منذ وقت مبكر من مراهقتي الفكرية، وأنا لا أحب الحكومة، أية حكومة كانت. ولا أقترب منها، ولا أدافع عنها، سواء كان يقودها نوري السعيد، صالح جبر، عبد الكريم قاسم، عبد السلام عارف، البكر، صدام حسين، علاوي، الجعفري، أم المالكي، وسواء كانت ملكية، جمهورية، دكتاتورية، ديمقراطية، دينية، علمانية، طائفية، أم كانت توافقية أو شراكة وطنية أو أغلبية، وما زلت في مرحلة نضوجي الفكري أعجب أشدّ العجب من أي مثقف أو مفكر أو صحفي أو أديب أو شاعر يقف إلى جانب الحكومة، أو يربط مصيره بها، أو يتغنّى بقوامها الرشيق وسواد عينيها، حتى لو كانت فعلاً (خوش حكومة) أو ملكة جمال زمانها، ليس فقط لأن الحكومة إذا كانت دكتاتورية فمصيرها إلى السقوط الحتمي، اليوم أو غدا، وإذا كانت ديمقراطية فمصيرها إلى التغيير عبر الصناديق بعد دورة أو دورتين، وبالتالي تبقى النتيجة واحدة، بل قبل ذلك لقناعتي الراسخة، إن أية حكومة بغض النظر عن طبيعتها وهويتها، ليست متفضلة في رعاية شعبها وخدمته، وليست متفضلة أن تكون إيجابية، فهذا هو واجبها المكلفة به من الناحية القانونية والشرعية والأخلاقية، ومن هنا فأن الثناء عليها وتدبيج القصائد بمدحها، هو نوع من النفاق، ومحاولة للتقرب من مكاسب السلطة، ومن هنا كذلك، اعتقد أن مراقبة الحكومة وسيرتها ومسيرتها ونقدها وتوجيهها ولفت نظرها إلى مواقع الخلل والخطأ والتلكؤ، هو واجب قانوني بالمقابل وشرعي وأخلاقي، على الشعب ونخبه السياسية أن تؤديه على أفضل وجه!
مع موقفي الواضح هذا، أقول إن الحكومة لأول مرة تستحق الشكر لموقفها من أية تظاهرة شهدها العراق في أوقات متباينة، سواء في ساحة التحرير وسامراء والبصرة. أم في بابل أو الرمادي أو الموصل أو غيرها، لأنها كانت صريحة وواضحة مع أبناء شعبها.
بخلاف الموقف الذي تبنته بعض الشرائح الواعية والمدركة والسياسية التي خدعت الجماهير المتظاهرة، ولم تكن صريحة معها ولا واضحة، لأنها تعرف بواطن الأمور أو تدرك أن الحكومة لا تمتلك موقفا عدائياً من متظاهري بغداد أو الناصرية أو كركوك أو غيرهم، ولم تتصرف بالضد من مطالبهم وحقوقهم، وإنما هي غير قادرة، وعاجزة تماما عن تنفيذ تلك المطالب والحقوق التي تهم 35 مليون عراقي، بدليل انها منذ عشر سنوات وهي تقف مكتوفة اليدين أمام مشكلات السكن والبطالة والملف الأمني والخدمات و… فكيف توهمت الناس في مدينة الصدر أو الأعظمية أو الحويجة أو تكريت أو حي العامل، ومن أوهمها أن الحكومة قادرة على تلبية مطالبها، بينما مطالب وحقوق 15 محافظة تثقل كاهلها ولا تعرف أين تلتفت وكيف تتصرف؟!
الحق أقول لكم، إنها لم تغض الطرف عن معاناة أهل الشعلة، لأن غالبية سكانها من الشيعة، ولم تغض الطرف عن معاناة أهل العامرية لأن غالبية سكانها من السنة، لكونها ليست حكومة طائفية أو دينية أو قومية أو علمانية أو دكتاتورية أو ديمقراطية، وليست حكومة تكنوقراط أو كفاءات، ويبقى ثمة سؤال جوهري: إلى متى تبقى الناس على هذه الحال؟!

