Feature

ليونيد بيرشيدسكي
إن نتائج الانتخابات البرلمانية التي أجريت في إستونيا يوم الأحد الماضي لن تكون ذات اهتمام لأي أحد خارج هذه الدولة الصغيرة، ما لم تعتبر اختبارا للقوة الناعمة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في دول البلطيق. وتشير نتائج التصويت إلى أن النفوذ آخذ في الازدياد، وإن كان غير كافٍ ليكون سبباً خطيراً للقلق. ورغم ذلك، فإن الحكومة الإستونية يجب أن تظل يقظة في معركتها من أجل ولاء الناطقين بالروسية في البلاد. والمشارك الوحيد الذي ساهم في تحسين نتائج اقتراع الأحد مقارنة بالانتخابات السابقة كان حزب «الوسط»، الذي تدعمه أغلبية ساحقة من السكان الروس في إستونيا. فقد فاز الحزب بنسبة 24.8% من الأصوات، بزيادة طفيفة عن النسبة التي حصل عليها في 2011 وهي 23.3%. بيد أن حزب «الإصلاح» الحاكم ما زال يتفوق عليه مع حصوله على 27.7% من الأصوات (مقابل 28.6% منذ أربع سنوات)، وحيث إنه سيشكل الائتلاف الحاكم، فإن حزب «الوسط» – المنبوذ من قبل معظم القوى السياسية الإستونية الأخرى — لن يكون جزءاً منه. ويتكرر هذا الوضع في لاتفيا، حيث شكل حزب الوئام (هارموني)، وهو حزب الناطقين بالروسية، أكبر فصيل في البرلمان في أكتوبر الماضي لكنه ظل خارج الائتلاف الحاكم.
وظاهرياً، قد تبدو معاملة الأقليات الروسية الكبيرة في دول البلطيق غير منصفة. ففي استونيا، تشكل هذه الأقليات أكثر من ربع اجمالي السكان، غير أن عدداً قليلاً لا يتجاوز 12 من السياسيين الروس — معظمهم من حزب الوسط – حصلوا على مقاعد في البرلمان الذي يضم 101 عضو. بيد أن هذا يرجع في جزء منه إلى وضع الجنسية بالنسبة للعديد من الناطقين بالروسية، حيث إن نحو 90 ألف منهم يحملون «جوازات سفر رمادية»، والتي لا تمنحهم حق التصويت، إلى جانب 130 آخرين من المواطنين الروس (بعضهم يحمل الجنسية الإستونية أيضاً). وإذا أخذنا كل هذا في الاعتبار، نجد أن الروس العرقيين الذين هم مواطنون استونيون ممثلون تمثيلاً كافياً في المجلس التشريعي. وهناك أسباب وجيهة تجعل الأحزاب الروسية منبوذة في البرلمانات البلطيقية. فالأقليات الروسية في هذه الدول تمثل، لدى البعض، نوعاً من الطابور الخامس الكامن – وآلة الدعاية الروسية هي مصدر الأخبار الرئيسي بالنسبة لهم. ويهدف «حزب الوسط» نفسه إلى إرضاء مشاهدي تليفزيون موسكو. ومن بين قادته «يانا توم»، وهي عضوة بالبرلمان الأوروبي ومن أشد المعارضين للعقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا. وكذلك الحال مع «إدجار سافيسار» مؤسس حزب الوسط وعمدة العاصمة «تالين»، الذي وصف العام الماضي الاستفتاء الوهمي الذي ضم القرم لروسيا بأنه «شرعي بما يكفي لتصديقه». وباستخدام أموال من «فلاديمير ياكونين»، حليف بوتين ورئيس سكك حديد روسيا، قام «سافيسار» مؤخراً ببناء كنيسة أرثوذوكسية روسية في حي تقطنه أغلبية من الناطقين بالروسية في المدينة. كما أن حزب «الوسط» لديه اتفاقية تعاون مع حزب «روسيا الموحدة»، وهو الحزب الحاكم حالياً في روسيا. وليس من الواضح ما هو فحوى الاتفاق، بيد أن الصلة تجعل أعضاء حزب «الوسط» ملعونين بالنسبة للأحزاب القومية في استونيا، والتي تهيمن على المشهد السياسي. ويصور «سافيسار» نفسه على أنه ضحية. وعندما قُتل «بوريس نيمستوف» السياسي الروسي المناهض لبوتين «بوريس نمستوف» خارج الكرملين يوم الجمعة، استخدم «سافيسار» الخبر لتسليط الضوء على وضعه ك «نمستوف استوني». وقال في بيان «في استونيا، نفس التكنولوجيا السياسية تستخدم كما هو الحال في روسيا. وإذا وصفت السلطات الروسية معارضيها بأنهم عملاء أميركيون، فإن المعارضة توصف في إستونيا بأنها عميلة للكرملين». ومن غير الواضح ما إذا كان «سافيسار» مع أو ضد بوتين، بيد أنه في السياسة الإستونية، يتطلب الفوز بالأصوات الروسية والبقاء مع التيار السائد بعض التوازن الماهر. وفي النهاية، فإن الروس الإستونيين، أو السوفييت، هم أوروبيون. وهم يريدون السفر بحرية داخل دول الاتحاد الأوروبي، ويقدرون مستوى معيشتهم المرتفع نسبياً في إستونيا حيث يبلغ متوسط الأجور 832 يورو شهرياً، أي ضعف قيمته في روسيا. وبخلاف الوضع في القرم وشرق أوكرانيا، فإن الناطقين بالروسية المحليين لا يرون فائدة اقتصادية في العيش تحت حكم موسكو.

التعليقات معطلة