Feature

محمد محبوب
قد تواجه الدبلوماسية التقليدية الرسمية إخفاقات كثيرة في العديد من دول العالم ومنها الولايات المتحدة التي تعاني من الفشل على مدى عقود طويلة وباعتراف المسؤولين الأميركان، ولم تنجح كل الجهود الحكومية في تصحيح (صورة أميركا) بنظر معظم شعوب وحكومات العالم، لذلك تنبهت الإدارات الأميركية الى أهمية الاستعانة بالدبلوماسية الشعبية بدءاً من إدارة الرئيس فرانكلين روزفلت (1882ـ 1945) الذي أُعيد إنتخابه أربع مرات متتالية، لكن هذه الاستعانة كانت تتأرجح صعوداً وهبوطاً بسبب تذبذب جدية الإدارات الأميركية المتعاقبة، ويعتقد العديد من الباحثين في حقل الدبلوماسية الشعبية، ان هذا المصطلح أميركي بامتياز، ويعود ذلك الى قيام الولايات المتحدة بتأسيس (مركز الدبلوماسية الشعبية) سنة 1965 لكن “نيكولاس كول” أظهر في دراسته التي تناولت مصطلح الدبلوماسية الشعبية أكد ان اول أستخدام لهذا المصطلح لم يكن أميركياً بل كان بريطانياً حيث ورد ذكر الدبلوماسية الشعبية في 15 كانون الثاني 1856 بالمقال الإفتتاحي لصحيفة التايمز اللندنية، اما أول استخدام أميركي لهذا المصطلح فقد جاء في صحيفة “نيويورك تايمز” في كانون الثاني 1871 عبر تقرير للكونغرس الأميركي عرضه العضو “صمويل كوكس” من الحزب الديمقراطي.
إن الدبلوماسية الشعبية هي مزيج من الاتصالات والتفاعلات بين الكيانات السياسية المعاصرة أي الدول وغيرها من الفاعلين الدوليين على المسرح الدولي، وذلك من خلال المنظمات الشعبية والجماعات الأهلية والهيئات غير الحكومية، ويرتكز الإطار الفكري للدبلوماسية الشعبية على مجموعة من المبادئ والقيم الإنسانية وهو المنهج الأساس في تقديم الحلول الناجعة للقضايا التي يواجهها الإنسان في حياته من خلال إثراء الفكر المشترك لشعوب العالم وتقريب وجهات النظر فيما بينها، ويشمل مفهوم الدبلوماسية الشعبية أبعاداً من العلاقات الدولية تتخطى الدبلوماسية التقليدية من أجل خلق رأي عام في البلدان الأخرى عبر التفاعلات الشعبية في بلد مع بلد آخر، وكتابة التقارير والإبلاغ عن الشؤون الخارجية وتأثيراتها في السياسة العامة، وكذلك عمليات التواصل مع هؤلاء الذين يشكل الاتصال وظيفتهم الأساسية مثل المراسلين الصحفيين الأجانب والعاملين في مجال التواصل والتبادل الثقافي.
وقد تراجع استخدام الدبلوماسية الشعبية خلال فترة الحرب العالمية الثانية إلى أن أُعيد تداوله بقوة من جديد، ففي سنة 1946 تحدث وزير خارجية بلجيكا بحماس عن “زمن الدبلوماسية الشعبية”، وذلك في الجلسة الافتتاحية للجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي الخمسينيات من القرن الماضي، جرى تناول هذا المصطلح بشكل متزايد ومتنوع المعاني.وخلال التسعينيات أصبح استعمال الدبلوماسية الشعبية شائعاً في دوائر السياسة الخارجية على المستوى الدولي، ففي بريطانيا، على سبيل المثال، أنشأت حكومة بلير “مجلس ستراتيجيات الدبلوماسية الشعبية”، وفي السنوات التي أعقبت هجمات 11 أيلول 2001، شهدت الدبلوماسية الشعبية اهتماماً متزايداً في الولايات المتحدة الأميركية، ما دفع بالباحثين الى القول بأنها دخلت “أخيراً” الوعي العام الأميركي، ففي أعقاب كارثة تسونامي الآسيوية، تحدث الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في مؤتمر صحفي بشكل ملفت للنظر عن الدبلوماسية الشعبية قائلاً (جهودنا الدبلوماسية الشعبية ليست قوية جداً وليست جيدة جداً مقارنة بالجهود الدبلوماسية الشعبية لأولئك الذين يرغبون في نشر الكراهية والحط من قدر الولايات المتحدة) مشيراً إلى أن المساعدات الأميركية للمتضررين من كارثة تسونامي قد تحدث تقدماً في هذا المجال، وحرصت الولايات المتحدة على تغطية إعلامية مكثفة لجهودها ومساعداتها الإنسانية لمتضرري كارثة تسونامي خصوصا في إندونيسيا، ولابد من الإشارة الى تعيين وكيل لوزارة الخارجية للدبلوماسية الشعبية والشؤون العامة، الأمر الذي يعكس مدى إهتمام الإدارة الأميركية باستثمار الدبلوماسية الشعبية لقدرتها على تخطي العوائق البيروقراطية والإرتقاء فوق الخلافات الحزبية السياسية.
