محمد شنيشل الربيعي
باش’ وخاجية, سيدتان , الاولى من هور (ذيل العجل ) السومري , جاءت الى بغداد بمعية كل تفاصيل الهور من (الجاموسة ) التي اسمتها “وضحة ” الى المشحوف والطرادة والازكة او الشجوة والكلة او رأس الغند وادوات الطبخ والمناصب من الطابك والبادية والكاشية ( وعاء الاكل )وادوات التجميل من المشوفة التي ترى بها وجهها وهي تضع السبداج الى الكحل الحجري بوعاء سومري ورائحة ام السودان والسِعِد والمحلب والمسك والعنبر الى مسميات اولادها السومرية ,صلبوخ , صكلوك, وصكبان ,وخصاف, وكان اصغرهم مرهدن وبناتها (ضنوة وكاشية وسِعِد) الى ملابسها التي تبدأ بالعصابة مرورا بالطاكة البلبولي وانتهاء بالجرغد الذي تربطه بقطعة من الذهب تسمى الجلاب والدشاديش ابتداء من لبك الخيزران وحزام القيسي والمخرم الى انواع الهاشمي ,الذي كانت تفوح منه الروائح الطيبة, وكان لديها صندوق من الخشب السيسم تجمع به كل مقتنياتها من اللير الحميدي والقسطنطيني الذي يعود الى الحكم العثماني كانت تفكر في تحويل البيت الذي تسكنه الى مستنقعات مائية لتنهي كابوس الكاشي والجدران الذي اصبح يخنقها ( على ذمة آخر تصريحاتها)وترغب ان يتحول هذا البيت الى ( طرة ) وهو الفناء الواسع ثم ان (وضحة )على وشك ان ترزق( بشفج) والكاشي يعكر مزاجها لانها لاتستطيع ان تمشي عليه قبل الولادة , تساؤلات كثيرة اثارتها باشه وهي ما زالت تبحث عن مكان ( لِلحِبْ )في زوايا فناء الدار وكيفية ثقب ( الورشن ) وهو الوعاء الذي تشرب به الماء , لا احد يستطيع ان يجد لها حلا في ظل ظروف المدينة او ان يغيرمن عزيمتها ولان اولادها قطعوا على انفسهم ان يأتوا معهم بكل تلك المقتنيات لقبول هجرتها والا يعارضوها , والذي كان من ضمن شروط مجيء باشه الى بغداد .
مشكلة عقل باشا ينطلق دائما من (اذا عزمت فتوكل ) ويكاد هذا القرار ان يحدث انقلابية على كل افكارها اللاحقة والسابقة , استشفت هذا الامر من نظرات وبسبسة الاخرين وكانت تنظر الى ابنائها بريبة واضحة لعلهم ينقضوا عهدهم فتكر راجعة, فكروا وبمساعدة اهل القطاع في مدينة الثورة ( الصدر الآن )ان يبحثوا لها عن صديقة , وكانت فكرة صائبة على ان تكون من عمرها او اقرب ولها من خصائص (باشة) الريفية ما هو جلي وواضح … انها (خاجية) التي سبقتها بالمجيء الى بغداد .
( خاجية ) تجاوزت السبعين عاما , جاءت من اراضي البومحمد قبل اكثر من عشرين عاما وذلك بعد ان جلا زوجها اثر قتله لاحد العبيد الذي كان بامرة الشيخ , مما جعلها تنصاع للامر الواقع وتترك ذكرياتها مرغمة , (وخاجية) نسخة ثانية لكنها منقحة بتلك السنوات التي قضتها تتنقل في المحافظات والتي حط القدر بها مؤخرا في بغداد وفي مدينة الثورة بالذات( مدينة الصدرالآن)عرضوا عليها فكرة زيارة ” باشة ” بعد ان قصوا عليها نبذة عن حياة الاخيرة والمقتنيات التي بحوزتها , مما زاد شوق( خاجية)لرؤيتها .
لا نعرف من اين بدأ توارد الافكار بين الشخصيتين , وكيف ان روحيهما قد ائتلفتا وكأن ” باشه ” وجدت ما كان مفقودا بعد بحث لم يدم طويلا
دار حوار بينهم لم ينته , وكان للشاي حضورا مع الدهن الحر والبيض والسيياح والرصاع , الى جنب الجاموسة التي تعطر الحديث برغائها المتقطع , وفي نهاية الحديث ما كان من (خاجية) الا ودعت ( باشة) لزيارتها حيث قبلت الاخيرة تلك الدعوة.
هكذا وجدت(باشة )ذاتها الضائعة في مجتمع اصبح يتجذرهنا ويترك للتاريخ مفردات الاباء والاجداد ليؤرخ من جديد على بوابة الحياة التي لا تغلق الا بمشيئة ربي

