كتبنا -هنا- منذ أكثر من نصف عام عمودا بعنوان (تمثال نصفي لهناء) ونريد بها فنانة الفرقة الوطنية الأولى للفنون الشعبية (هناء عبدالله) حول إقدام (دائرة السينما والمسرح) على اقامة تمثال نصفي لهذه الفنانة الرائدة والمخلصة لفنها، وتم الاتفاق مع الفنان التشكيلي (خالد المبارك) الذي شمر عن ابداعه وعنفوان وعيه لاقامة النصب المؤمل وضعه في مكان مناسب في أحد ممرات وأروقة مبنى تلك الدائرة، وكان ذلك الحدث قد سار سريان هشيم في نار أخبار عدد من الصحف والمواقع اللاكترونية كما تناقلته وكالات أنباء محلية عربية وعالمية من تلك التي تتلاقف مثل هذه الأخبار خاصة في أوضاع بلد مثل العراق بسبب ما يعانيه وما يواجهه من ظروف، وأعتقد أن موضوع تمثال (هناء) قد تتضاعف أوجه الاهتمام به لعدة أسباب، أظنها معروفة، لكن ذلك -وبعد مضي هذه المدة- لم يتحقق من الموضوع أي شيء يذكر، وبقيت الأمور تسير تحت جنح ظلام عدد من التبريرات التي لم تعد تقنع حتى مجرد تحقيق أمنية نسعى -نحن- عشاق فن ودأب واخلاص وتفاني (هناء) في أن نطلق دعوة اهتمام بحصاد فنانة وقفت على أعتاب نصف أمل في انتظار أن يتحقق ذلك الحلم، اعترافا وتثمينا بما قدمت وضحت وواجهت وتحدت كل ما كان يمنع ويحول دون استمرارهــــا في عطـــاءاتها وانجازاتها في المجال الذي أحبت وابدعت وتواصلت حتى الآن.
يذكر لنا تأريخ فرنسا القريب كيف وقف الجنرال (شارل ديغول) مؤبنا بنفسه رحيل مطربة بلاده الشهير (أديث بياف) وكيف وارى قبرها التراب اعترافا علنيا بما قدمت من فن وصدق تعبير عن وجود الحياة في وطنها، ولعل ما يعزز ثقتنا -مجددا- بتحويل حلم أمنية معقولة بحق (هناء عبدالله) التي أفنت كل سنوات حياتها وعمدت أزاهير عمرها من أجل قيمة الفن منذ أكثر من نصف قرن، وأن تكون محط أنظار من يسعد هذه المرأة لكي تهنأ بحصاد سنوات تضحيتها عبر تحد قوائم ومصدات اجتماعية قاسية وصعبة -سابقة ولاحقة- كالتي واجهت زنبقة الفرقة الوطنية الفنون الشعبية، بثقل حضورها وسحر وسر تواصلها منذ بداية الاحتراف حتى نيلها درع مهرجان (لوسيا) في مدينة (يوتوبوري) السويدية العام الماضي، موشوما بجائزة حملت اسم (امرأة من الشرق) وغيرها العديد من الجوائز والشهادات والميداليات والتذكارات التي حصلت عليها عبر مشاركات عربية وعالمية في أكثر من سبعين دولة طافت بها مع ملاك هذه الفرقة الذهبية بحسها ونفسها ونسقها الشعبي-العراقي الرائع وبمؤازرة فاعلة من لدن مدير هذه الفرقة الفنان (فؤاد ذنون) الذي بذل كل ما في وسعه من أجل استمرار وديمومة عمل فرقته في أشد الظروف ضراوة وعسرا وضيقا، وظلت (هناء) تحتمي بابتسامة الدائمة الخضرة وبوجهها النضر وروحها المتسامقة، المتعالية على كل الصغائر أمام صدق الانتماء لعملها وريح عشقها الأول،حتى هذه اللحظة التي تعاني بها من هواجس الخوف على مستقبلها، وتصادم عربات قطار العمر الذي يأخذ بها الآن نحو مصير مجهول، لا أظن يسعد أحدا من محبيها.
Hasanhameed2000@yahoo.com

التعليقات معطلة