في متن كتاب (أرسطوطاليس) المعنون (علم السياسة) والذي بناه على أسس ومقدمات أستاذه (أفلاطون) في جمهوريته المعروفة باسمه -وهي جمهورية مثالية -خيالية- مفترضه لم تتحقق ولا عشر معشار ما أراده ذلك الفيلسوف اليوناني الشهير منذ آلاف السنين- يوضح أرسطو قائلا: الحاكم الحق هو الذي يبني دولته على خصلتين أساسيتين هما (العدل) و(العقل) فيما كان يصر(أفلاطون) إصرارا- وهو يدرس طلبته بما فيهم (أرسطو)- من أن المدن لا يمكن أن تكون أفضل من حكامها … حقيقة لم أجد أي تبرير، ربما يقنع القارئ الكريم بضرورة حشر مقولة كان قد أطلقها الجنرال (شارل ديغول) يقول فيها: (لقد توصلت الى نتيجة … ان السياسة موضوع أخطر بكثير من ان نتركه للسياسيين) سوى غرابتها-من جهة- و(شطارة) مقاصدها- من جهة أخرى- من كون الرجل كان عسكريا، أكثر بكثير من كونه سياسيا، وكان يدرك مكر السياسة ودبيب دخولها في أدق دقائق الأمر، ومنها -على ما نظن- دواعي وحجج توسيع شوارع (باريس) فيما كانت الغاية البحث عن رجال المقامة الفرنسية وإلقاء القبض عليهم.
وأذكر من جملة ما سمعت وتعلمت من معلومات كان يتحفنا بها معلمنا، أستاذ الفلسفة الراحل الكبير (مدني صالح) -أيام دراستنا الجامعية- أن المدن تشبه الكتب، وحين يعترينا الاستغراب، يضيف مصححا… مداخل المدن، المدن الكبرى -بكل تأكيد- تشبه عناوين الكتب، وعلى منوال هذا كان يشرح- بطريقته السهلة…السلسة، وبعمق ما يحمل السهل الممتنع من معنى وغايات- كيف أن مداخل بعض المد تغرك،حد الانبهار،كما هي المرأة المتبرجة بعدة مساحيق،التي توهمك بجمالها، وتخيب ظنك بمجرد زوال تلك الأكاذيب اللونية التي تفعلها تلك المساحيق، فيما تكون مداخل مدن أخرى، تبدو وكأنها ليست مغرية، وليست جذابة، وحين يتوغل المرء فيها متفحصا، متأملا خصائصها، وفك أسراها وفحص ناسها وتشمم عبق تأريخها وشموخ مجدها، حتى تفيض بك تلك المدن بأبهة حضورها، وجمال عمقها، وحقيقية سحرها، أما علاقة الكتب، بموضوع المدن، كان يقول (مدني)؛هنالك عناوين هدفها أغراء القارئ ثم سرعان ما تصدمه متونها ومحتوياتها، والعكس مختلف تماما في ما يخص اختيار عنوان بسيط ودال لمحتوى ومتن عميق أكيد.
ربما تصرفت كثيرا بما كان يورده ذلك المعلم الاستثنائي الجليل حول موضوعنا هذا، بحكم فهم المعنى والمغزى الذي كان يقصده (معلمنا) بخصوص مدن وحواضر (بغداد) و(دمشق) و(روما) وغيرها من مدن تأريخية حضارية، أضحت عصية مختلف نائبات وعاديات الزمن لتبقى -رغم كل حالات التقهقر والسبات التي تصيبها وتمر بها- بوهج ذلك الألق والهالة التي تحيط بها على -تماما- عكس مدن نشأت حديثا، وتلونت بأضواء باذخة -صارخة وأبراج وعمارات تتلوى راقصة وأبنية شاهقة، محلقة في صحاري وجودها الخالي من طراوة الروح ونكهة ذلك الوجود، مدن مقحمة، تستفز الذائقة لساعات وأيام، دون ان تترك -حال مغادرتها- أي أثر سوى تلك الدهشة الطارئة، مدن كما لو انها مكعبات (ميكانو) تصلح لغايات وغايات، ليس لها أدنى علاقة بمدن التأريخ وحواضرها، بحق أصبحنا نخشى-جدا-على ما ينتظر (بغداد) الآن من عمليات تغليف عشوائية-طائشة تغطي واجهات ومبان كثيرة فيها،بما يجعلها غريبة عن (بغدادنا) التي نريد !!
Hasanhameed2000@yahoo.com

التعليقات معطلة
