للشاعر والناقد هاني عقيل
محمد شنيشل الربيعي
على / قارعة الطريق / حيث لا أمل / ثمة صرير لباب / يتعرش حدقات الشوارع / لعربة متصدعة / تلهو بها الريح /سامق هو ذاك العثار / حيث لا مقيل / يتشظى / تحت أزيز العابرين / مذ امدٍ / يقتات عريه بنصف سروال ٍ/رتقته شزرات الامس / لا مفر / اذ هم يتجولون ليلاً / يعلو ضجيجهم / كطنين ذباب / يتلوى على وسادة خالية / آهٍ ايها الرأس الذكوري / حتى التخمة / ما زلت تركض لاهثا / مخلفا ورائك / سرب من تاء التأنيث / ينشج بالنحيب / حيث لا رجل سواك /
***
أخطر المفردات تلك التي بيد الشاعر المتمكن من لغته , والذي لديه مخزون من اللغة ما يؤهله ان يُخرج النص بحرفية المعنى وجرس اللفظ , فهو اذن محتاط في الاختيار , متحفظ في المعنى , والعربية لغة الاشتقاق والترادف والتشارك والموسيقى , وهذا يفضي بنا ان اختيار اللفظ مسؤولية , بل هي نشاط النص وليست بالامر الهين كما يبدو للبعض.
اللغة التي يتناولها هاني عقيل يثبتها معجميا , تؤرقه , يتجول فيها اصطلاحيا ثم يشير بدلالتها اما من دالٍ موجود او مقدر او مخاطب له حضور او غائب حاضر, أنه يتأمل ثم ينقش مستشهدا بعلامات مكتنزة الاحداث تربط الانسان بالكون , مكتظة الحركة والنزوع , يجد الكون علامات كله ودلائل يلتقطها كمن ينقي الذهب من شوائبه / على قارعة الطريق / ستظهر العلامة بدلالة الاذى والياس والالم على الرغم من التقديم لا يستطيع ان يجد لها غير هذه الدلالة فهو لا يخبر بالتصريح لكنه لا يستطيع ان يخفي العلامة / حيث لا أمل / يضيف علامة ثانية اقوى يؤكد بها انها ليست بعيدة عن ذهن المتلقي لكن دلالتها الصوتية وضعت لها علامة التعرش ( الاقامة ) فاحدثت العلاقة بين الصرير والتعرش بين الصوت الموحش وقوة الاقامة علامة تزاور وهموم مشتركة ومدخل واحد / ثمة صرير لباب / يتعرش حدقات الشوارع / بعد هذا التثبيت عليه ان يرسم صورة خيالية في ذهن المتلقي / لعربة متصدعة / تلهو بها الريح / يستأنف الشاعر لغته القوية وبذات العلامات الدلالية والتي اعتقد انه قد اخفى الدال فيها فوضعها بين يدي المتلقي للتأويل , لكنه سرعان ما غير من نمطية النص فجاء بمغاير وكأنه يريد ان يحدث بعض التوازن , وليعيد النص الى سيطرته , لكن بفنية لم تتغير في تركيبتها البنائية /سامق هو ذاك العثار/هذا العلو في المواقف الحياتية لا يرغب المغادرة ولا يترك ذلك المكان واشار الشاعر لإسمي الفاعل ( سامق ــ مقيل ) وتأثيرهما في الجملة الشعرية من حيث دلالتهما والقوة في اللفظ / حيث لا مقيل / ثم يربط بين العلو والتحتية بلغة التشظي حيث لاشي ء مطلق وهذه علامة كونية .لم يغفل الشاعر قضية الزمن ويجدها المحرك البديهي الذي تتحرك بوجوده مطلق العلامات فاختار لفظة (( مذ ))وهي للزمن القريب ويبدو ان زمن العُري ليس ببعيد فتوقى الشاعر اختيار المفردة المناسبة / مذ أمدٍ / تقيأتُ عريه بنصف سروالٍ / ثم يؤكد نفيه بلا النافية للجنس ليربط الشاعر بين زمنين بلغة المقارنة وتكثيف الدلالة / لا مفر / اذ هم يتجولون ليلا / يعلو ضجيجهم / لن يقف الشاعر بدلالة اللغة عند حدٍ فهو مستمر ان يعلو على ذلك الواقع ويرفض تلك الفوضى وهذا الضجيج ( الصوت )/ كطنين ذباب / يتلوى على وسادة خالية / لاحظ استعمال الفاظ الصوت (ضجيج ــ طنين ) وتفحص خطاب الشاعر لهما تجد دلالة لفعل غير مرغوب فيه / آهٍ أيها الرأس الذكوري / الشكوى انشغال كوني متلازم مع الانفعال الداخلي , وخطاب الشاعر المتوجِع والمتتابع قد اكد حقيقة الشعور بالانتماء لتلك الشكوى وهذه الانثيالات تحتاج الى لغة واضحة تبين ذلك الاشكال وتخصص مأساة الموقف وحالة الالم فارتأ الشاعر ان يضع التوجع الى جنب النداء ليخلق علامة سيمائية كونية ويستثمر الصورة بتلك الفاعلية اللفظية التي اشار اليها / حتى التخمة / لم ينته بعد من وصفه حينما وجد من البقاء لاشي غير اللهاث / ما زلت تركض لاهثا / مخلفا ورائك / ان الشاعر بتلك اللغة المسترسلة , يسأل ويجيب , ويعطيك اجابة مقنعة بدلالةٍ قد هيمنت على مجريات النص فيحملك الى اوليات النص وقارعة الطريق الاولى والشكوى…. / سرب من تاء التأنيث / تتعالى اللغة بقوة اللفظ / ينشج بالنحيب / ثم تهبط مستسلمة بيد الشاعر / حيث لا رجل سواك /هاني عقيل ناقد وشاعر عراقي من محافظة واسط له مقالات نقدية كثيرة ونصوص شعرية متألقة ورؤيته الشعرية فيها من المستحدث ما يشدك الى ان تتابع نتاجاته وتتأمل ثرى لغته وبعده المعرفي في استجلاء اللفظ وتوظيفه وفلسفته في الكيفية الوجودية

