Feature

حسن نصّور 
من العسير الإحاطة بكليّة مضامين ودلالات نصّ الشاعر اللبناني الراحل «بسّام حجار 1955-2009». قد يحتاج الامر إلى دراسة أكاديميّة مستقّلة تفيد من نصوص موازيَة ثانويّة أو مركزية، محدثة وتراثية ساهمت في رسم مدارات نصّه، لجهة قدرة هذا الشاعر على صهر كمّ وازن من التراكيب اللغويّة واللفظيّة في مقاطع مفردة عصيّة على التقليد.
لا نتحدّث، في هذه العجالة، عن نصّ حجار الشعريّ حصريا. كما أنّنا لا نحصر الكلام أيضا بنثرياته إذ اننا نحاول تتبع خيط أو نفَس خفي يشكّل معجمه اللغوي. نفسٌ يطوّع اللغة ويقطّعها ويحيلها تفصيلات متراكبّة وحساسة تشعّ «بحثا عن الفروق». هذا الخيط اللغويّ، معجمُ الشاعر، ينجز، بفرادة منقطة النظير، نصوصا هي مرآة حيوات الكاتب الداخلية المفصّلة المعيشة، معكوسة في النصوص، عينا وفعلا وحركة. إنّه انطباع القارئ. وهي، في آن، ملاذاتٌ إذ نحدس فيها أحوال اللغة وتقلّباتها، شعرا ونثرا. كما نلحظ، في ترجماته، ما يشبه نعيا للكاتب الأصل وولادة المترجم كاتبا يوازي المؤلف. نبحث عن الاسم.
أقول إنّ «معجم الاشواق، 1994» مُسندٌ يقولب لغة الشاعر ويمدّها. يحيل عنوان هذا النص النثريّ ذهنيا إلى» ترجمان الأشواق» عمل قطب الصوفية الاكبر «محيي الدين بن عربي». إذن، نتكلّم عن متن ساحر لجهة إفادة الشاعر من بلاغة الموروث في سبر الصلات لغويّا بين المحب والمحبوب. إنه متن، على إفادته من معجم العشاق و المتصوفة، شكلٌ بلاغيّ أقصى للغة لا تزال قادرة على استثمار أشكالها العذراء الأولى في النصّ الراهن، نص الشاعر. تكثيف أخال أنّه ظلّ يمّد معجم الشاعر الكتابيّ في مجمله. تكثيف يراد له أن يكون «خلقا جديدا»، وإن بشكل منجّم، مفرّق في أعمال الشاعر، تارة بشكل مباشر وأحيانا بالواسطة.
لا تعدو لغة صاحب «تفسير الرخام 2006» كونها إحياءً لذوات الأشياء من حيث انّها أصولٌ لا أعراض. إنّها اللاشيء وكلّ شيء. وهي لغة تتخلّق بأبسط الاشياء من حيث تجوهرها في مِرجل الكائن اللغويّ. إنها اللغة الحلم والوصفة السحرية لتناسل الدلالات من خارج طبيعتها الظاهرية. في هذا الحيّز، ليس المكان مكانا. (فالمكانُ هُنا ليس هو المكان بل خاطرة تبدّدها اليقظةُ ولا سُبات هنا بل يقظاتٌ تنبّهُ اليقظاتِ، «لأروي كمن يخاف أن يرى»، 1985). أقول إنها، بتعبير الصوفية، لغة «الوقت»، في آنيّته المخلوقة. الفسحة الخاطرة أو الدائرة التي تنعدم فيها القطعيات لصالح فجوات الشك بجدوى الواقع والمعنى على ما هو عليه. إنه وقت للمعجم وحسب. لعزلته وتقلّبه بين يدي الشاعر.
والحال أن النصّ نصّ الكائن، نثرا وشعرا، هو نصّ نفسه فقط، جوهرا وصفاتٍ. يصير اللفظ الواحد كثرة ثمّ يحيل على الكلّ، وبالعكس. ثمّة سارب بين النصوص حتّى في العمل الواحد. إنها عزلة اللغة ووحشتها تنعكس في الأشياء التي لم تعد غيرَ صورةِ وتصوّراتِ الكائن الكاتِب الدال. مثلا، الأب ومشجب الأب ومعطفه وشتاؤه ووحشته والسترة والقبعة والخزانة والكنبة والكناريّ والاخيلة الكثيرة وتاريخ ولادته. إنّها الاشياء الاشارات. هي، من وجهةٍ، عينُ اللغة ونفَسها، ومن وجهه أخرى هي فروق هائلة من حيث كونها صفات تتكاثر بالقراءة والكتابة. إنّها، في شكل من الاشكال، رائحة المعجم الصوفي إذ ينسجُ النص. فتوحاتٌ لفظيّة حميمة تنعتق ضمنا من سطوحها القديمة لتندرج في الشبكة المحدثة.إذن، نتحدث عن لبس يوغل في أنسجة المعجم. لبسُ دلالة اللفظ وقدرته عن توظيف أطيافه من خارج المعنى اللغوي المباشر. يغدو، أثناء القراءة، حالا تتردّد بين واقع اللغة وخيالاتها أو ترجيعاتها. وتاليا بين واقع الشخص اليوميّ وأحلامه أو رؤى أشيائه. لبسٌ، ربّما، لجهة كونه هو بالذات خيالا ينسج نصّا خاما يتكئ على تساؤل متعب ومتعَب في محاولة حثيثة للاضاءة باللغة المفردة على الكينونة: نوم أم يقظة. كنّا نقفُ ظلِّيَ المائلُ وأنا ولستُ أدري الآنَ مَن منّا رسم الخطَّ وجاوزهُ، («بضعة أشياء» 1997)بهذا، نحسب أن التوالد بالمعجم سمة أصيلة في كتابة «بسّام حجار».
 لا نصل أن نقول إنها نصّ مكتملٌ واحد في كتب متعدّدة. أقول إنّها فيوضات من جوف المعجم ذاته نصّا إثر نصّ. طبقات متراكبة من مخلوقات الشاعر الضئيلة الكونية التي قد يفسّر بعضها بعضا بالعاطفة المتخيلة الشفيفة إذ تصدر عن معجم يبدو في الظاهر مقنّنا. إنّها ألفاظ مفاتيح ربما، تتمرأى النصوص من خلالها باعتبارها حواشي على أصل فائق غامض لم يولد بعد. حواش ينتحل بعضها بعضا. (من «مشاغل رجل هادئ جدا» 1980 وصولا إلى «تفسيرالرخام»).

التعليقات معطلة