Feature

يونس السيد
لم نسمع أو نقرأ في كتب التاريخ عن وحشية أو فظاعات فاقت ما يرتكبه “داعش” بعدما تحولت الحضارة البشرية والإنسانية كلها إلى قرابين على مذبح هذا التنظيم الإرهابي، فحتى الأوبئة والمجاعات ربما تجد لها ما يبررها، فيما يقوم “داعش” بذبح البشر والشجر والحجر من دون أن يرف له جفن .
ولم نسمع أو نقرأ عما هو أكثر عداء وتشويهاً لصورة الدين مثلما يفعل “داعش” باسم الدين، منذ ظهور الإسلام حتى يومنا هذا، معتبراً إنه يملك الحقيقة المطلقة ويمتلك معها أدوات التنفيذ، ليؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن لا نقاش مع هذا التنظيم إلا باللغة الوحيدة التي يفهمها، وهي لغة القوة، ولا مجال لأن نصبح فريسة الانتظار أو السماح له بأن يفرض همجيته على المنطقة والعالم .سمعنا وقرأنا عن الكثير من الأمم المتوحشة عير التاريخ، بدءاً من نيرون الذي أحرق روما، مروراً بغزوات التتار والمغول في القرنين الثاني عشر والثالث عشر للميلاد، الذين اجتاحوا المنطقة واستباحوا كل شيء في طريقهم، وأحرقوا مكتبة بغداد الشهيرة آنذاك، وكذلك فعل تيمورلنك عندما اجتاح دمشق وبلاد الشام، حيث جرى اغتصاب النساء وارتكاب الكثير من الفظاعات، لكنها لم ترتق أبداً إلى إبداعات “داعش” في هذه الهمجية المطلقة . فقد ظل الإيزيديون في العراق والآشوريون على ضفاف نهر الخابور في شمال شرق سوريا، وغيرهم من الأقليات، صامدين في وجه كل الهجمات البربرية التي اجتاحت المنطقة، حتى إن رموز الحضارة الآشورية ظلت شاهداً حيا عليها منذ آلاف السنين، وها هي اليوم تواجه الاقتلاع والإبادة، وها هن النساء الإيزيديات يتحولن إلى سبايا ويغتصبن ويبعن في سوق العبيد، بينما تجرى محاولة اقتلاع الطائفة برمتها، في حفلة إعدام “داعشية” للحضارة والتاريخ .مجزرة الحضارة البشرية والإنسانية التي يرتكبها “داعش” لم تبدأ بإحراق مكتبة الموصل أو تدمير آثار وكنوز متحفها، بكل ما يحمله ذلك من رموز ودلالات، فقد سبق أن قام بتدمير عشرات الأماكن التاريخية والرموز الدينية من مساجد وكنائس وأضرحة ومقامات وتماثيل في كل الأماكن التي اجتاحها في سوريا والعراق، بدءاً من تمثال أبو العلاء المعري في معرة النعمان، مروراً بمقام النبي يونس في الموصل، وحتى ذبح وإحراق البشر وإعدام الأطفال والمجازر الجماعية وسبي النساء وبيعهن في سوق النخاسة، وهي لن تنتهي، على ما يبدو، ما لم يقف العالم متحداً للقضاء على هذا الوباء الذي يتهدد البشرية حفاظاً على الإنسانية وحضارتها . 
وحده الكيان الصهيوني، القادم بدوره من رحم الأمم المتوحشة، يشارك “داعش” هذه المذبحة الحضارة والإنسانية، بل ربما كان يتفوق في هذا المجال، عندما قام باغتصاب فلسطين، واقتلع شعبها من أرضه بالقتل والتشريد والتهجير، ودمر قراه وحواضره وبواديه، ونصب له المجازر الجماعية والإعدامات، وسعى ويسعى إلى طمس ما تبقى من هويته وحضارته العربية والإنسانية بالتهويد والتشويه وتزوير التاريخ، لا بل تشارك مع “داعش” في عمليات الذبح والحرق، إذ لا تزال عملية إحراق محمد أبو خضير حية في الذاكرة الجمعية الفلسطينية، ليؤكد أنهما وجهان لعملة واحدة، وسيظلان كذلك بانتظار تصحيح مسار التاريخ.  

التعليقات معطلة