم الحليقة, فتتعالى صيحاتهم الزاجرة, تأمرنا بإخلاء الطريق للمسؤول المبجل المتوجه إلى قلعته الحصينة, المحاطة بالسواتر الخراسانية, والكتل الكونكريتية, فيسد الطرق والمنافذ المؤدية إلى ثكناته المعززة بالمراصد والموانع والكاميرات والأسلاك الشائكة. 

 إن أرقى ما يتعلمه المسؤول الشريف في حياته: أن يتحمل المسؤولية مهما عظمت طالما تصدى لها بكل إرادته الحرة المخلصة, ويتحمل كافة نتائجها, وأن يكون النجم الذي يقضي عمره في بث النور للجميع دون أن ينتظر من أحد رفع رأسه ليقول له شكراً لك. 

 رحل هاشيموتو بعد الزلزال العنيف الذي ضرب مدينته ودمرها بالكامل, لكن إخوانه في طلائع الساموراي أعادوا بنائها بأبهى حلة في غضون أربعة أعوام, وأصبحت اليوم قبلة للسياح والزائرين. 

فمتى ينتفض إخوان السامري (فرهودو حورامي فرهودو), وينهضوا من غفلتهم لتقديم الحد الأدنى من الخدمات لأبناء مدنهم التي تنتحر كل يوم بسبب انقطاع الكهرباء, وشحة الماء, وغلاء الغذاء, وفساد الدواء؟.

رحم الله هاشيموتو أبو الغيرة وصاحب الحمية, وألهم أهله في مدينة كوبي الصبر والسلوان…. ولك الله يا عراق.

Placeholder

ذكرى ولادة غريب طوس الإمام الرضا “عليه السلام”

المستقبل العراقي / الدكتور علي التميمي

رئيس مركز الدراسات والأبحاث الوطنية

ALITAMIMI5@yahoo.com

إذا كان الاحتفال بالذكريات هو ما درج عليه الناس، فان ذكريات المواليد تأتي في مقدمتها، وفي مقدمة ذكريات المواليد هي مواليد الأنبياء والأوصياء وهم الأئمة من آل البيت عليهم السلام.

والامام علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب عليهما السلام هو ثامن ائمة اهل البيت الأطهار ولد في 11 ذي القعدة سنة 148 هجرية.

ولهذا الامام كما لبقية الائمة الأطهار حياة حافلة بالعطاء العلمي والمواقف السياسية التي جعلته متميزا في عصره كما كان آباؤه واجداده من الائمة الطاهرين متميزين في كل شيء لا بدعوى تحيز ولا بدعوى تعصب، ولكن لان الحقيقة تفرض نفسها، والعقل يبحث عن الحقيقة وينطق بها حتى وان ادلهمت الخطوب وساءت النوايا وفسدت الطباع كما هو حالنا اليوم وكما كان حال من كان قبلنا وقصه علينا رب المشارق والمغارب في احسن القصص حيث قال: “وقال لهم أخوهم نوح ألا تتقون”.

” وقال لهم اخوهم لـوط ألا تتقون”

 ” وقال لهم اخوهم هـود ألا تتقون”

 ” وقال لهم اخوهم صالح ألا تتقون”

 ” وقــال لهم شعيب ألا تتقون”

ان الحديث عن الإمام علي بن موسى الرضا تمليه الحاجة إلى المعرفة والعلم الذي قال عنه رسول الله “ص”:

“لا دين بدون معرفة”.

وقال “ص”: “العقل قائد والعلم رائـــد”.

ومن هنا يكون البحث عن القيادة بحثا معرفيا، وعندما يكون البحث معرفيا تكون الإمامة حاضرة تفرض نفسها من اوسع نوافذ وبوابات العلم.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا من تاريخ حياة الإمام علي بن موسى الرضا هو: لماذا كلف المأمون الإمام علي بن موسى الرضا بولاية العهد.

والإجابة على هذا السؤال تحتاج منا الإبحار في شواطئ العلم الذي توفر عليه الائمة الأطهار عليهم السلام ومنهم الإمام علي بن موسى الرضا.

