محمد محبوب
بالرغم من مرور حوالي (12) عاماً على سقوط نظام البعث الصدامي، الا انه لا يزال ملف حزب البعث الصدامي المحظور دستورياً يمثل أرقاً دائماً للعملية السياسية ومحل شد وجذب بين الكتل السياسية، وقد تمت كتابة النسخة الجديدة المعدلة من قانون المساءلة والعدالة والتي وافق عليها مجلس الوزراء وأحالها الى مجلس النواب، وكانت في هذه النسخة تعديلات كثيرة مثلت تنازلات خطيرة بنظر بعض الكتل السياسية لأنها تُتيح لمستويات عليا من منتسبي حزب البعث المحظور بالعودة الى الوظيفة او الإحالة على التقاعد فضلاً عن تعديلات غير مسبوقة تختص بمنتسبي الأجهزة القمعية للنظام الدكتاتوري السابق وفدائيي صدام وأملاك المشمولين المحجوزة وغيرها، وبالرغم من ارتفاع سقف هذه التعديلات التي قد تبلغ حد “الالغاء الجزئي” للقانون، الا ان هنالك كتلاً سياسية أخرى تهدد بعدم تمرير القانون وتطالب بسقف أعلى وهو إلغاء القانون برمته وتحويل الملف الى القضاء.
عودة الجدل حول ملف (البعث) يعود الى الواجهة مع كل موجة من موجات الخلافات بين الكتل السياسية، فقد برز بقوة عند مناقشة الدستور العراقي الذي تم اقراره سنة 2005 ثم مع تشكيل كل حكومة جديدة وآخرها حكومة العبادي، ووضعه بعض السياسيين كشرط لا مساومة فيه من أجل الاشتراك في تشكيل اية حكومة عراقية مقبلة ملمحين الى ضغوط أميركية محتملة لصالح الجهات الرامية الى إلغاء قانون المساءلة العدالة الذي كان على قائمة مطالب المتظاهرين في مناطق غرب وشمال العراق فقد دعا سياسيون الى جعل إلغاء قانون المساءلة والعدالة مفتاحاً يقود الى المصالحة الوطنية، والواقع ان الدعوة الى إلغاء القانون غير ممكنة من الناحية المنطقية والقانونية والدستورية حيث يمكّن هذا الإلغاء قيادات بعثية صدامية من التسلل الى العملية السياسية وتخريبها من الداخل، وللأمانة نقول بأن قانون (اجتثاث البعث) ثم قانون (المساءلة والعدالة) نجحا في حماية النظام السياسي الجديد في العراق من التخريب خلال السنوات الماضية.
وتنص المادة السابعة من الدستور العراقي على ما يلي: (يحظر كل كيان أو نهج يتبنى العنصرية أو الارهاب أو التكفير أو التطهير الطائفي أو يحرض أو يمهد أو يمجد أو يروج أو يبرر له، وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه وتحت اي مسمى كان، ولايجوز ان يكون ذلك ضمن التعددية السياسية في العراق، وينظم ذلك بقانون).
ومن الملفت للنظر أن العزل السياسي للبعثيين قد تحقق من خلال قانوني (اجتثاث البعث) ثم (المساءلة والعدالة)، لكن قانون حظر حزب البعث نفسه قد تأخر طيلة السنوات الماضية بسبب الخلافات السياسية حتى أصبح بالامكان العودة اليوم الى تفعيل تشريعه حيث أحاله مجلس الوزراء الى مجلس النواب مع قانوني المساءلة والعدالة والحرس الوطني.صحيح ان قانون المساءلة والعدالة يُعد من القوانين الانتقالية لكن من المبكر جداً العمل على إلغائه لاسيما في ظل التحديات الإرهابية التي يمثلها تنظيم “داعش” الذي اعتمد بشكل كبير على أتباع النظام الدكتاتوري السابق وفي مقدمتهم زعيم هذا التنظيم “ابراهيم عواد السامرائي” الملقب بأبي بكر البغدادي والذي كان يعمل في الأجهزة القمعية للنظام السابق وإن تلبسوا لحى الدينيين المتشددين، وبالتالي فإن تنظيم “داعش” والتنظيمات المسلحة الارهابية الأخرى هي امتداد لنظام البعث الصدامي، وخير دليل على ذلك قيادة نائب رأس ذلك النظام المباد “عزت الدوري” لجيش الطريقة النقشبندية وهي جماعة متشددة تتلبس بالدين وتعمل على إسقاط العملية السياسية وإعادة عقارب الساعة الى الوراء. وقد ذكرت صحيفة “الإندبندنت” البريطانية أنّ سجن “بوكا” في محافظة البصرة، الذي كان خاضعة لسيطرة الجيش البريطاني، بعد احتلال العراق في سنة 2003، شكّل “بنية فريدة” جمعت قادة البعث مع الإسلاميين المتطرفين، بشكلٍ مهّد الطريق لتحالف المجموعتين المختلفتين، لافتةً إلى أنّ تنظيم “داعش” انبثق من رماد تنظيم “القاعدة”، حيث تدرّبت عناصره على المهارات التنظيمية والإعداد العسكري، في حين تبنى البعثيون أفكار العنف المتطرف، لكننا نتفق مع الدعوة الى ضبط الإجراءات التنفيذية لقانون المساءلة والعدالة وتبسيطها وتسهيلها ومراعاة الشفافية والمساواة في تطبيق القانون حتى لايتحول الملف الى ورقة ضغط للابتزاز السياسي بيد هذا الطرف أو ذاك.
قانون المساءلة والعدالة بنسخته الجديدة المعدلة التي وافق عليها مجلس الوزراء يواجه معارضة شديدة في مجلس النواب من كل الكتل السياسية، فـ”التحالف الوطني” ينظر الى التعديلات بصفتها “إلغاءً جزئياً” للقانون وتمكين لكبار البعثيين من العودة الى الوظيفة العامة، لكن كتلتي “اتحاد القوى الوطنية” و”ائتلاف الوطنية” لا تعدان هذه التعديلات كافية وتطالبان بإلغاء القانون كلياً وتحويل الملف الى القضاء، ويظل موقف كتلة “التحالف الكردستاني” في مجلس النواب متذبذباً إزاء هذا الملف ويخضع لحسابات سياسية في النهاية.
من الممكن وضع سقف زمني لإلغاء قانون المساءلة والعدالة يمتد الى بضعة سنوات أخرى بشرط تشريع قانون “حظر حزب البعث” الذي ينبغي ان يحمل صفة الديمومة وليس المؤقتة كما هو حال قانون المساءلة والعدالة.

