Feature

 المستقبل العراقي/ رحيم شامخ
بعد اقل من أسبوع واحد على الاعتداء الإرهابي الذي طال فرنسا تحولت أوروبا بأجمعها الى ساحة معركة مفتوحة ضد الإرهابيين العائدين من ساحات المعارك في العراق وسوريا
فقد قامت الشرطة في كل من المانيا وبلجيكا وفرنسا يوم الجمعة باعتقال واستجواب عشرات من المشتبه بهم فيما ظلت بقية العواصم الاوربية في اقصى حالات الإنذار والتاهب بعد هجمات الأسبوع الماضي في فرنسا والمداهمات التي شنتها الشرطة البلجيكية وقتلت فيها اثنين قالت انهما كانا يخططان لتنفيذ هجمات إرهابية في العاصمة بروكسل.
وكانت الشرطة الفرنسية قد قامت قبل يومين بتحرير مجموعة من المدنيين قام رجل مسلح باحتجازهم رهائن في احدى دوائر البريد في العاصمة الفرنسية باريس. فيما قامت الشرطة البلجيكية باستجواب 13 شخصا واثنين اخرين تم اعتقالهم في العاصمة الفرنسية بناء على طلب الشرطة البلجيكية بعد مقتل اثنين من المسلحين في غارة شنتها في فليرفيرس غرب البلاد ضد مجموعة إرهابية تقول انها كانت تخطط لخطف وذبح احد ضباط الشرطة البلجيكية. وقالت الشرطة انها وجدت اثناء مداهمة الشقة التي تتخذها المجموعة مقرا لها عددا من رشاشات الكلاشنكوف والمواد المتفجرة في المنزل الذي قتل فيه المسلحان.وفي المانيا قامت الشرطة باعتقال شخصين بعد مداهمات شنتها على 12 منزلا ومسجد قالت انهم جزء من خلية إرهابية تقوم بتجنيد الإرهابيين وارسالهم الى العراق وسوريا.
 وعن خلفية هذه الاحداث يقول كاي فان فليردن الباحث البلجيكي المتخصص بشؤون الإرهاب ان عدد البلجيكيين الذين كانوا توجهوا للقتال في العراق وسوريا يبلغ حوالي 450 إرهابيا ما يجعل نسبتهم عالية جدا قياسا الى بقية الدول الاوربية. وان احدى الخلايا البلجيكية كانت قد لعبت الدور الرئيسي في تفجير محطة القطارات الاسبانية سنة 2004، كما ان احدى البلجيكيات المولد والتي اعتنفت الإسلام فيما بعد وتدعى موريل ديجوك قد قامت بتفجير نفسها في العراق سنة 2005.
واذا كانت الشرطة قد نفت ارتباط اعتقال الخلايا البلجيكية بالاعتداءات على فرنسا فان السؤال يطرح عن توقيت هذه المداهمات في البلدان الاوربية في هذا الوقت بالذات. فمن الواضح ان الشرطة لديها تفاصيل وافية عن الخلفيات الإرهابية لهذه الخلايا النائمة في أوروبا كما اتضح ذلك من المعلومات التي سربتها الشرطة لوسائل الاعلام فيما يخص الاخوين سعيد وشريف كواشي واميدي كوليبالي منفذي هجمات فرنسا التي تظهر ارتباطهم بتنظيم القاعدة وذهابهم للتدريب والقتال في صفوفه في اليمن وسوريا والعراق، فلماذا لم يتم اعتقالهم قبل هذا الوقت؟ وهل يوجد فرق بين الإرهاب اذا كان موجها للخارج عنه اذا كان موجها نحو المواطنين الاوربيين؟
ان نجاح الحملة ضد الإرهاب التي تشنها الدول الأوروبية وامريكا رهين أولا بتصحيح المقاربة التي تتبناها هذه الدول لحقيقة الإرهاب وربطه بالعوامل الخارجية دون محاولة تبيان نصيب هذه الدول نفسها والسياسات التي تتبناها في المنطقة في تغذية الإرهاب وتوسيع نطاقه. فهذه الدول يجب ان تعترف بالاخطاء الاسترتيجية لسياساتها في المنطقة وبالخصوص في تبنيها للمقاربات الخليجية للاحداث في المنطقة بعد ثورات الربيع العربي عام 2011 وبشكل اخص فيما يتعلق بالوضع في سوريا. فالاصرار على دعم وتسليح المعارضة السورية وفتح الأبواب امام المقاتلين من الدول الاوربية للذهاب الى ميادين القتال بعد انكشاف التوجه الطائفي الذي انزلقت اليه الازمة ضد نظام الأسد هو العامل الأساسي الذي يقف وراء إعادة الروح الى التنظيمات الإرهابية بعد ان كاد يقضى عليها في العراق قبل العام 2011.كما ان الصحوة الاوربية المتاخرة لمحاربة الإرهاب بعد ان بدات تكتوي بناره ينبغي ان لا يقتصر على تتبع العائدين من جبهات القتال في العراق وسوريا ولا على الطرق والامدادات اللوجستية والتقنيات الإعلامية للتنظيمات الإرهابية، بل يجب ان يمتد الى تجفيف المنابع الفكرية للارهاب التي تتمثل في تبني ونشر العقيدة الوهابية التي تنتمي اليها جميع التنظيمات الإرهابية التي تدعى إسلامية في العالم. ان التحجج بحرية المعتقدات والممارسات الدينية يجب ان لا يكون غطاء لنشر الأفكار المعادية للإنسان مهما كان لونه وانتماؤه وثقافته. واذا كانت الدول الغربية تجرم وتحرم معاداة السامية لانها موجهة ضد فئة من البشر من معتنقي الديانة اليهودية فان تجريمها للتكفيرية الوهابية يجب ان يكون له الأولوية لانه موجه ضد جميع بني البشر على اختلاف اجناسهم ومعتقداتهم وخاصة منهم من يرفضون معتقداتها وممارساتها التكفيرية والارهابية.والامر المهم الاخر الذي سيكون له الأثر الفعال في هزيمة الإرهاب في العالم هو دعم العراق عسكريا ولوجستيا وماليا بوصفه خط المواجهة الاول مع الإرهاب العالمي باقسى اشكاله المتمثل بتظيم داعش الإرهابي. فهذا التنظيم يتبنى اجندة عالمية لها انصار وداعمون يقومون بتجنيد المقاتلين للقتال في صفوفها من كل انحاء العالم. وأصبحت ساحات القتال في سوريا والعراق مدارس للإرهابيين تتولي اعدادهم وتدريبهم وامدادهم بالخبرات والأسلحة والأموال لتنفيذ اجنداتهم الإرهابية ضد الدول التي جاء منها هؤلاء الإرهابيون. ان هزيمة هذا التنظيم في العراق وكسر شوكته وتحطيم روحه المعنوية هو المقدمة الصحيحة لتصحيح مسار حركة الاحداث في المنطقة بعد الانحراف الذي أصاب ثورات الربيع العربي عام 2011  وبث الروح من جديد في الشعارات التي رفعتها هذه الثورات لتغيير النظم السياسية الاستبدادية والمطالبة بالحقوق السياسية والمشاركة الشعبية في القرارات السياسية التي هي الضمانة الاكيدة لسحب البساط من تحت القوى الظلامية والتكفيرية التي لا تحيا وتنتعش الا في بيئات الاستبداد والجهل والحرمان الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.

التعليقات معطلة