وهنا لابد لنا من ان نتذكر ما قاله رسول الله “ص” عن الأئمة من ال البيت عليهم السلام، قال “ص”:

“لا تتقدموا عليهم فتهلكوا، ولا تتأخروا عنهم فتندموا”.

ثم قال “ص” : “لا تعلموهم فأنهم معلمون”.

وهذا المعنى الذي لم يدرس بعناية من قبل بعض المسلمين نتيجة أعمال الذات وحضور إغراءات السلطة الزمنية التي أسس لها معاوية بن أبي سفيان تأسيسا مغرقا في الكراهية والحقد والعدوانية حيث نقل عنه المغيرة بن شعبه الذي ينقل عنه ولده الوليد بن المغيرة بن شعبة حيث يقول:

دخل عليّ أبي يوما مغموما، فقلت له:

يا أبتي أراك مغموما هل قصر احد من العيال بخدمتك.

قال: قال لا

قلت فما السبب.

 قال: جئت من أكثر الناس لؤما.

قلت ممن جئت يا أبتي.

قال: جئت من معاوية.

يقول الوليد بن المغيرة، فعجبت من الأمر حيث كان معاوية صديقا لوالدي، فقلت: كيف ذلك.

قال: جمعني مجلس مع معاوية، فقلت له : لقد هلك الحسن بن علي فهل ترافق ابناء عمومتك من بني هاشم.

فضرب على فخذي وقال: لا ام لك. 

لقد حكم ابو بكر واجتهد ما اجتهد ثم هلك فلا يقال عنه إلا : ابو بكر.

ثم حكم عمر بن الخطاب واجتهد ما اجتهد ثم هلك فلا يقال عنه الا عمر بن الخطاب.

ثم حكم أخونا عثمان واجتهد ما اجتهد ثم هلك فلا يقال عنه الا عثمان بن عفان.

اما اخو بني هاشم فلا يزال يذكر على المنائر والمنابر خمس مرات باليوم.

والمتأمل بهذا النفس الذي يحمله معاوية تجاه رسول الله “ص” يكشف لنا بوضوح ان هذا الرجل لم يدخل الإيمان في عقله وضميره قال تعالى “لا تقولوا آمنّا بل قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم”.

ورجل يحمل هذه العصبية هو الذي أسس الكراهية والحقد والتشويش الذي ابعد الناس عن أهل البيت عليهم السلام

وهو الذي جعل الإمام علي عليه السلام يقول:

“لا رأي لمن لا يطاع” وهو الذي قال كذلك:

“اتركوني كأحدكم أكون أطوعكــــم وأسمـــعكم” وقال:

“إنــي لكم وزير خير مني لكم أمـيـر” وهو الذي قال:

“سهت عيني ساعة فرأيت رسول الله “ص” فقلت:

“يا رسول الله كم لقيت من أمتك”. فقال “ص” :

” أدعو عليهم” فقال : قلت :-

” اللهم ابدلهم شرا مني، وأبدلني خيرا منهم” فكانت بعد ايام شهادته في مسجد الكوفة وهو يصلي على يد اشر خلق الله عبد الرحمن بن ملجم.

ومن ذلك التاريخ المعطر بنفحات العلم كانت حياة الامام علي بن موسى الرضا تغمر المأمون الخليفة العباسي بالإعجاب المغلف بالحيرة التي جعلت العرش العباسي يهتز خوفا وهلعا عندما بعث الخليفة هارون الرشيد على الامام موسى بن جعفر والد الامام علي بن موسى قائلا له: حدد لي حدود فدك حتى ارجعها لكم. وهي قطعة الارض التي ورثتها فاطمة الزهراء عن ابيها رسول الله “ص” فاخذت منها وقيل لها: سمعنا رسول الله يقول : نحن معاشر الانبياء لا نورث. فردت فاطمة الزهراء عليها السلام قائلة :

“أفي دين الله ترث أباك ولا ارث أبي”. وظل ذلك سؤالا معلقا في لوح الغيب حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.

ثم اختتم الإمام علي تلك القضية الملتبسة بقوله:

“وما فدك إلا قطعة من ارض شحت بها نفوس قوم وسخت بها نفوس قوم اخرين”.

