Pdf copy 1

 مفيد نجم
الشّعر العابر للأزمنة العابرة بمخيلة الغياب، وهو يحاول القبض على لحظة وجوده الهاربة، ما زال يواجه أسئلة الذات والعالم بيقين غائب وتمرّد أعزل إلا من تراجيديا اللحظة السيزيفية. هكذا كان وهكذا سوف يبقى الشعر مغامرة تترحل بين أسطورة سارق النار، وأساطير الحياة اليومية في عالم يقف على حافة الانهيار والأمل.لهذا كيف نحاول تجزئة صيرورة التجربة وصورتها، في مرايا الأعوام، مقتفين أثره وهو يعبر بين عام وعام. وكيف نقبض على حبله السري وسط هذه الفوضى الشعرية، وهذا الانفجار الكبير للواقع المتشظي؟ رغم صعوبة الجواب لا بد من المحاولة. لأن ثمّة تجارب يحاول أصحابها أن يشكّلوا ضمير اللحظة العربية الفارقة إنسانيا ووجوديا وجماليا، بكل عصفها وموتها ووجعها العظيم، من دون أن يسقطوا في المباشرة واللغة الوجدانية والخطاب لسياسي، بينما هاجس الكينونة والوجود ما تزال تشغل جانبا آخر من التجربة المسكونة بالحرائق، في الوقت الذي تحاول فيه قصيدة النثر أن تحتلّ مساحة المشهد الشعري كلّه مسكونة بالبحث والتجريب، وسط فوضى واسعة على صعيد النشر ومهرجانات الشعر والنشر، وكأنّها تحاكي بذلك جزءا من فوضى الحياة الثقافية، أو تختزلها في ذاتها.
الكثير والقليل
شعراء كثر وقرّاء أقل. نصوص كثيرة، وشعر أقلّه يغني عن كثيره. لهذا سوف نحاول الوقوف عند أهم علاماته وشواغله ومقترحاته ومغامراته، ومعرفة ما يمكن أن تكون تجاربه قد أضافت أو طرحت من أسئلة وقضايا تتعلق بصيرورة هذه التجربة، وهواجسها الفكرية والجمالية، سواء على صعيد اللغة أو التشكيل أو الصورة، أو على صعيد علاقات التناص بين الشعر والفنون والأجناس الأدبية الأخرى.من أهم الأعمال الشعرية التي صدرت هذا العام ديوان “النازلون على الريح” لمحمد شمس الدين، وديوان “يأس نوح” لنوري الجراح، وديوان “فراشات لابتسامة بوذا” لشوقي بزيع، و”لست جرحا ولا خنجراً” لقاسم حداد، وديوان “داكن” لمنذر المصري، على ما بين نصوص هذه الأعمال من تباين في الشكل واللغة والتجربة ومغامرة الكتابة.ما ينشر من دواوين شعرية في دور النشر الخاصة يتم غالبا على نفقة أصحابها بينما تخضع عمليات النشر الرسمي للشعر للعلاقات الشللية ودرجة رضى السلطة عن الشاعر
لكن السؤال الذي يتقدم على ما عداه هو، هل ثمّة جديد في صورة مشهد هذا العام، يمكنه أن يشكل إضافة مهمة إلى رصيد التجربة الشعرية العربية، أو تحول ما يعبر عن تطور لافت على مستوى مقترحه الجمالي، بصورة يعكس معه حيوية التجربة وقدرتها على الإضافة والتطور، أم أن هذه التجربة ما زالت أسيرة مقولات ومفاهيم ورؤى سابقة تصادر أيّ محاولة للتجديد والإضافة، وتخلق حالة من التناسخ والفوضى يعززها تراجع المساهمة النقدية الفاعلة والمؤثرة، وغياب الأفق النظري الذي يضيء ويعمِّق حالة الوعي الشعري الجديد جماليا؟
علامات أولى
ثمة ظاهرتان بارزتان يمكن أن تلفتا انتباه المتابع للمشهد الشعري العربي هذا العام، أوّلهما محدودية المهرجانات الخاصة بالشعر أو الندوات النقدية المتخصصة، التي تبحث في قضايا الشعر وأحواله، وفي الأسئلة الجمالية التي يطرحها واقع التجربة الراهنة، حيث يتم تطوير المنجز المتقدم فيها وإغناؤه، وترسيخ تقاليده واقتراحاته التي يمكن أن تنقذ الشعر من حالة الفوضى والانفلات والاستنساخ التي يعاني منها، في ظل غياب الاهتمام الحقيقي من قبل المؤسسات الثقافية بواقع الشعر وتطوره.
