عقد مؤتمر للستراتيجية الوطنية للبيئة , وكالعادة كان مختصرا على المسؤولين ومن حولهم , وهي الطريقة التي تختصر الفشل الذي أصبح سمة للمؤسسات الحكومية ,والدوائر والهيئات ذات العلاقة التي تكتفي بالعناوين ولا تعرف التفاصيل , والتي تزدحم في جداولها وأراشيفها المؤتمرات بلا فائدة , والايفادات بلا نتيجة وعطاء , واللقاءات على طريقة : وقصيدة قد قلتها ….. ليقال من ذا قالها تأتي الملوك غريبة …… ليقال من ذا قالها ؟
وإذا تركنا جانب المؤتمرات وصخبها , والاجتماعات ورطانتها , والايفادات وزيف محتواها , واللقاءات وسرقتها للأضواء , والتصريحات وخواء ما فيها , ومجالس المحافظات , ومجلس النواب وتحولهما الى عبء ثقيل على ميزانية العراق أولا ,
وتحولهما الى أفراد يلوثون البيئة السياسية بالطائفية والمناطقية والعنصرية والعشائرية التي تتنكر الى قيم القيبلة التي أمنت برسالة السماء وأعطت قيادها لمن يعرف مفردات تلك الرسالة .
اذا تركنا كل ذلك , ونظرنا في مسألة البيئة التي أصبحت هما من هموم الشعوب المتحضرة والدول المتقدمة , فأن البيئة عندنا , ليست مظلومة فقط ودون المستوى المطلوب , وإنما هي معدومة , ومصادرة , ومنكرة لا يعترف بها أحد من سواد المواطنين , الى نخب المثقفين , مرورا بجماعة السياسيين ومكاتبهم , وصولا الى شأن المسؤولين وترفهم مع حواشيهم الذي تحول الى أول ناكر ومتجاهل لمفهوم البيئة , يشهد على ذلك حاويات بيوتهم التي تتطفل على ما جوارها من شوارع وطرقات , وتبتز أنظار المارين أن كان بالإمكان الاقتراب من حواضر سكناهم.
البيئة في العراق مطلقة ثلاثا , طلاقا بائنا , وخلعيا , وكيفما يحلو لك تصورها.
وهي الحالة المنسية عند المدخن , ورجل البلدية , وصاحب المطعم والمقهى والفندق , وصاحب المنتزه , والمسبح , والحمام , وبائع الخضار والجزار ” القصاب ” وفي سهرات البيوت والاصدقاء , وفي السفرات المدرسية والعامة , وفي رحلات السفر والسياحة , وفي كل مكان يلتقي به الناس مثنى وفرادا.
وفي ضوء ذلك , فالبيئة في العراق مشكلة ثقافة , وإشكالية تمدن واجتماع . يبدأ التقصير في البيئة من الفرد رجلا وامرأة , أسرة ومجتمعا , دوائر حكومية , وهيئات مدنية , ومعها العسكرية . طريقة البناء تعاكس مفهوم البيئة , فلا يؤخذ عند الشروع بالبناء بالعوامل الصحية , لغياب الرقابة الهندسية والصحية .
مشاريع الحكومة لم تراع البعد البيئي في مشاريعها , فهي لا تبالي تقطع الأشجار وتدوس على الخضرة بعنوان الصلاحيات والمصلحة العامة التي أصبحت عنوانا للفوضى والتخلف .
في بلد مجاور لنا هو إيران عانى ما عاناه العراق من ويلات الحروب , ولكن إيران نهضت تبني وتزرع , وتؤسس لمفهوم البيئة ومنعت قطع الاشجار وسنت لذلك قانونا , ونحن مازلنا نشن مذبحة يومية على الشجر والنخيل , ونضع في المساحات المخصصة للخضرة , أكواما من التراب والحصى الذي أصبح مصدرا جديد من مصادر تلوث المدن وفضاءاتها .
مياهنا ملوثة , وهي تزداد تلوثا بصورة متعمدة وممنهجة من قبل مؤسسات حكومية , وأخرى مدنية , وعلى رأس المؤسسات الحكومية البلديات التي كانت في السنوات الماضية تستعمل الكلور المنتهي الصلاحية .