والإمام موسى الكاظم حدد فدك لهارون الرشيد على الشكل الآتي:

” تحدها من الشمال اذربيجان وبلاد القوقاس، ومن الشرق بلاد السند والهند، ومن الغرب حافة المحيط من ارض افريقيا ومن الجنوب حافة البحر مما يلي اليمن. وهي المساحة الجغرافية للبلاد الإسلامية ويعني بذلك الدولة الإسلامية وولاية امرها ولا يعني الارض التي زهد بها من قبل الامام علي عليه السلام وقرانا كلامه، فالمامون عندما واجه ضغطا من العلويين، اراد ان يخفف عنه ذلك الضغط فرأى ان يعطي ولاية العهد للامام علي بن موسى الرضا. 

ولكن هل كان المأمون صادقا في ذلك. وإذا كان كذلك كما يظن البعض، فلماذا انتهت حياة الإمام علي بن موسى الرضا مقتولا بالسم. وهو الأسلوب الفتاك الذي يلجأ اليه أصحاب السلطة الزمنية لتصفية خصومهم بصمت.

ثم لماذا كانت ولاية العهد تعرض من قبل المأمون، ولماذا يستدعى الامام علي بن موسى الرضا الى خراسان من ارض طوس وهي ابعد مكان في جغرافية العالم الاسلامي في ذلك الزمان؟

ان ولاية العهد هي استحقاق سياسي زمني.

ولماذا يصار الى التفكير بولاية عهد للسلطان الأرضي، ولا يصار الى التفكير بولاية عهد الى نبي الله محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء والمرسلين.

هذا السؤال يستحق استحضارا معرفيا يظن به الجهال غمزا طائفيا ويظن به المحدودون تكلفا لا معنى له.

ويستقبله العقلاء على انه من أمهات المسائل التي يحترم نقاشها ويثاب المتحاورون فيها.

ولاية العهد هي جزء من مفهوم أولي الأمر الذي اخذ من غير أهله وفسر على غير معناه.

وأولي الأمر مفهوم معرفي يمتد في طول الزمان “وتلك الأيام نداولها بين الناس ” ويمتد بامتداد المكان ” والأرض وضعها للأنام”.

والإمام الرضا عندما قدر له ان يقود الحوارات الفكرية بين المتكلمة وأهل الرأي بدعوة من المأمون، وكانت إجاباته تبهر العلماء، وتسكت المتكلمين، وتحير المتفلسفين، ونتيجة هذه المواقف كانت تلقي بظلها على المأمون الموزع المشاعر بين هوى السلطة، وقوة حجة الرأي الذي يحمله الإمام علي بن موسى الرضا، وبين وهج الشعبية المتنامي بين صفوف الناس الذين وجدوا انفسهم اول مرة وجها لوجه مع التقوى والخلق الرفيع والتواضع الذي يجذب النفوس، كل ذلك مصحوبا بانتشار الحكايات التي تقول بان بضعة النبي “ص” اذا حلت في مكان حلت معها البركة، واخرى تقول : كيف بكم اذا جاءتكم وديعة رسول الله “ص” والتي كان جواب الامام علي بن موسى الرضا قائلا لمن يساله عن ذلك :

” انا وديعة رسول الله “ص”.

وهو نفس جواب ابيه موسى بن جعفر الى هارون الرشيد.

وهو نفس ماقاله الامام علي بن ابي طالب عليه السلام عندما قال :

” متى كنت اقرن الى هذه النظائر وانا ينحدر عني السيل ولا يرقى الي الطير “.

وعلى طول الخط التاريخي للوجود المعصوم عندما قال يوسف النبي عليه السلام لفرعون مصر :

” قال اجعلني على خزائن الارض اني حفيظ عليم ” – 55- يوسف –

فاولي الامر سواء كانوا ظاهرين كالانبياء او مستترين كالخضر الذي تعلم منه موسى وهو كليم الرحمن، وصاحب سليمان الذي عنده علم من الكتاب حيث قال عنه تعالى ” قال الذي عنده علم من الكتاب انا آتيك به قبل ان يرتد اليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم اكفر ومن شكر فانما يشكر لنفسه ومن كفر فان ربي غني كريم ” – 40- النمل –

ومن المستترين الذين شاءت حكمة الله ان يجعلهم رهن الانتظار هو الامام المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف وهو من احفاد رسول الله “ص” ومن ابناء الامام علي بن موسى الرضا عن طريق محمد الجواد وعلي الهادي والحسن العسكري.

