المستقبل العراقي/متابعة
– وقفت والدة الطفلة (هديل) ذات الثلاثة عشر عاما حائرة أمام سلوكيات ابنتها الغريبة في الآونة الأخيرة، فقد أصبحت انطوائية، لا تحب الحديث أو اللعب مع أشقائها الصغار كما كانت في السابق، إلى جانب قلقها في الليل وعدم تمكنها من النوم.تقول الأم، “بدأت أراقب تصرفاتها وحديثها عبر الهاتف مع صديقاتها، وتتبع فترات جلوسها أمام جهاز الحاسوب، إلى أن علمت بحقيقة الأمر عندما أغلقت صفحة الدردشة الإلكترونية عقب وقوفي خلفها، وعلمت حينها أن هناك العديد من المضايقات من قبل مجموعة (جروب) عبر الفيسبوك، استطاعوا تخويفها والاعتداء على خصوصيتها”.
تضيف، “عرفت التفاصيل من ابنتي، وكيف بدأت هذه المجموعة بأخذ صورها ونشرها والاستهزاء بها أمام الآخرين، والتمادي في ذلك بإجبارها على التواصل معهم وتهديدات متعددة تسيء بأخلاقها وعائلتها”.وقفت الوالدة بجانب ابنتها وأدخلت الطمأنينة لقلبها، ومن ثم لجأت للمشرفة التربوية في المدرسة لتساعدها في حل هذه المشكلة، ولم تمض أيام قليلة حتى عرف أصحاب هذه المجموعة وكانوا من داخل المدرسة، مما دفع الإدارة لتوجيه انذارات حازمة بعد استدعاء وإبلاغ أولياء أمورهم. هناك العديد من الأساليب والوسائل التي يتعرض فيها الطفل أو المراهق للتهديد والتهكم اللفظي والاعتداء المعنوي والإحراج، من طفل آخر أو مراهق آخر عبر الإنترنت ومواقع التفاعل الرقمي والهاتف الجوال.ولا بد أن يكون هناك العديد من الأسباب “للتنمر” التي تدفع المتنمر لذلك، والضحية الذي يتعرض للتنمر، ويوضح الاختصاصيين أسباب وأنواع “التنمر” ووسائله، وتسليط الضوء على أهمية ودور الرقابة الأسرية والمدرسية في حماية الطالب الطفل والمراهق. يبين الاختصاصي النفسي د. سعد محمود هادي :” ان التنمر موجود أساسا في المجتمع، وبالتالي فإن القضية أسهل أمام “المتنمر” عبر التكنولوجيا والتشريعات المحدودة، فهو مغطى الهوية بحاجز إلكتروني يعبث به كما أراد في ظل قانون قليل، وينتج “التنمر” عادة من الشخص الذي لديه شعور بالدونية ويعبر عن نقصه ضمن التكنولوجيا، وأيضا عن الإحباط، الغيرة والحقد.
ويبين هادي :” أن الطفل أو المراهق الذي يتعرض للتنمر الإلكتروني تبدو عليه علامات الخوف والقلق، الهروب من الآخرين أو الإبتعاد عن وسائل التواصل الإجتماعي، اضطرابات في المدرسة، في النوم وغيرها العديد من العوارض”.
ويؤكد على ضرورة :”دور الأهل ومتابعتهم لأبنائهم بأن يكونوا على اطلاع ومعرفة بوسائل الإتصال الإلكتروني، كي يعرفوا ماذا يجري في هذا العالم الرقمي، كما عليهم أن يكونوا على حوار دائم مع أبنائهم، ويتحققوا من سلوكه، فإذا لاحظ أحد منهما تغيرا في سلوك ابنه، كأن يصبح انطوائيا أو يجلس طويلا وحده، لا يحب أن يلتقي أحدا، وكيف تكون ردة فعله بعدما تأتيه رسالة نصية على الهاتف النقال، هنا على الأهل أن يتحقّقوا من الأمر بألا يسألوا ابنهم بشكل مباشر وإنما بفتح حوار حول شبكة التواصل الاجتماعي لحل المشكلة والوقوف بجانبه، كما تأتي أهمية ودور المدرسة في تعزيز جلسات المنهاج التكنولوجي، والأهم التشريع الإلكتروني بحيث يجرم “المتنمر” بشكل صريح وواضح”.ويلفت إلى :”أن الطفل أو المراهق الذي لديه رهاب اجتماعي، ولا يلقى دعما اسريا أو إرشاديا وتوعويا قد يخضع لأساليب التنمر، أما الطفل الذي يمتلك تثقيفا نفسيا سلوكيا اجتماعيا سواء في المدرسة أو داخل الأسرة يستطيع المواجهة والتصدي لهذه المضايقات”.
