كندال نيزان
اللغة هي جامع الأكراد المتناثرين في تركيا وإيران والعراق وسورية. فهي شريان القيم الثقافية الكردية. وتجمع كذلك بين الأكراد العادات الاجتماعية والدينية ومكانة المرأة التي هي على قدر من المساواة مع الرجل، وطريقة العيش. وفي البدء، كانت إيران مسقط رأس الأكراد في عهد الامبراطورية الميدية (القرن السابع قبل الميلاد). ومنذ عصور الإسلام الأولى، كانت كلمة كرد متداولة. وفي القرن العاشر، برزت ثلاث دول كردية الأولى عاصمتها دياربكر، والثانية في القوقاز على مقربة من غانجا التي كانت تضم شطراًَ كبيراً من أرمينيا وأذربيجان، والثالثة في كردستان الإيراني. ولكن هجمات المغول – التركمان قلبت الأمور رأساً على عقب.وعلى رغم الانضواء طوال قرون في السلطنة العثمـــانية، لم «يذب» الأكراد ولم يخسروا سماتهم. والسلطنــة العثمانية كانت حيزاً ليناً تسوده لا مركـــزية راسخة. وفي كردستان، لم تطح السلطنة عشرات الإمارات الكردية الموروثة التي كانت خزان رجـال فــي الحروب. وهذه الإمارات لم تسع إلى الوحدة ولم تناضل من أجلها. والنفوذ الإيراني هيمن على بعض الإمارات الكردية. ومن رحم التشظي والعـيــش المشتت، ولد تراث فني وأدبي وثقافي كردي غنــي. وكان عدد الأكراد المقيمين في إسطنبول قليلاً، ما خلا عدد من الفنانين وعلماء الدين. وإلى حروب السلطنة في البلقان في نهاية القرن التاسع عشر، لم يكن عدد الأكراد في الجيش العثماني كبيراً.ولكن في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، اختل هذا التوازن على وقع سعي العثمانيين إلى إرساء المركزية والاحتذاء على النموذج الفرنسي. ولم يكن أمام الأمراء الأكراد سبيلاً يسلكونه غير التمرد. وفي وقت أول، حاربوا من أجل حماية امتيازاتهم، وانتهى بهم الأمر إلى المطالبة بكردستان موحد. وسبق الأكراد العرب في رفع لواء مطالب قومية. ولكنهم أخفقوا في «الحصول» على دولة، اثر سقوط السلطنة العثمانية.
وبعد الهدنة، قصد وفد كردي باريس، على رأسه شريف باشا، وهو سفير سابق. ونصت معاهدة سيفر في 1920 على إنشاء دولة كردية. ولكن الحدود النهائية لم تحتسب حقوق الأكراد. فأمام الخطر السوفياتي، رجحت لندن كفة بروز تركيا كبرى قومية تكون صمام أمان في وجه الاتحاد السوفياتي على كفة دولة كردية هشة من غير تراث في الحكم وإدارة شؤون دولة. والنخب الكردية يومذذاك كانت مسؤولة كذلك عما آلت إليه الأمور من إخفاق: مؤيدو الاستقلال لم يفلحوا في استمالة عموم الأكراد، وقسم منهم رأى أن الاستقلاليين غير واقعيين. وبعض آخر من الأكراد تحالف مع مصطفى كمال الذي زعم أنه يسعى إلى إنشاء جمهورية» تجمع القوميتين التركية والكردية. وانتهى معظم هؤلاء إلى حبال المشانق. ومنذ استقلال تركيا في 1923، قرر مصطفى كمال إنشاء دولة تركية. وفي 3 آذار (مارس) 1924، حظر مدارس الأكراد والنشر بالكردية. فأبصرت النور حركة الكفاح الكردية.
ومشكلة تحديد حدود الدولة الكردية اثر الحرب العالمية الأولى مردها كذلك إلى تنوع سكان كردستان الذي جمع جماعات مختلفة من اليهود إلى المسيحيين والسريان الكلدان والأرمن والمسلمين. وعدد كبير من الأرمن كانوا من أبناء هذه المنطقة منذ قرون. ولكن حين عقدت مؤتمرات ما بعد الحرب، كان الأرمن قضوا في مجازر. ومعظم من نجوا منها أنقذهم أكراد. وفي نهاية القرن التاسع عشر، اثر إطاحة الإمارات الكردية، سعى السلطان عبد الحميد إلى الاحتذاء على النظام القوزاقي، وأسبغ لقب «باشا» على عدد من الوجهاء الأكراد المحليين وأوكل إليهم وإلى جنودهم الدفاع عن السلطنة في وجه الروس. وحين اندلعت انتفاضات الأرمن بين 1892 و1893، تولى هؤلاء الوجهاء عمليات القمع، وذبحوا مئات آلاف الرجال. وكانت عملية تجنيد الأكراد يسيرة. فهم يتحدرون من مناطق يطالب الأرمن بالسيادة عليها. فتعاون بعض الأكراد مع السلطنة. ولكنهم لا يمثلون كل الأكراد. فكان المجتمع المدني الكردي معادياً للمجازر. وفي 1915، رفض المحافظان الكرديان في السلطنة العثمانية، القرارات الصادرة عن إسطنبول. فهما كانا يتحدران من دياربكر التي أخليت من الأرمن والسريان في ذلك العام.
والحدود التي برزت في القرن العشرين ذكت الاختلافات الثقافية بين الأكراد، فتعددت هوياتهم. فأكراد إيران قصدوا المدارس الفارسية وتابعوا وسائل الإعلام الفارسية… وهذه حال أكراد تركيا، سواء اندمجوا في اللغة التركية أم لا، الذين تأثروا بمنطق الكمالية. وثمة أوجه شبه بين عقيدة ثوار «حزب العمال الكردستاني» والحركة القومية الكردية. وعلى رغم اختلافات إقليمية بين الأكراد، تجمعهم هوية واحدة تبرز في الشتات. وإذا قيد لكردستان الارتقاء إلى مصاف دولة مستقلة، لا مفر من أن تكون فيدرالية متعددة المراكز.
وقبل 30 عاماً، لم يكن أحد يجرؤ على تخيل نشوء كردستان شبه مستقل في العراق أو بروز الأكراد كحليف يعتد به. وهذا ما يحصل اليوم. واليوم فـي الغرب ثمة إقرار بمشروعية حق الأكراد فـــي دولـــة خاصة بهم. وقبل 3 عقود، سعيت إلى نشر عـــدد من أجزاء كتاب عن «موسيقى كردستان» برعاية اليونيسكو. ولم يثمر هذا المسعى إلا بعد عام، ولم يصــــدر غير جزء واحد من الكتاب بعد تغيــير العنوان إلى «موسيقى كردية». فتركيا والعراق وإيـــران وحتى الصين عارضت المشروع. فحين لا ينضوي 40 مليون نسمة في دولة، لا تسمع كلمتهم.