ولقد نقل العلماء والرواة سيرة الامام علي بن موسى الرضا بما شهد به الفلاسفة والفقهاء في مجالس العلم، حيث قال الواقدي: 

“كان ثقة، يفتي بمسجد رسول الله “ص” وهو ابن نيف وعشرين سنة وهو من الطبقة الثامنة من التابعين من اهل المدينة – ابن الجوزي تذكرة الخواص ص198

وقد قال عنه ابوه موسى بن جعفر عليه السلام :

“هذا اخوكم علي بن موسى عالم ال محمد، فسلوه عن اديانكم واحفظوا مايقول لكم”  – الشيخ المفيد – الارشاد –

ومثلما لم يحدثنا احد في التاريخ عن مصادر علم الائمة الاطهار وانهم لم يحضروا عند احد من علماء عصرهم بل كان علماء عصرهم يحضرون عندهم ويأخذون عنهم، وهذه القضية لم يسلط عليها الضوء فضاعت عن عموم الناس وبقيت محفوظة في صدور اهل العلم وحفظة اثاره وهم القلة القليلة والنادرة كندرة الماس والجوهر.

وهذه الظاهرة ترجعنا الى استذكار حديث رسول الله “ص”

“لا تعلموهم فأنهم معلمون” اي ائمة اهل البيت عليهم السلام وعلى هذا يكون الاخذ عنهم يتصف بما يلي :- 

1- مبرأ للذمة لانه يمتلك المعذرية امام الله يوم تكون المنجزية لله الواحد القهار

2- موصلا للحق والحقيقة باقصر الطرق

3- مبعدا للشك والشبهة

4- خاليا من الخلاف والاختلاف، فما عند اول امام منهم هو ماعند اخر امام منهم وان اختلفت التعابير ولكن لا تختلف المضامين، وهذه الحقيقة حجة على من يبحث عن الحق واهله، ومن يريد ان يعرف العلم وحملته الحقيقيين، فهم الراسخون في العلم، وهم اهل الذكر، واولي الامر تحققا لملاك المواصفات الذي وضعه رسول الله “ص” قاعدة حتى لاتظل الامة من بعده عندما قال :

” اذا اجتمع خمس وعشرون نفر منكم ولم يؤمروا من هو اعلمهم فعملهم باطل ”

ان الاحتفال بذكرى ولادة الامام علي بن موسى الرضا هو احتفال بالعلم ورجاله الذين كان العلم عندهم لدنيا ولم يكن كسبيا

فعندما سولت نفس المامون له ان يتخلص من هذا الامام العلم بان يدس له السم بعصير الرمان لم يكن الامام غافلا عما يحاك له ولكنه كان اهلا للامانة الربانية والصبر على الاذى والمصيبة التي لايتفهما الكثير من الناس ممن شوهت مفاهيمهم بغبار المادة وحجبها، حيث عندما ناوله المأمون عصير الرمان وقد شرب امه كاسا للتمويه، فشرب منه الامام علي بن موسى الرضا قليلا ثم دلف الى حجرة مجاورة لحجرة المأمون فقال له المأمون الى اين يا ابن رسول الله:

قال عليه السلام: الى حيث أمرتني.

وفي هذا الكلام من المعنى العميق والتورية حيث اراد ان يقول له : لقد اردت ان تقتلني بالسم وقد فعلت.

فوضع رأسه الشريف على الوسادة وسلم روحه لباريها حيث ظن عليه الطغاة بالمنافسة والمزاحمة، فانتقل الى الرفيق الأعلى هازئا من دنياهم كارها مجاورتهم.

ذلك هو الامام علي بن موسى الرضا في ذكرى مولده الشريف.