المستقبل العراقي/قيصرمؤيد
كيف نسي ذكرياتنا القديمة معا؟ وكيف استطاع أن يتنكر لكل التضحيات التي ضحيتها من أجله؟ ولماذا كل ذلك النكران الذي كاد أن يلوث نقاءنا ويقضي على طيبتنا؟ هل هناك مبرر مقنع وراء تخليه عن مشاعر الأخوة التي جمعتنا لسنوات طويلة بدون أن يفكر حتى ولو قليلا بالجرح العميق الذي سيحدثه في قلب من أحبه بصدق؟
بهذه الأسئلة المؤلمة والموجعة يستعيد عمر قصته مع أخيه الذي غيرته ظروف الحياة لدرجة أنه قرر أن يقطع علاقته به نهائيا ربما لأنه لم يعد يتناسب مع وضعه الجديد. متناسيا أن كل ما يعيشه الآن من نفوذ وسلطة من صنع أخيه الذي فضله على نفسه تاركا أحلامه خلفه ليشرع في تحقيق أحلام شخص آخر لكنه بالنسبة له كل شيء.
حرصه الدائم على مشاعره جعله يلبي له جميع احتياجاته حتى قبل أن يطلب، وذلك ليجنبه الإحراج والشعور بالضعف نتيجة احتياجه للآخر مهما كانت مكانته.
اقتناعه بأن قدرته على العطاء بدون توقف دفعته إلى إنكار ذاته جعله يتجاوز كل رغباته وأمنياته في سبيل إسعاد أخيه مع محاولة جادة للابتعاد عن كل ما يثير الحساسية لتبقى العلاقة بينهما أساسها المحبة والتفاهم والاحترام. لكنه، للأسف، لم يكن يدري أن الحياة تخبئ له مفاجأة مؤلمة قاسية ستقلب كل الموازين وستضعه في مواجهة حقيقية مع ذاته باحثا عن سبب مقنع لكل ما حدث، يجبره على اختلاق الأعذار لأخ اختار أن يكون ناكرا للمعروف بعد كل التضحيات التي قدمت لأجله سامحا لنفسه أن يتجاهل قلبا لا يستطيع أن يبادله سوى الحب والوفاء حتى وإن كافأه بالتخلي والنكران.وجع صامت يختزل كل خيبة الأمل تلك والتي نجحت في تعميق الجرح أكثر بين أخوة فرقتهم ظروف الحياة ليصبحوا بعد ذلك أغرابا عن بعضهم بعضا غير آبهين بالقطيعة التي حدثت بينهم والتي قد تدوم للأبد لأسباب سخيفة قائمة على الانبهار بالمظاهر ورغبتهم الكبيرة في التنكر لماضيهم، وذلك لأنه دائما ما يذكرهم بحقيقتهم كي يبقوا أوفياء ممتنين لكل من أسدى إليهم معروفا بغض النظر عن حجمه.
لكن قرارهم بعدم الاعتراف بفضل الآخر عليهم يفقدهم جزءا كبيرا من إنسانيتهم لدرجة أنهم يصرون على تهميش كل من حولهم واستبدالهم بأشخاص جدد يجهلون ضعفهم، معتقدين أنهم بذلك سيتحررون من عقدة الذنب التي تلاحقهم لتخبرهم كم هم أنانيون وجاحدون حتى لأقرب الناس إليهم. انسحابهم المفاجئ من حياة أشخاص منحوهم الكثير دليل قوي على أنهم يريدون أن يقفلوا أبواب الماضي الذي يخشون رجوعه مرة أخرى، لذا يستعيرون ذاكرة جديدة ليوثقوا فيها كل نجاحاتهم المتميزة التي تستحق من وجهة نظرهم أن تبقى حاضرة وذلك ليبرهنوا لجميع من حولهم وتحديدا لأولئك الذين لم يكن لهم ذنب سوى أنهم أحبوهم ومنحوهم كل شيء بدون تردد أنهم حتما ليسوا بحاجتهم وأن باستطاعتهم الاستغناء عنهم للأبد.لكن هذا بالطبع لم يمنع البعض من الاستمرار في العطاء متجاوزين ألم الصدمة الذي يصر على أن ينتزع منهم شعورهم بالرضا والارتياح محاولا التشكيك بصدق نواياهم وبرغبتهم الحقيقية في إسعاد أشخاص يعنون لهم الكثير، معتبرين ذلك المقابل الوحيد الذي ينتظرونه ليقدموا كل ما لديهم.
لحظات كثيرة في الحياة تمر علينا لتشعرنا بأننا وحدنا لا أحد يحاول أن ينتشلنا من ذلك الضعف الذي تسلل إلى دواخلنا قاصدا حصرنا ضمن دائرة الخوف تلك لعلنا نجد ولو شخصا واحدا هناك قادرا على إنارة أرواحنا التي سئمت الوجع والخذلان متأملين أن يبعدنا عن كل المتاهات الضيقة التي لم ننجح في اكتشافها وتخطيها ومع ذلك كله نقرر أن نعاود البحث مرة أخرى عمن يمنحنا مشاعر صادقة نقية نرمم بها شقوق جرحنا ليكون باستطاعتنا إسكات أنين الحاجة في داخلنا.
قد ننتظر طويلا لكنه حتما سيأتي حتى لو تأخر بعض الشيء، حينها فقط سنقتنع بأن الحياة ما تزال تنصفنا وأنه ما يزال هناك أحد قادر على الاعتراف بالجميل.