زياد الحافظ
في خطابه ما قبل الأخير عن حال الاتحاد، حاول الرئيس الأميركي أن يزاوج بين هدفين شبه متناقضين. الأول هو رسم خريطة طريق للديموقراطيين للمعركة الانتخابية الرئاسية القادمة العام 2016، فيما الثاني هو تحديد قواعد إدارة البلاد في ما تبقّى من ولايته مع الجمهوريين المسيطرين على الكونغرس.
فبالنسبة لمعركة 2016، حاول الرئيس الأميركي أن يرضي القاعدة الديموقراطية في ما يسمى بيسار الوسط، من دون أن يستفزّ اليمين الوسطي الديموقراطي التقليدي الذي يقوده كل من الرئيس السابق بيل كلنتون وزوجته هيلاري، المرشحة المرتقبة للحزب العام 2016. فهناك من يعتبر أن خطابه يعزّز من فرص عضو مجلس الشيوخ اليزابت وارن، زعيمة يسار الوسط في الحزب، كما أنه يضع حدودا لميل هيلاري كلينتون نحو اليمين داخل الحزب الديموقراطي.
ويعتبر الرئيس الأميركي أن حال الاتحاد قوية، وأن قوته ناتجة عن نجاح سياساته الداخلية بشكل عام، التي اعتبرها نجاحاً لـ «اقتصاد الطبقة الوسطى». وقد ركز الرئيس على تراجع أسعار النفط والتداعيات الملموسة لذلك على موازنات الأسر الأميركية، حيث اعتبر أن انخفاض أسعار النفط سيوفر ما يقارب 750 دولارا لكل أسرة من نفقات التنقل. كما شدد على ما اعتبره تراجعا في معدلات البطالة وخلق نحو ثمانمئة ألف وظيفة في القطاع الصناعي منذ 2010، علماً أن ذلك لم يؤد إلى رفع متوسط الدخل العام، وهذا ما لم يتناوله الرئيس في خطابه، إذ ما زال مستوى الأجور متدنيا بحسب إحصاءات وزارة العمل التي أشارت إلى تباطؤ في زيادة الرواتب والأجور مقارنة بفترة ما قبل 2007. أما النقطة الثالثة التي سجلها لصالح سياساته، فتتصل بخفض عجز الموازنة بنسبة الثلثين بسبب سياسة التقشّف في نفقات الدولة، فيما رابع النقاط تتعلق بما سماه «الاستقلالية في الطاقة»، حيث أصبحت الولايات المتحدة أكبر منتج ومصدر للنفط والغاز على حد قوله.
هذه الوقائع ساهمت بشكل ملموس في رفع شعبية الرئيس الأميركي عندما واجه الكونغرس الأميركي الذي يسيطر عليه الجمهوريون. فاستطلاعات الرأي العام وضعت شعبية الرئيس الأميركي بين 53 و58 في المئة في ما يخص العديد من السياسات التي تمّ الاستفتاء عليها. وهنا المفارقة الكبرى: فالجمهوريون يعتبرون أن انتصارهم في الانتخابات النصفية في تشرين الثاني 2014 هو بمثابة رفض لسياسات الرئيس الأميركي، فيما خطاب الاتحاد يعدّد إنجازات سياساته الداخلية في معظم القطاعات، بما فيها القطاع الصحي، حيث أن أكثر من عشرة ملايين مواطن أميركي أصبحوا يحظون بتغطية صحية لم تكن موجودة لديهم، إضافة إلى انخفاض كلفة التطبيب والمعاينة.
وقد انطلق أوباما من تلك الإنجازات، ليدعو إلى المزيد من الدعم للطبقات الوسطى، خصوصاً في قطاع التربية، حيث حثّ الكونغرس على إصدار قانون يعفي من الرسوم المنتسبين إلى الكليات الجامعية المحلّية حيث أنها دون مرتبة الجامعات، سواء كانت خاصة أو تابعة للولايات، وذلك لتحفيز المنتسبين على اكتساب مهارات جديدة. أما تمويل تلك النفقات، فينتظر أن يأتي من فرض الضرائب على الأغنياء! وهذه أول مرّة يدخل فيها البعد الطبقي في خطاب الرئيس الذي أعلن انحيازه الصريح للطبقة الوسطى، كما شدّد على إعادة الاعتبار للنقابات التي تنقل أصوات الطبقة العاملة في القضايا التي تمسّ مصالحهم. بيد أنه في المقابل، لم يشر إلى التجاوزات الحاصلة في الأسواق المالية، التي ما زالت تعمل كما كانت قبل الأزمة، وكأن الدروس منها لم تستوعب بعد!
أما الملفّ الخارجي، فلم يتصدّر متن الخطاب. إذ ألقى أوباما كلاماً عاماً حول بعض الملفّات، ولم يتفوه بشيء في ملفّات كانت محور خطاباته السابقة. الأولوية في قطاع سياسته الخارجية كانت لمحاربة الإرهاب. وهو لم يأت بجديد بل كرّر مقولات سابقة حول الضربات الجوية الأميركية التي قال إنها «أوقفت التمدّد العسكري للدولة الإسلامية».
وقد كان لافتا موقف الرئيس الأميركي عندما كرّر وبحزم شديد قراره في استعمال حق النقض إذا ما اعتمد الكونغرس قانونا جديدا فيه سلسلة إضافية من العقوبات ضد إيران. فعلى ما يبدو، هناك قرار جدّي في إيصال المفاوضات إلى خاتمة سعيدة في الوقت القريب. والسؤال يتعلق بمدى قدرته على تجاوز المعارضة الداخلية في إدارته وفي الكونغرس لتمرير الاتفاق. وهذا ما سنتابعه في الأسابيع المقبلة. من جهة أخرى، فقد استمرّ بمهاجمة روسيا حيث شجب ما سمّاه «عدوانها» على أوكرانيا، ورحّب بالمزيد من العقوبات عليها، واصفاً إياها بالدولة «المعزولة».
أما الغائب الأكبر في خطاب الرئيس الأميركي، فهو ملف «السلام» في فلسطين المحتلّة. إذ لم يتفوه بكلمة حول الموضوع، لا دفاعا عن الكيان وعدوانه على غزّة تحت ذريعة «الحق بالدفاع عن النفس»، ولا تشجيعاً للفلسطينيين للعودة إلى طاولة الحوار واستئناف المفاوضات. السكوت المدوي تجلّى في دعوة رئيس مجلس الممثلين جون بوينر رئيس وزراء دولة الكيان لإلقاء خطاب في جلسة مشتركة في الكونغرس الأميركي، متجاوزا بذلك البيت الأبيض الذي سرعان ما استنكر الدعوة المخالفة للأصول والبروتوكول. ومن نتائج ذلك التجاوز قرار البيت الأبيض أن أوباما لن يلتقي برئيس وزراء الكيان. وقد بدا أن الرئيس الأميركي ليس منشدّا إلى متابعة الملف، كمن يقول للحكومة الإسرائيلية «لستم على جدول الأولويات»، و «لن نوفر لنتنياهو غطاء سياسيا قبل انتخاباته القادمة»!