على صعيد آخر ما زال أغلب ما ينشر من دواوين شعرية من قبل دور النشر الخاصة يتم على نفقة أصحابها نظرا لمحدودية بيع هذه الدواوين، بينما تخضع عمليّات النشر من قبل الجهات الثقافية الرسمية للعلاقات الشللية وعلاقة الشاعر بالسلطة في الغالب. ولا يختلف الحال بالنسبة إلى المجلات الثقافية والصفحات الثقافية في الصحف التي يخضع النشر فيها لاعتبارات شخصية، أو ذائقة المحرر الخاصة دون أن تحاول الملاحق والمجلات الثقافية أن تثير الحوارات التي يمكنها أن تحرك ركود الحياة الثقافية، وتفتح الباب أمام المعنيين والمهتمين بقضايا الشعر وأسئلته، لمناقشة وتطوير مقترحاته الجمالية ومنظومة مفاهيمه النظرية بما يغني التجربة، ويخرجها من الحالة السديمية التي تعيش فيها على مستوى اختياراتها ومرجعياتها النظرية والمفهومية.
رحيل وجوائز
الظاهرة الأبرز في مشهد هذا العام تمثلت في رحيل عدد من أبرز الوجوه الشعرية تنتمي إلى أجيال وتجارب مختلفة أبرزهم أنسي الحاج صاحب ديوان “لن” وأحد مؤسسي مجلة “شعر” التي اطلقها يوسف الخال، ومن المنظرين للحداثة الشعرية. كما رحل الشاعرالفلسطيني سميح القاسم بعد صراع مرير مع المرض، والشاعر اللبناني السوري الأصل سعيد عقل، أحد أهم شعراء المدرسة الشامية والكلاسيكية الحديثة. وكان سبقه رحيل الشاعر الغنائي اللبناني جورج جرداق. اللافت في رحيل هذه الوجوه أنها من الوجوه الإشكالية في مواقفها السياسية من “الانتفاضات العربية” والزلزال السوري تحديدا.
الشعر والانتفاضات
مازالت تداعيات الواقع الجديد الذي أفرزته الانتفاضات العربية ضد أنظمة الاستبداد والفساد والقمع تفرض نفسها بقوة على تجارب الشعراء العرب، لا سيما في الأقطار التي عاشت تلك الانتفاضات،.هذا الواقع طرح على الشعراء مسؤوليات جسيمة وتحديات كبيرة على المستوى الجمالي والفكري، إذ كيف يمكن للشعر أن يحفر في العمق الدلالي والرمزي لهذه الانتفاضات، وأن يصوغ نصه الجديد بالصورة التي تجعله تكثيفا عاليا لقيامة الحياة، أو أن يتمثل بطولات الجسد العاري في مواجهة آلة القتل والدمار،. لقد ساهم التمايز في الحالة التي انتهت إليها هذه الانتفاضات العربية في اختلاف مضامين التجارب التي صدرت هذا العام 
شعر المنافي
أفرزت حالة الحروب المتلاحقة والقمع ظاهرة شعراء المنافي الذين هربوا من جحيم الموت في أوطانهم، أو من قمع مستشر وانعدام فرص الحياة الكريمة، فاختاروا المنافي وطنا بديلا لهم. هذه الظاهرة التي أخذت بالتوسع في السنوات القليلة الماضية ، إلى جانب التعبير عن الحنين والشوق لوطن مختطف
وفي حين تتباين كثيرا مستويات التجربة بين شاعر وآخر من حيث العمق والرؤية واللغة، فإن هذه المنافي قد أتاحت لبعض الشعراء إمكانية تقديم أنفسهم خارج حدود ثقافة بلدانهم والمشاركة في العديد من مهرجانات الشعر العالمية، وعلى الضفة المقابلة يمكن القول إن شعراء العراق هم الأكثر حضورا وانتشارا بسبب قدم وجودهم في بلدان المنافي وتنوع تجاربهم وأجيالهم. 

التعليقات معطلة