شمس الدين العوني
أشجان امرأة .. تأخذ القارئ الى حيز من شجنه الدفين ونواحه الخافت…
الحياة التي تتعدد وتتداخل وتتقاطع تلويناتها تظل مجالا شاسعا للقول بالمتعة التي تنهل من خساراتها وانكساراتها وتفاصيلها المأخوذة بالشجن وهل ثمة من طعم للكتابة بغير هذا الشجن..انها الحالة الوجدانية التي تمنح الكائن ضروبا من التجوال الحارق والمحير ..انها الحالة تنتصر على الآلة لتوليد السياق الابداعي الكامن في ذات الكائن..و أي كائن ..
من هنا تكون الكتابة فسحة للعزاء والسلوى في أتون هذا اليومي الذي يسلب الانسان أحيانا شيئا من انسانيته ..النبل والقيم والعرفان والوفاء..و.. و..ليظل على انحداره وسقوطه..مثل هذا السقوط المدوي الذي نرى ونشهد..
ومن هنا ندخل عوالم الكتابة لدى القاصة فوزية حماد التي أخذتنا طوعا وكرها الى بستانها القصصي الذي مهرته ب ” كأنها هي…” لنلمس هذا الشجن الدفين الذي ميز وطبع الخط السردي في مجمل قصص المجموعة وتفاصيل كتاباتها..
“…أتطلع من عالمي المفرد أرفع رأسي تتسلق عيناي القامات العملاقة حولي تنشد يدي الفكاك تفلت فأنطلق سعيدا متأملا ما شتتني…
فجأة لا أجدك تغيبين عني أركض للحاق بك أتمسك ” بالسفساري ” لأتبين بعد مسافة أنني سرت خلف امرأة أخرى غيرك يا أمي “.
انها لعبة الحنين والضياع في هذا السرد المشحون بالحنين والانكسار حيث المرأة التي تنشذ الى قيمها من تلك الينابيع الأولى وتعطي للآخرين ولكنها غالبا بل في عموم الأحوال تلقى النكران ..
هي الخسارات التي تفوح روائحها في قصص الكاتبة فوزية حماد بكثير من الوجع والآه
تجاه خرائب الذات والآخرين ولكن القاصة هنا تسعى لترميم ما تداعى من كينةنتها عبر الكتابة في تجليات معانيها ورمزيتها وعباراتها ..
قصص على قصرها تشد القارئ بعيدا عن الحشو الزائد والافتعال السردي ..هي تذهب مباشرة الى الموضوع..الى جوهر الأشياء بأسلوبها الخاص الذي تسمه ببساطة الحكي وعمق الألم..
” رسالة صيفية”..” العاشرة ليلا “..امرأة في الفخ “..” سراب ” .. ” مخالفة “..” لوحة ” …..” الكابوس ” .. ” النذل “.. ” لقاء ” ..عناوين لقصص قصيرة سعت فيها وخلالها وبها القاصة فوزية حماد الى الوصول الى ترجمان فني أدبي تقصدا لابراز الوعي الدفين بالكتابة كتعبير صادق عن الأشواق والشجن وفق نظرة ثاقبة تجاه العالم والأشياء والعناصر والتفاصيل ..
” ..لحظة الوداع وقبل ضياع ملامحك بين آلاف الملامح وعدتني برسالة مطولة…و منذ عودتي وأنا أرقب ساعي البريد يمر كل يوم بلا رسالتي فيقتلعني اليأس من حضن الأمل..أرصد غيابك وهول الفراغات داخلي فيتملكني الفزع…”
تواجه الكاتبة في هذه القصص كونا من الحنين والخيانات والانتظار والوحدة والقلق والحسد وغير كل ذلك ولكنها تنتصر بالكتابة على الخواء وبأسلوب فيه اللعب على المخاتلة وكسر أفق الانتظار ..و هكذا..
انها لعبة القص الممتعة تلهو بها الطفلة الكامنة في دواخل القاصة فوزية حماد ..ضمن تخير أسلوب قصصي يبعد بل ينشد النأي عن المتداول والمعروف من المتاح السردي الملون بالافتعال والفبركة والايهام بالاشتغال القصصي..
هي أشجان امرأة .. ” كأنها هي … ” فسحة من القص تقترحها الكاتبة فوزية حماد وهي لا تلوي على غير أخذ القارئ الى حيز من شجنه الدفين ونواحه الخافت ..في هذا اليومي المربك والمقيم في القلق..
المجموعة صدرت عن دار البراق للطباعة والنشر والتوزيع في مائة صفحة وهي من الحجم المتوسط وعلى الغلاف لوحة للرسام الأمريكي الجنسية الايراني الأصل روسوللي..