Feature

في القرن الرابع الهجري، بدأت عوامل الوهن تدب في جسد الخلافة الإسلامية، وتنذر بصورة المستقبل القاتمة، فقد انتشرت في بغداد وسواها من المدن الكبيرة معالم الفساد الأخلاقي، وتعاظمت ظاهرة الغلمان والجواري، وتراجعت شتى فنون العلم والأدب والشعر والبناء والعمارة، فيما انغمست الحاشية وعناوين الدولة المسؤولة، باللهو وليالي الانس والتمتع بالنساء ما أحله الشرع وحرمه، وكان ذلك الترف كله على حساب الناس، ومن بين مال المسلمين فقرائهم وجياعهم، وإذا كانت هذه الحالة المزرية قد انعشت حركات الزهد والتصوف والقوى المعارضة لسياسة البلاط، فان بعضا من رجالات البلاط نفسه، كانوا يعرفون حدود الله، وأبوا مسايرة الخلفاء وحاشيتهم، وأعلنوا في السر والعلن رفضهم، ورفعوا صوت الاحتجاج، وكان في مقدمتهم الوزير (معز الدين الناصر بن يعقوب الموصلي) فبعد ان أعياه إصلاح الحال، هجر منصبه مع زميله الوزير (ابي الهواشم محمد بن قتيبة التميمي)، وكان لقرارهما وقع سيئ على مركز الخلافة واستبشار عظيم لدى الأمة، وبات معز الدولة على وجه الخصوص حديث الناس ورمزها، لان الرجل أفصح على رؤوس الأشهاد عن موقف شجاع من السلطة، واتهمها بالظلم والعدوان حتى على أهله، وهو الامر الذي أغاظ الخليفة وقرر البطش به، لولا ان حاجبه (الباز بن غلام شاه) الملقب بالداهية أشار عليه ان يسترضي الوزير، ويعيده الى سابق عهده، حتى إذا انقضت الناس من حوله، ألقاه في السجن بأية تهمة ولن يجد من يسأل عنه، واقتنع الخليفة وتكفل حاجبه بالمهمة وهكذا ذهب الى معز الدولة، وابلغه أن الخليفة غير غاضب منه، وقد وهبه مكافأة على خدماته، ارضا واسعة في الكرخ وقصرا فخما على ضفة النهر في الرصافة، وسيجري له عشرة آلاف دينار كل شهر، وانه لا يطلب من هبته ثمنا، فان رغب في العودة الى منصبه سيتقاضى غير هذه الهبات، ضعف راتبه الذي كان يتقاضاه، ولم يقاوم الموصلي العرض المغري، وعاد مع غلام شاه، وقبل الأرض بين يدي الخليفة، واعتذر عن خطئه، وقد دهشت الناس من موقفه، وإصابتها الخيبة وحقدت عليه اكثر من حقدها على الخليفة، وقد كتب التميمي رسالة إلى زميله الوزير قال فيها (اعز الله معز الدولة، عزيز بلده ورافع مجده اما بعد فقد لهجت الناس باسمك، وتسابقت في ذكرك، يوم كنت ترعى فقراءها، وتواسي عزاءها، حتى جعلت منك الامل المتبقي، والخلاص المرتجى، غير انك في غفلة من الزمن، قلبت لها ظهر المجن، عد الى رشدك، وتراجع عن غيك، فان الأحوال مائلة، والامارة زائلة، اهلوك اولى بالولاء، ونعيمك الى فناء، فقبلك قارون هلك، وما اغناه ما ملك، واستغفر الله لي ذلك)، وحين قرأها معز الدولة ضحك بكل ما اوتي من قوة حتى بلل الرذاذ لحية ذقنه، ثم مزقها ورماها في الموقد، ولم يمض شهر على ذلك الحادث، فإذا الخليفة يتهم وزيره بالاستيلاء على ارض في الكرخ، وقصر في الرصافة، وبالسطو على بيت مال المسلمين، وأمر ان يطاف به على ظهر بغلة عرجاء في الأسواق، والناس ترميه بالحجارة ….. وأمضى حياته منسيا في السجن!! 

التعليقات معطلة