باتريك سان بول
تستعد إمبراطورية جديدة لقياس قوتها في أفغانستان. دَفَنَ هذا البلد صعب المراس والمعتز بذاته، طموحات البريطانيين في القرن التاسع عشر، والسوفيات في ثمانينات القرن العشرين، قبل أن يجرّع الأميركيين الخيبة طوال ثلاث عشرة سنة. والآن في الوقت الذي تنسحب فيه قوات الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي («الناتو») من أفغانستان، تعتقد الصين بأنها تحوز الأصول اللازمة لتقوم بعمل أفضل ولتنجح في جلب الاستقرار الى البلاد ولتخدم في الوقت ذاته مصالحها الجيو- استراتيجية.
إنها المرة الأولى التي تجازف فيها ديبلوماسية جمهورية الصين الشعبية خارج حدودها إلى هذا المدى، فهي مضطرة لأن تثبت وجودها دائماً على جناحها الشرقي إثباتاً يزداد عدائية، مستدعية قلق جيرانها في بحر الصين ومنافَسةَ الولايات المتحدة. في غضون ذلك، تنظر القوى الكبرى، خصوصاً واشنطن، إلى نشاط الصين في الغرب بقدر من الارتياح.
ويرى الكاتب أحمد رشيد، وهو العارف الكبير بباكستان وأفغانستان، أن «الأمل يتركز على نجاح الصــين حيث أخفقت الولايات المتحدة في إقناع باكستان بإرغام قادة «طالبان» المقيمين على أراضيها ببدء محادثات مع كابول».
وكان الرئيس الصيني شي جينبينغ تنكب مهمة «المساعي الحميدة». وبعد أن استقبلت في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي الرئيس الأفغاني الجديد، أشرف غني، الذي خص الصين بزيارته الأولى إلى الخارج، زار بكين سراً وفد من «طالبان». ويوضح الخبير في «معهد العلاقات الدولية المعاصرة»، وهو معهد أبحاث قريب من الحكومة الصينية التي شاركت في الاجتماعات الأخيرة، هو شنشنغ، أن «الصين محايدة في المفاوضات هذه، ولا توفر غير أرضية للأطراف المعنية».
ويشدد على نقطة مهمة «على عكس المبادرات السابقة» التي أطلقتها دول بينها الولايات المتحدة وقطر، فحواها أن «طالبان» لا تعارض الوساطة الصينية. وعرفت الصين، عندما استولت «طالبان» على السلطة كما بعد سقوطها، أن تنسج علاقات مع مسؤولي الحركة الذين قدّروا «حيادها» وسياستها بعدم التدخل. وتحيّي حكومة كابول أيضاً المشاركة الصينية، وقال الرئيس الأفغاني في خطاب ألقاه أخيراً: «نقدّر أداء الصين دوراً نشطاً في إحلال السلام في أفغانستان، لأن ما تفعله يجري وفق خطة وتقدم الوسائل الكافية لتطبيقه».
يبقى المجهول الباكستاني ولعبته المزدوجة مع «طالبان». وتملك بكين هنا أيضاً ورقة قوية: ترغب إسلام آباد في مشاركة حليفها الصيني القوي والأكثر اهتماماً بالحفاظ على مصالحها والأقل تدخلاً من الولايات المتحدة. ويشير هو شنشنغ إلى أن الصين «تعتقد بقدرة باكستان على السيطرة على الإسلاميين المتطرفين. وكان ينقصها الإرادة ولم تؤد مهمتها. بيد أن ذلك آخذ في التغير».
وتملك بكين سلاحاً من ذهب خالص: «مساعداتها الاقتصادية وأموالها هي الحوافز الأهم لأفغانستان وباكستان»، وفق تعبير رشيد. وبرفض القيام «ببناء الدولة» في سياق يتسم بهذا القدر من الاضطراب، لم تطور الولايات المتحدة الاقتصاد الأفغاني. وتحمل الصين عبر مشاريعها الاقتصادية للمنطقة غذاء مالياً وحجة قوية لإقناع الحكومتين الأفغانية والباكستانية باحتواء العنف.
وحدها الصين تجرأت على مضاعفة استثماراتها في ظل خطر فقدانها كلها بين ليلة وضحاها. استثمرت 3.5 بليون دولار للحصول على تنازل عن مناجم النحاس في إيناك في مقاطعة لوغار. وتختبئ في باطن الأرض مكامن معدنية تزيد قيمتها على ألف بليون دولار… ما يسيل لعاب الصين، الغول الحقيقي، في شهيتها إلى المواد الأولية. كما استثمرت بكين بضعة بلايين في النفط.
وساهمت في تمويل سد لتوليد الطاقة الكهربائية في كونار حيث ما زالت المعارك تدور. وقد تشترك في تمويل طريق يربط بيشاور بكابول. يضاف ذلك إلى تمويل سكة حديد تصل شامان الواقعة في جنوب شرقي أفغانستان بقندهار. في الوقت ذاته، لدى الصين، التي تتشارك بحدود قصيرة مع أفغانستان (طولها 76 كيلومتراً)، ما يدعوها إلى القلق في إقليم شينغيانغ من الفراغ الأمني الذي يخلفه رحيل قوات حلف «الناتو». ولا تستبعد إرسال قوات لها في إطار تفويض من الأمم المتحدة أو منظمات إقليمية.
ويشكل شينغيانغ منذ عام مسرحاً لأعمال عنف مستأنفة ضد الوجود الصيني من مجموعة متشددة من الأويغور المسلمين الناطقين بالتركية الذين يشكلون الإتنية الرئيسة في المنطقة. وتتمنى الصين التي أطلقت ضدهم حملة قاسية «مناهضة للإرهاب»، وقف خطوط إمدادهم من أفغانستان وباكستان.
بعد تسوية خلافاتها الحدودية مع دول آسيا الوسطى منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، ضمت الصين هذه البلدان إلى مشروعها الاقتصادي الكبير: طريق الحرير للقرن الحادي والعشرين. وفي ما يتجاوز المشكلات في شينغيانغ، تريد الصين بأي ثمن منع المتطرفين الآتين من أفغانستان من دفع المنطقة الى الفوضى. ولكن ينظر إلى بكين أيضاً كمفترسة للمواد الطبيعية لا تترك شيئاً يذكر وراءها.
وينفذ شي جينبينغ ديبلوماسية إرادوية أكثر من أسلافه، ولكن على الصين السير خطوة خطوة.

