Feature

في محاضرته الانتحارية بعد انسحاب صدام من الكويت، صرخ المرحوم الدكتور علي الوردي في امانة بغداد بعد انتهاء الاحتلال العراقي للكويت وفي القاعة التي غصت بالناس بعد أن علم إن المحاضرة سوف يستمع اليها السيد الرئيس السابق (حفظه الله ورعاه) بعد ان وضعوا امامه جهاز تسجيل:
– (نحن لسنا فئران تجارب لتدخلونا كل يوم في تجربة جديدة، فما معنى ان تستحدثوا مثلا شرطة اخلاق، بالله عليكم هل لدى الشرطة اخلاق اصلاً؟ لا تليق بهذا الشعب البابوج الا هذا الركَعة)!!. وكان يعني بالبابوج هو الشعب العراقي والركَعة هو صدام [ذكرها الرائع محمد عيسى الخاقاني وتجاهلها سلام الشماع!]*.
سأترك الركَعة الصدامية التي تجنّبت اغتيال او قتل هذا المصلح والعالم الكبير الذي وصل الى حد الانتحار بمحاضرته الجماهيرية بعد عام 1991 في مبنى امانة بغداد خشية ان يخلّد نهايته بعد أن فشل في ايقاف بدايته، والوردي ثائر عراقي وصل حد اليأس من إصلاح حال الشعب العراقي الذي كان اكثر ما يحزنه ان يجد رؤساء العشائر تهوّس لقاتلها ومذلها وذابح بلادها واولادها وفوق هذا وذاك، تجدهم يدعون له بطول العمر تحت شعار الراحل صلاح عبد الغفور”الله يخلّي الريس الله يطوّل عمره”!.
شرطة الآداب (او كما أسماها استاذنا الوردي بشرطة الأخلاق) كانت مسؤوليتها مراقبة الملاهي وبنات الليل ومراقبة دور الدعارة في زمن القائد الضريبة صدام!، وصدق العلامة الفهّامة الوردي حين صرّح بهذه المعلومة لتصل الى السيد الرئيس السابق (حفظه الله ورعاه) بأن شرطة الاداب سوف تعمل بالآداب التي تعلمها افراد الشرطة في بيوتهم ومجتمعهم قبل ان يعاشروا مجتمع الملاهي الليلية ويقينا ان هذا المجتمع الليلي ليس له علاقة بصلاة الليل او التهجّد في الأسحار بل سوف ينصب على سماع أغاني (كَوم درّجني وإمش جدامي لاتخاف من أهلي ولاأعمامي) لسبب بسيط ان اعمام الفنانات والفنانين اما ان يكونوا راضين مرضيين فحلّوا الحبل على الغارب لابنتهم او اختهم او زوجتهم لتمشي على حل شعرها، او ان تكون الفنانة هاربة من ذويها هروبا حقيقيا او صوريا (المستحة من العشاير!)، لذلك علينا الاتفاق جميعا على العمل الليلي للفنانات كان مصداقا حقيقيا لحكمة عالم الاجتماع الكبير السيد الرئيس القائد(حفظه الله ورعاه!) بقوله (عملك شرفك) وهو في هذا نافس الدكتور علي الوردي في كل ما سطرته يده العراقية وروحه الغريبة الباحثة عن خدمة الانسان العراقي الى الحد الذي أوصله الى اليأس كما أوصل قبله الانبياء والائمة عليهم السلام والمصلحين جميعا.
تذكّرت كل هذا وأنا استمع لصديقي سيف وهو يتكلم باستغراب ومحبة كبيرتين في انه وجد عقيدا في الشرطة اسمه (محمد محمود الراوي) الذي يعمل مديرا لموقع الغزالية المسؤول عن تحويل الارقام المنفيست الى ارقام بيضاء وكيف انه اخلاقه ونزاهته فاجأته حين اكمل عمل شهر كامل بثلاث ساعات فقط ودون ان يدفع صديقي اية إكرامية بل على العكس كان العقيد محمد هو الذي يركض في انجاز المعاملة له ولأصدقائه الذين تركوا مصايب موقع الظلال في النهضة وذهب الى ذلك المكان البعيد ليجرّب حظه في تقليل شلعان القلب.
انا على يقين لو ان الدكتور علي الوردي التقى بنموذج من العقيد محمد في ذلك الزمان لما صرخ تلك الصرخة المدوية التي بقيت حبرا اسود على ورق ابيض، وهذه دعوة لوزارة الداخلية ان لاتعمل بانشاء مديرية شرطة الاداب من جديد لان الوضع العراقي العام وضع مأساوي والذي يذهب الى الملاهي يبكي على روحه من شدة الحزن والخرط البكائي الذي تعلمه فنانو هذه الحقبة الديمقراطية من اللطم!.
———-
*كتاب (مئة عام مع الوردي-محمد عيسى الخاقاني- ص 134 طبعة ثانية-2003).

التعليقات معطلة