وفي خضم الحراك الشعبي الذي شهده العالم العربي تأسست (المنظمة العربية للعلاقات الدولية والدبلوماسية الشعبية) ومقرها القاهرة في سنة 2011 وتقوم رسالتها على تصحيح الصورة الذهنية للعرب عبر التواصل العربي الشعبي مع الآخر وتقديم صورة طيبة عن الإنسان العربي الى العالم الخارجي، وهو مجال جديد على الساحة العربية، حيث لم تهتم الحكومات العربية بدور الدبلوماسية الشعبية بسبب تكلس العقل الحكومي العربي وعدم انفتاح الدبلوماسية الحكومية التقليدية على استيعاب أهمية ومعطيات الدبلوماسية الشعبية، ربما باستثناء بعض الجهود الفردية في مصر.
أما في العراق، فنلاحظ غيابا تاما لدور الدبلوماسية الشعبية منذ تأسيس الدولة العراقية حتى اليوم، ولا ننفي وجود بعض المبادرات في فترات متباينة من تاريخ العراق والتي لم تأت في إطار مدروس ومنظم ولم تتخذ من (الدبلوماسية الشعبية) عنواناً ومضموناً لها، وقد عانى العمل الدبلوماسي الحكومي من اخفاقات عدة بعد العام 2003، ولم يكن بمستوى التحديات التي واجهت العراق والنظام السياسي الجديد فيه بالرغم من الأموال الهائلة التي جرى إنفاقها لتحسين العلاقات الدولية، بالطبع نحن نتفهم الصعوبات التي واجهتها الدبلوماسية الحكومية بعد سقوط النظام الدكتاتوري، لكن الجهات المعادية للعملية السياسية والتي مارست (الدبلوماسية الشعبية) استطاعت أن تؤثر ولو بشكل محدود في المحيط العربي والأقليمي والدولي، وأشير هنا الى قيام المدان الهارب طارق الهاشمي باستمالة أو شراء عضو البرلمان الأوروبي “ستراون ستيفنسن” وقيامه العام الماضي بتأسيس مايسمى (الجمعية الأوروبية لحرية العراق) والتي يوظفها في بث تقارير كاذبة ومزيفة عن الحكومة العراقية والعملية السياسية مستغلاً بعض المنابر الأوروبية والدولية، ولا تستطيع الدبلوماسية الحكومية من خلال وزارة الخارجية أو سفاراتها في الخارج المحكومة بأطر العمل الرسمي التقليدي من مواجهة القدرات غير التقليدية للواجهات التي تستخدم الدبلوماسية الشعبية.
من هنا تأتي الحاجة الماسة الى أهمية انتباه الحكومة العراقية ووزارة الخارجية ومجلس النواب الى ضرورة تنشيط وتفعيل دور الدبلوماسية الشعبية ولاسيما مع وجود جاليات عراقية منتشرة في أنحاء العالم وتتمتع بكفاءات هائلة وتمارس فعاليات ثقافية وسياسية، وكذلك وجود فعاليات ثقافية ورياضية مهمة ومنظمات مجتمع مدني ناشطة داخل العراق قابلة للاستثمار ضمن أطار الدبلوماسية الشعبية، لكن هذه الجهود المبعثرة تحتاج الى اطار تنظيمي تدعمه الدولة وتغذيه وتوظفه من أجل تصحيح صورة العراق الجديد وبناء علاقات دولية متينة مع شعوب ودول العالم، وحتى مع ضغط الأزمة المالية نعتقد بضرورة الغاء بعض الحلقات الأدارية الزائدة والممارسات الدبلوماسية غير المفيدة لصالح دعم نشوء حركة دبلوماسية شعبية عراقية.

التعليقات معطلة