حتى الجيل الجديد من مصانع تكرير وتعقيم المياه والتي أصبح المواطنون يعتمدون عليها كليا , أصاب هذه المصانع ومعامل تكرير المياه البطر والفساد , فأصبحت بعد فترة وجيزة قنانيها غير صالحة للاستعمال , ومياهها تشوبها الأجسام الغريبة .
دوائر الرقابة الصحية أصبحت عاجزة , غير قادرة على ممارسة صلاحياتها نتيجة الفساد الإداري والسياسي الذي تقف وراءه مجالس المحافظات مثلما يقف ورائه بعض أعضاء مجلس النواب من الذين يعملون بانتسابية حزبية , وأخرى مناطقية , وثالثة لا تخلو من الرشا.
دوائر البيئة التي أضيفت للتضخم الوظيفي , لم تستطع أن تنهض بواجباتها , ولم تستطع أن تتخلص من ثنائية الواجب والوظيفة المشتركة بينها وبين الصحة , مثلما حالها حال بقية المؤسسات التي دبت في جسدها فيروسات الرشا والاغراءات المالية , مع استحضار الخوف من المسؤول على حساب الواجب والمصلحة الوطنية . طعامنا ملوث , بعض غذائنا ملوث , مياهنا ملوثة , بعض أدويتنا فاسدة , هواؤنا ملوث , مجارينا ليست نظامية أن وجدت , ومدننا مازالت بدون مجاري .
نظامنا الصحي معطل , ولا يوجد عندنا نظام بيئي معمول به , سوى اجتهادات فردية تصطدم بحاجز الفساد بكل أنواعه .
قضاؤنا غير متخصص بمسائل البيئة ومداخلاتها واشتراطاتها , لذلك لا يجد القاضي فرصة تساعده للتطبيق لعدم وجود تشريعات تخص البيئة
لا يوجد لدينا مسح بيئي شامل , سوى بعض المسوح المحدودة للنشاطات الإشعاعية .
تكاثر تقنيات الانترنيت وأبراجه في المدن , وما يرافقها من مولدات للطاقة الكهربائية التي وضعت بشكل عشوائي في البيوت حتى أصبحت مصدرا جديدا من مصادر تلوث البيوت وما جاورها .
الناس في العراق يسمعون بالبيئة ولا يعرفون معناها ووظيفتها لاسيما بعد أن أصبحت لها وزارة , وكان الاولى أن تكون مديرية عامة تابعة لوزارة الصحة , مثلما كان الاولى تنظيما وترشيدا أن تكون مؤسسة الشهداء والسجناء مديريات عامة تابعة لوزارة حقوق الانسان , وحتى الهيئة العامة لحقوق الانسان أو منظمة حقوق الانسان كان يمكن أن تدمج مع وزارة حقوق الانسان حتى نتخلص من التضخم الوظيفي وازدواج العناوين .
بعد كل هذا المرور المختصر على حال البيئة في العراق , نخلص الى نتيجة مفادها : أن البيئة ثقافة تبدأ من الفرد , وهذه الثقافة تكاد تكون معدومة , فإذا أردنا أحياء مفهوم البيئة , علينا بتربية الفرد من الاسرة والمدرسة , والجامعة , والحوزة , والاسواق , والتجمعات السكانية , مثلما علينا أن نبدأ من البلدية , ونعطي لعامل البلدية عنوانا تكريميا وراتبا مجزيا حتى نرتفع بهذه المهنة الإنسانية الى مصاف الاحترام وتغيير نظرة الناس اليها , أما ونحن مازلنا نهمل عامل البلدية , ولا نحرص على مراقبة محلات الجزارة , ومصانع المواد الغذائية , ومصانع المشروبات والعصائر والمياه , وأفران الخبز , والمطاعم والمقاهي والفنادق والمسابح والمنتزهات , وأماكن تصليح السيارات التي أصبحت بؤرا للتلوث اليومي وطريقة تنظيف المجاري وحاويات نقل الفضلات , وطريقة جمع القمامة أذا لم نعيد النظر بكل هذه الحالات والمواقع والمظاهر , فليس لنا أن نتحدث عن إستراتيجية للبيئة , وإنما يصبح حديثنا لغوا وثرثرة كالتي نسمعها دائما وفي مناسبات متفرقة ثم تعافها الناس ويجثم عليها النسيان .

