Pdf copy 1

د.سعد العبيدي
لقد أخطأ بعض العرب والمسلمين خطأ ستراتيجياً كبيرا عندما تركوا العراق في وضع أمني واقتصادي صعب بعد العام 2003 لحسابات طائفية قصيرة النظر، وهو وضع ساعدت تناقضاته على ولادة “داعش”، حتى يمكن القول بأن بعضهم كان له السبق في ولادتها وتنشئتها الى الحد الذي وصلت اليه الآن، كآفة تنتقل أفعالها السيئة عن طريق العدوى. لكن العرب في تاريخهم الطويل لم يكن هذا هو خطأهم الأول، فقد أخطأوا في الماضي البعيد نسبياً في الاندلس، وفقدوا دولة كانت في ذلك الزمان متحضرة بشكل يفوق أوروبا آنذاك، كما أخطأوا في العصر الحديث في مواقفهم من القضية الفلسطينية وتعاملهم معها فذهبت فلسطين سدى، وتأسست على أرضها ووسطهم الدولة العبرية، وأخذت موقعاً حاكماً شطر جغرافيتهم نصفين لا يلتقيان، واستمرت هذه الدولة المدعومة غربيا في تقسيمهم سياسيا واجتماعيا وفي كل شيء، ومع هذا لم يستفيقوا من غفوتهم واستمروا يمعنون في خطأهم حتى يومنا هذا، اذ يتعامل بعضهم معها سراً، يلبي لها الطلبات في الخفاء ويلعنها في العلن. 
هكذا هو حال بعض العرب، وهكذا تعامل بعضهم مع العراق كرهاً وعداءً ولا يزال البعض يتعامل بوجهين كما هو الحال في تعامله مع اسرائيل وغيرها، وهذا الامر هو قصور في التفكير يتصورون نتائجه نجاة لهم وحدهم ووسيلة لغرق الآخرين. لكن النتائج في حال ادارة الصراع هكذا وفي أية منطقة من العالم ستكون لها آثار كارثية، آثار لا تتوقف عند هذا البلد أو ذاك وسوف لن تتوقف على العراق الذي دفع ويدفع ثمناً باهظاً بسبب هذه الأخطاء المتعمدة، وانما ستنتقل عن طريق العدوى الى الغير، وستسحب الآخرين بسهولة الى ساحتها الملتهبة، وسيدخلونها حتى وان لم يكونوا راغبين في الدخول، وسيجدون أنفسهم وسطها كما هو حال العراق، ولنا في منطقتنا العربية أمثلة بدايتها من سوريا، وسوف لن تكون نهايتها عند ليبيا واليمن، بل ستستمر رقعتها بالاتساع تدريجيا، والمؤشرات واضحة حيث الضغط اصبح كبيرا لسحب مصر ودول أخرى الى هذه الساحة، حتى ينتهي المطاف في الصفحة الأخيرة بسحب الدول التي أسهمت في ولادة هذا الغول الارهابي وتنشئته، وسوف يجدون أنفسهم وسط تلك الساحة الملتهبة. هكذا هو السيناريو الذي بدأت صفحاته تتضح بالتدريج.
 مع هذا فان أمام العرب والمسلمين فرصة أخيرة في أن يسارعوا لاعادة حساباتهم، وان يتركوا أحقادهم الطائفية، ليعودوا الى دعم العراق في حربه ضد “داعش”، وليقفوا معه مثلما وقفوا ضده، لأن على أرض العراق ولد هذا المسخ، وعليها فقط يمكن أن يموت. هكذا هي الحسبة، فهل يا ترى يمكن أن يدركوا هذه الحقيقة قبل أن يجدوا أنفسهم حطباً لحرائق تأخذهم وتلتهمهم في وقت هو ليس بعيدا عن الآن.

التعليقات معطلة