Feature

نورا جبران
لا يتخذ الأشخاص المتورطون بالإرهاب قرارهم بالانضمام إلى مجموعة إرهابية أو القيام بعمل إرهابي بين عشية وضحاها. فلهذا القرار أسباب ودوافع ليست سطحية في غالبية الأحيان، وهذه الدوافع مرتبطة بالضرورة بمجموعة من العوامل، منها فهم الشخص للحياة، وهدفه منها، ومدى شعوره بالجدوى أو القيمة، وتعرّضه للتلاعب أو التضليل من قبل مجموعات أو أشخاص آخرين، إضافة إلى درجة تعرّضه للإهمال أو العنف أو تقبّله له.
إنّ فكرة أنّ الأشخاص الذين يشاركون في أعمال إرهابية هم مرضى نفسيون أو مضطربون عقلياً، هي فكرة دقيقة إلى حدّ كبير حين يتعلّق الأمر بالأشخاص الذين نفّذوا هجمات في شكل فردي، ومن دون أي خلفية دينية أو سياسية أو اختلاف فكري، كالأشخاص الذين «يقتحمون» المدارس مثلاً ويفتحون النار على الأطفال أو المعلمين، أو أولئك الذين يقومون بالقتل في شكل متكرر كالسفاحين أوserial killers.
أما الأشخاص الذين ينخرطون في أعمال إرهابية منظمة، وينتمون إلى مجموعات أو تنظيمات إرهابية، وتعود لأسباب محددة كالخلاف السياسي أو الفكري أو الديني أو المذهبي، فهم ليسوا مرضى نفسيين، أو مختلين عقلياً. فلسنوات طويلة درس باحثون كثر مثل ريكس هدسون، من مكتبة الكونغرس، وجون هورغان، من مركز دراسات الإرهاب والأمن في جامعة ماساتشوستس، وتوني ليميكس من الاتحاد الوطني لدراسة الإرهاب والتعامل معه في جامعة ماريلاند، ليتوصلوا كل على حدة، إلى أن هذه الفكرة فقدت مصداقيتها، وأن المقارنات بين الأشخاص الذين شاركوا في منظمات أو جماعات إرهابية في ما يتعلّق بالمرض النفسي أو الاختلال العقلي لم تُشر إلى فروق بينهم، أي أنهم على الدرجة ذاتها تقريباً من السواء في ما يتعلّق بهذا الأمر.
ويشير ستيف تايلور، أستاذ علم النفس في جامعة ليدز مؤلف كتاب العودة إلى العقل «Back to Sanity»، إلى أن الفرق الجوهري بين الإرهابيين وغيرهم، على المستوى النفسي، هو قدرة هؤلاء على «وقف» التعاطف تماماً مع الآخرين، بحيث لا يعودون يشعرون بالتعاطف مطلقاً مع المجتمع أو الشخص أو المجموعات التي يرهبونها، ولا تؤثّر فيهم المشاهد الوحشية للقتل أو ممارستها. ويذهب تايلور إلى أن فقدان القدرة على التعاطف هو نتيجة لاعتقاد الشخص العميق بأنه يخدم معتقدات وأهدافاً تُعتبر هي أولى أولوياته بغض النظر عن الآخرين، وهو ما تعمّقه الجماعات والتنظيمات الإرهابية في نفوس أفرادها، إضافة إلى عزلهم عن العالم الخارجي، وقطع تواصلهم معه، وتصوير المجتمع والآخر في صورة الشر المطلق، حتى تضمن انتماء الأفراد المطلق لها، وفقدانهم تماماً لأي شكل من أشكال التعاطف.
كما كانت فرضيات الباحثين تشير سابقاً إلى أن الإرهابيين هم أبناء مجتمعات فقيرة ومتخلّفة، ويعانون من الاغتراب النفسي والاجتماعي، إلا أن هذه الفكرة أيضاً لم تعد تتمتع بدقة عالية، لأن الجماعات الإرهابية أصبحت تستقطب مقاتلين من مختلف المستويات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وممن لديهم عائلات وأصدقاء ويعيشون حياة كريمة. لكن هذا لا يعني بالضرورة أنهم يتفاعلون جيداً مع هذا المحيط أو يتقبّلونه تماماً، ويشعرون بالانتماء إليه، ما أربك تلك النظرية حول أصول أبناء الطبقات الدنيا ودوافعها في الانخراط في أعمال إرهابية، ودفع للقيام بمزيد من البحث والتحليل للوقوف على الدوافع الحقيقية للأشخاص الذين يقومون بهذه الأعمال.