ويرى الاختصاصي الاجتماعي د.حسين الخزاعي أن التنمر الإلكتروني يلحق الأذى والضرر، إذ إنه سلوك مرفوض كونه يغاير القيم الأخلاقية والدينية والإنسانية التي يجب أن تسود بين أفراد المجتمع.
ويقول الخزاعي، “ان خداع الآخرين ونشر الأكاذيب والإشاعات ونشر الصور والمعلومات والافتراء والتضليل واستخدام اسماء مستعارة للتواصل مع الاخرين يسبب القلق والتوتر والخوف، وتعطيل العمل والإنجاز والإنشغال في قضايا هامشية، وخاصة عندما يقوم المتنمرون بإحراج أصدقائهم ومضايقتهم وتهديدهم، خصوصا أن الأصدقاء على اطلاع كامل بحياة أصدقائهم ومشاغلهم، فنجدهم يمارسون التنمر الإلكتروني من خلال انشغالهم في حاجاتهم”.
ويضيف، إن الحسد والغيرة والتنشئة الاجتماعية الخاطئة وعدم توجيه الأهل للابناء للإستخدام الإيجابي للتكنولوجيا هي السبب وخاصة للأبناء في عمر المراهقة فهم الأكثر اندفاعا للتجربة والمغامرة ومحاولات إثبات الرجولة حتى لو كانت بشكل خاطئ.المتنمرون إلكترونيا هم مشاريع مجرمين في المستقبل إن لم يتم توجيههم وتقديم إرشادات لهم تتعلق بالإحترام المتبادل بين الأصدقاء والتعاون والتكاتف والتنافس الشريف بينهم وفق الخزاعي.
تعرف التربوية ومديرة إحدى المدارس هدى الشمري :” التنمر الإلكتروني بأفعال تستخدم تقنيات المعلومات والاتصالات لدعم سلوك متعمد ومتكرر وعدائي من قبل فرد أو مجموعة والتي تهدف الى إيذاء شخص آخر أو أشخاص آخرين، أو استخدام تقنيات الاتصالات بقصد إيذاء شخص آخر. أو استخدام خدمة الإنترنت وتقنيات الجوال مثل صفحات الويب ومجموعات النقاش وكذلك التراسل الفوري أو الرسائل النصية القصيرة بنية إيذاء شخص آخر”.وتذكر أنواع التنمر الإلكتروني فمنها المباشر: ويتوجه فيها المعتدي بعمله مباشرة للضحية بعد أن يكون امتلك معلومات عنها مثل، ارسال رسائل عبر الجوال أو الإيميل فيها تهديد بالقتل أو التشهير أو تهديد بنشر الإشاعات، أو سرقة أرقام الحسابات السرية للضحية والاستيلاء على البريد الإلكتروني الخاص به أو أحد حساباته في المواقع الإجتماعية، وهناك غير المباشر والتي تحصل بالإستعانة بوسيط بين المعتدي والضحية مثل الاستعانة باحد المختصين بالكمبيوتر والبرامج واختراق اجهزة الضحايا بهدف الحصول على معلومات عنهم لتهديدهم بها، وغالبا ما يتم ذلك حين تقوم الضحية بارسال اجهزتها للصيانة عند اشخاص غير موثوق بهم.تنصح الشمري الأهل بقولها “جميعنا نخطئ ولسنا معصومين عن الخطأ ولكن الشباب هم اكثر عرضة منا للوقوع به، كونهم في مرحلة نمو واكتشاف للعالم، احتووهم ولا تهاجموهم خوفا من كلام الناس عنكم أو عن ابنائكم، أو خوفا من الفضيحة”. وتقول “لن يفيدكم كلام الناس حين تخسرون ابنكم أو ابنتكم في حال حاول أحدهم الانتحار أو وقع في المحظور بسبب خوفهم منكم ومن ردة فعلكم، ولتكن الرحمة أساس التربية”. وتضيف “من غير المنطقي أن تمنعوهم من مواكبة العصر في استخدام شبكات التواصل الاجتماعي أو تحرموهم من متعة استخدام أجهزتهم في التصوير والتواصل، هذه لغة عصرهم هم، لكن احرصوا على تثقيفهم وتعليمهم بكيفية الاستخدام الصحيح لهذه التقنية، وكيف تزرعون بهم رقابة ذاتية تمنعهم من إيذاء الآخرين أو تشجيع غيرهم على القيام بهذا السلوك”.

