بقلم: القاصة عايدة بدر
ألمحها و هي تحاول أن تلفت نظري إليها بأية طريقة …. نظراتها تأتيني من بعيد تحكي كثيرا في صمت .. اهتمامها بتأخري الدائم عن موعد العمل .. محاولاتها لجذبي للاشتراك معها و بقية زملائنا في أحاديث لا شأن لي بها .. حتى اهتمامها بتناولي للطعام … شجرة التساؤلات التي تنمو بين عينيها حين تجالسني في فترة الراحة دون أن تثمر عن سؤال … أكاد ألمح بحثا دائما عما وراء هذا الجدار الذي أمده بيني و بين من حولي … لا تدري أن حياتي دائرة مغلقة .. مكررة بطبعها و قد تسلل إليها الروتين منذ زمن فما عاد من جديد تحمله اللحظات
العمل .. البيت … البيت .. العمل .. دائرة من دوائر كثيرة أراها الآن أمامي تتسع في فنجان قهوتي
يخترق أذني صوت أمي تناديني من بعيد :
– كفاك تحديقا في فنجان قهوتك ألم يحذرك الطبيب من أضرارها ؟ اتركه و انتبه لكوب اللبن أمامك
– حاضر أمي سأشربه لا تقلقي
حركة الملعقة في فنجان قهوتي تزيد من هدير تلك الدوائر فتتسع بلا نهاية … أمواج لا تصمت .. و عيناي المعلقتان على حافة الفنجان و أمواج بن تسحبني لداخلها ..
كوب اللبن القابع هنا يتقاسم منضدتي مع فنجان القهوة و يشاطرني التأمل .. و ما هذا هناك ؟.. نعم إنها شطائري التي تصر أمي كل يوم على اصطحابها معي للعمل. لماذا لا تريد أن تدرك أني كبرت و لم أعد ذلك الطفل الصغير
– لا تنس أن تأخذ معك طعامك فدائما ما تنساه
– حاضر أمي .. سأشرب كوب اللبن و سآخذ معي طعامي
أهناك شيء آخر ؟
– ما بك بني أيزعجك حرصي عليك و على صحتك .. نعم بالمناسبة ما موعد دوائك ؟ أسمع صوتك طوال الليل و قد أخذت نوبة السعال تشتد بك .. ألم أقل لك مرارا أنك تملك صدرا ضعيفا في مواجهة تغيرات الطقس … لا تنس بني أن تأخذ الدواء.. أهكذا تهمل نفسك لمجرد غيابي عنك أياما و يجافيك النوم ؟ لا تنزعج صغيري فكل أم حريصة على صغارها
– لا أمي بل يمتعني حرصك الشديد و لكني لم أعد صغيرا
– ستظل صغيرا في نظري مهما كبرت .. لا تنس أن تمشط شعرك
– نعم أمي نعم لن أنس أي شيء
لقد بات هذا الحوار اليومي جزءا من ترتيبات الصباح لا نكاد نهمله يوما و لا تزال دوائر البن تتسع و تتسع تكاد تبتلعني : صوت أمي ….. كوب اللبن… شطائرك …..دواؤك … لفتاتها .. اهتمامها …الصوت … الصوت…الصوت…..رأسي يكاد ينفجر .. أين الدواء ؟؟
أفيق على صوت ارتطام … أهرع لخارج غرفتي أجدها و قد استندت إلى الحائط و سقطت أرضا .. أرفعها و لكن للأسف فقد تهشم الزجاج و تناثر حولها …