إنّ الأمر بالدرجة الأولى كما يقول هورغان، هو إدراك هؤلاء لضرورة ارتباطهم بمجموعات تمنحهم فرصة التعبير عن أنفسهم، وقوة الارتباط بجماعتهم الصغيرة، أكثر مما تفعل الدائرة الاجتماعية التقليدية كالأسرة والأصدقاء والعمل.
وعلى رغم أن دراسة سيكولوجيا الأشخاص الذين يتورّطون في أعمال إرهابية، أمر في غاية الصعوبة والتعقيد، نتيجة عدم القدرة على إجراء البحوث على أشخاص ضمن مجموعات إرهابية، إلا أن عدداً ممن تركوا هذه الجماعات، أو ممن يحاولون منهم الاستعراض بانضمامهم إليها، أو بهدف استقطاب أشخاص آخرين وتشجيعهم، تعتبر كلها مادة يعتمد عليها الباحثون أساساً في فهم هؤلاء الأشخاص ودراستهم.
بكلمات أخرى، ووفقاً لشهادات بعض من انخرطوا في جماعات إرهابية، أو بالنظر إلى محتوى رسائلهم لأصدقائهم ومجتمعاتهم لاستقطابهم للانضمام إلى الجماعات الإرهابية، يشعر هؤلاء بأن هناك قيمة ومعنى لوجودهم حين يقومون بدور مهم في الجماعة، وأنه يمكنك أن تأتي وتتزوج وتعيش حياة طبيعية، وتكون جزءاً من هذا المكان الجديد والفكرة الجديدة، وأن الانضمام إلى هذه الجماعات جعلهم يخرجون من دائرة الشعور باللاجدوى واللاقيمة، ليجدوا أنفسهم جزءاً من «دولة» تمتلك المال والسلاح والرجال، كما في تنظيم الدولة الإسلامية، ويخشاها العالم بسبب قوة ما تجرؤ على القيام به و»وحشيته». كما أنها في نظرهم «دولة» تسهم في نشر قيم العدالة والكرامة والرحمة، وتقضي على «الآخرين/ الكفار» الفاسدين، وهو ما يفسّر به تايلور ترك مسلمين غربيين حياة مريحة في أحيان كثيرة للانضمام إلى الدولة الإسلامية.أما في مجتمعاتنا العربية فإن النظام الاجتماعي والتعليمي في بلدان كثيرة يعزز الخلاف الفكري والمذهبي، والفكر الإقصائي، وفكرة القدرة على الحكم على الآخرين بالكفر أو النفاق، وأن مصيرهم الجنة أو النار وما يمنحه هذا الأمر للشخص من الشعور بالسلطة، ما يعطي فكرة الانضمام إلى صفوف دولة تقيم الدنيا وتقعدها باسم الدين جاذبية خاصة، عدا عن الوصول إلى الحياة الآخرة بشرف وشأن عظيمين هو شرف «الشهادة»، على رغم أن كثراً منهم كما يقول هورغان أميّون في كثير مما يتعلّق بدينهم.وهذا يقودنا إلى خطورة ما يتعرّض له هؤلاء من عملية «غسل الأدمغة»، لا سيما المراهقون منهم، ممن لا يجدون للأسرة أو الأصدقاء أو الحياة بأكملها معنى حقيقياً. فالمراهقة فترة حرجة، يشتدّ فيها إلحاح الحاجة للشعور بالانتماء والهوية، وبذلك يجد المراهقون وغيرهم ممن يشعرون بالتيه، في المساهمة في إقامة «الدولة» دوراً مبهراً وجذاباً. فالانتماء إلى جماعة يساعد على تخفيف شعورهم بالانفصال ويعزز هويتهم.

التعليقات معطلة