د. حسن كامل
هل يحتاج العراق فعلا الى قوات برية اجنبية لمواجهة تهديدات داعش؟، وهل يحتاج العراق فعلا الى هذا الكم المتسارع من التغييرات الدراماتيكية بدءا من وقف القصف الجوي الى تشكيلات الحرس الوطني التي تتقاذفها الاهواء والأمنيات، وتحولها الى قوة قاهرة متحصنة بشرط عدم تدخل الدولة المركزية في تشكيلها وعدم الاعتراض على نوعية المقاتلين المنخرطين في صفوفها ، فضلا عن عدم السماح لتشكيلات الدولة المركزية من جيش وقوات شرطة اتحادية بالتدخل لمعالجة الوضع الامني في هذه المدينة او تلك من مدن العراق، في حين ان ما يجري في هذه المدن منذ احتلال الموصل ، ما هو الا عدوان خارجي واضح المعالم ومحدد الاهداف وان معالجته تقع في صلب اختصاصات الدولة الاتحادية التي اكد الدستور مسؤوليتها ومسؤولية اجهزتها في حفظ شروط السيادة وضمان الامن الوطني وهذا امر لا نقاش فيه ، ولا مجال للالتفاف عليه .
ما سبق من تساؤلات يحيلنا الى اعمال الفكر للإحاطة بأبعاد الازمة التي يعيشها العراق، وهي ازمة امنية في المقام الاول، تغذيها ازمات سياسية ان على صعيد العملية السياسية الراهنة، او على مستويات الفعاليات السياسية في المحافظات والمدن والمناطق وربما الازمة في بعض تلك التشكيلات الجغرافية انفة الذكر .
ولو نظرنا الى ما بين سطور التصريحات، لوجدنا ان اكثر التصريحات عقلانية في هذه الامواج المتلاطمة من التصريحات، لم تضع في حساباتها الدستور وبنوده وأبوابه، وبمعنى اكثر صراحة نرى اهمالا فاضحا للدستور يصل حد الغائه، دون الالتفات الى قيمة هذا الدستور كنظام اساس حاكم لما دونه من قوانين وتشريعات وأنظمة، وبطبيعة الحال يتمدد هذا الالغاء الى قيمة الدستور المستمدة من الاستفتاء الشعبي العام الذي اقر الدستور بإرادة الشعب.
وفات اصحاب الصوت العالي ان الملايين التي اقرت الدستور هي اكبر من اي تشكيل او كتلة او مكون او حزب سياسي وان ما يدعون له من مطالب بشكل انتهاكا للدستور وان النزول عند هدف تحقيق ما يطلبون يحتاج الى تعديلات في الدستور، وغني عن البيان ان مثل هذا الاجراء يحتاج الى استفتاء شعبي ولأننا في مجتمع ديمقراطي، وأدوات التغيير في المجتمع الديمقراطي واضحة ومحددة وقنواتها معروفة، وما سوى ذلك محاولة تلقي بظلال من الشك المشروع بشأن هذه المساعي التي تحاول وضع الامور في سياق معايير لمناخات الديمقراطية، بل تحاول وضع الجميع امام خيار ام القبول بشروطنا، او استعدوا للطوفان .
اما حاجة العراق لقوات برية اجنبية فان وقائع ما بعد الموصل اكدت قدرة ابناء العراق على احتواء داعش وتحقيق الانتصار عليه ، في اكثر من موقعه ولا بل ان داعش كان مناسبة لإعادة اكتشاف معدن المواطن العراقي وصولا الى تحقيق انتفاضة وطنية عابرة للمسميات الوافدة على الشعب العراقي وعابرة لحدود الجغرافيات المحلية وكان لهذه الانتفاضة ثمارها في امرلي والضلوعية وحديثة ولم يلتفت خلالها مقاتل لمن يقف بجانبه متسائلا عن دينه او مذهبه او قوميته، وانما كان الحشد جمعا من العراقيين تنادوا لتخليص هذه المنطقة او تلك من براثن داعش..
وتؤكد معطيات الواقع ان العراق لا يحتاج الى رجال غرباء، وانما يحتاج الى دعم لوجستي واستخباري، والى تفعيل عقود التسلح التي ابرمت منذ سنوات وما زالت حبيسة اجراءات بيروقراطية تارة او حسابات سياسية مغرضة وسيئة القصد تحاول ان تسلب ابناء العراق انتصاراتهم وتجيير ما تحقق منها لصالح بعض الاطراف الدولية ، التي بدأت بمجموعة من الفعاليات الجوية بعد ان اكمل العراقيون استعدادهم للشروع بصفحة الهجوم المقابل على داعش وحواضنها ولعل الحسنة الوحيدة للفعاليات الجوية تلك اختفاء مصطلحي ثوار العشائر والقصف العشوائي ضد المدنيين العزل الذي تصدعت رؤوسنا به على وقع تصريحات بعض السياسيين.
اما التساؤل الثاني بشأن الحرس الوطني، فان وجود مثل هذا التشكيل يتطلب وجود اطار تشريعي محكم لا يتعارض مع الدستور، ويعالج الاوضاع الامنية في بعض المناطق بما يضمن امان الناس، مع وجود مراجعة دقيقة لنوعية العناصر المنحرفة في هذه التشكيلات وتحديد انواع تسليحها ومهامها ومرجعيتها ضمن المنظومة الامنية والعسكرية، وخلافا لذلك فان الامر لا يخرج عن مطالبة الدولة بتسليح وإعداد تشكيلات عسكرية وأمنية هدفها الاول اسقاط العملية السياسية والانقلاب على التحول الديمقراطي وإرجاع الامور الى ما قبل المربع الاول .
وننصح من يقول بخلاف ذلك، ان يراجع الدستور اولا قبل ان يبحر في محيطات من الاحلام والتمنيات بعودة العراق القهقرى.

