علي حسن الفواز
موضوع أسعار النفط والمناورة بها يثير الكثير من الالتباس، ليس لأن الموضوع خاضع لحسابات العرض والطلب كما تقول القاعدة الاقتصادية، أو خاضع لزيادة في حجم المخزون أو التلويح بالنفط الصخري كما تقول القاعدة الاميركية!! بقدر تعبيره عن ستراتيجيات تقوم على فكرة هيكلة المنطقة سياسيا، وإعادة توزيع الأدوار والوظائف على وفق معطيات ما يتمخض من الصراعات التي تعيشها دولها.
هذا الأمر يحمل معه الكثير من الريبة السياسية، والكثير من النوايا الخفية القائمة على تكريس نوع من المركزة الاقتصادية، تلك التي تضع خرائط طرق للشرق الأوسط الجديد، وحسب مصالح المستثمرين، وبما يضع اقتصاديات الدول ذات الريع النفطي تحت الطلب. هذا التوجّه يعني في جوهره ربط الاقتصاد النفطي بالسياسة، وتحويله الى أداة لاحتكار الشركات متعددة الجنسيات من جانب، ولغرض فرض أجندات سياسة محددة ضد هذه الدولة أو تلك، والتهديد بإيجاد محاور وخنادق للحاكميات الاقتصادية من جانب آخر.
الحرب الدافئة بين روسيا وبين أميركا والغرب هي الأجندة الاولى في لعبة أسعار النفط، من خلال فرض حصار نفطي على روسيا والتأثير على اقتصادها وعلى مواقفها من قضايا تهمّ المصالح الاميركية مثل اوكرانيا وسوريا وايران ومصر، وحتى الرغبة في تخليص اوروبا من هيمنة الغاز الروسي، كما أن الحرب تحت الطاولة مابين اميركا وإيران هي الأجندة الثانية، والتي تحولت الى صراع إرادات، والى خطوط مواجهة ساخنة وستراتيجيات مضادة، بعضها يرتبط بالملف النووي الايراني، وبعضها يرتبط بالدور الإيراني في المنطقة، وبالصراعات المفتوحة في سوريا واليمن والعراق.شركاء اميركا القدامى في الخليج العربي يهمهم جدا إبقاء منطقة التوتر مفتوحة، بحسابات نفطية أو غيرها، ورغم أنهم ضحايا لهذه الحرب غير المجدية، الاّ أن إعطاء دور لإيران في المنطقة، والتوقيع معها على اتفاق نووي سيضع هذه الدول داخل منطقة شائكة من الحسابات، وهو ما بدأت تعجّل إليه الخطى المضطربة، حيث الاجتماعات غير الطبيعية بين السعودية وتركيا ومصر والاردن ودول الخليج مع اقتراب اتفاق محتمل بين الغرب وبين إيران، وطبعا هذا يحدث بالتناغم مع الخطوات الأشد اضطرابا لإسرائيل.حرب أسعار النفط هي الحرب المضادة لهذه الجغرافيا الجيوسياسية، والتي يمكن أن تكون مصدا لمواجهة تنامي دور إيران، والحدّ من سياساتها المفتوحة في المنطقة المشتعلة بالحروب الأهلية، وطبعا سيكون هذا الأمر غير بعيد عن العين الاميركية التي ترصد كل شيء، بما فيها المشكلات التي تعيشها مع الإرهاب الإصولي وجماعاته، والذي تحول الى يافطة إعلان أميركية، والى سياسة فيها ثنائية (العصا والجزرة) وربما الغموض والالتباس ايضا، لاسيما مع ملف “داعش” والارهاب في سوريا والعراق، فكثيرا ما نسمع عن ضربات جوية ماحقة للتحالف الدولي على قواعد “داعش” في العراق، لكن معطيات الارض لم تتغير، وهذا ما يؤكد أن دور اميركا يكمن في توصيف الأزمة وفي إخضاعها لسرديات مخابراتية، وليس للقضاء عليها أو تأجيلها الى ما يمكن أن يتمخض عنه الحوار الايراني – الغربي، رغم ان “داعش” هي أخطر أعداء المصالح الاميركية!!، فضلا عن وجود غطاء دولي للحرب ضدها بعد صدور قرار مجلس الامن.
البعض يقول أن اميركا لا تريد الدخول في حرب جديدة، وأن فشلها في حسم الكثير من الملفات الأمنية في المنطقة، وعدد الضحايا من الجنود الاميركان في الحروب الماضية، جعل المزاج الأميركي – الديمقراطي على أقل اعتبار- غير راغب في ورطة عسكرية مكلفة للاقتصاد الاميركي، لكن هذا الرفض الاميركي يظل ايضا رهينا بحسابات الحقل والبيدر، لاسيما بعد تصريح جون كيري خلال المفاوضات الاخيرة مع ايران بإبقاء الحل العسكري واردا في حال فشلت المفاوضات.
إزاء كل هذا يقوم الاميركان وحلفاؤهم الخائفون من الحرب أصلا!! بتصميم حروب صغيرة وبأقل الخسائر، وأبرزها في هذا المجال حرب أسعار النفط، تلك التي قد تنهك اقتصاديات دول تعتمد بشكل رئيس على النفط، لكن السؤال هو: هل ستظل دول الخليج النفطية تتحمل هذه الفاتورة وهذا الإنهاك مع النفس الإيراني الطويل؟ وهل سيكون التحالف القلق ما بين السعودية وتركيا ودول الخليج- مع احتمال توريط مصر- ذا فائدة في مواجهة خط ساخن يتضخم في اليمن وسوريا ولبنان والعراق؟
أحسب أن القراءات (الأميركية والخليجية وحتى الإسرائيلية) قد تذهب باتجاه توتير المنطقة، وإبقاء ملف “داعش” مفتوحا، وحتى ملف النفط مفتوحا، ولكن هذا- أيضا- غير واقعي وغير منطقي بالحسابات البعيدة، لاسيما مع الاميركان الذين يبحثون عن انتصارات قبل الانتخابات المقبلة، ويسعون الى الحوار مع الاقوياء دائما، إذ أن هذا الحوار سيعني تبديل خرائط التوازنات، وإعادة النظر الى ثنائية العدو والصديق، مع الحصول على ضمانات إيرانية في ملفها النووي، وفي ترتيب ملفات سرية في المناطق الساخنة.
لقد بات واضحا البعد السياسي والأمني لهذه الحروب المعقدة، وبات واضحا بأن نتائجها التي كانت محسوبة لم تأت بالمتوقع، إذ أدركت الكثير من الدول خطورة التورط فيها، لاسيما بعد ما حدث في ليبيا وسوريا، وما يحدث اليوم في اليمن، كما أن دخول اللاعب الروسي بعد أحداث أوكرانيا على الخط أزعج اميركا وهدد عرشها الامبراطوري باحتمال عودة الحرب الباردة!! أو حروب التحالفات كما كان يفعلها الاتحاد السوفيتي سابقا، خاصة مع وجود بيئات نشطة لإذكاء هذه التحالفات مع دولة عملاقة مثل الصين، ودولة لها علاقات تاريخية مع الروس مثل الهند، فضلا عن دول أخرى مثل إيران في آسيا والجزائر في أفريقيا وفنزويلا والارجنتين والاكوادور وكوبا في اميركا الجنوبية.. وهذا ما يجعل الاستمرار في صناعة الحروب وبتكاليف كبيرة، مع بطء في النتائج، أمرا بحاجة الى المراجعة والتقويم.
إن الستراتيجيات المضادة هي الخطاب المسكوت عنه الآن، والذي قد يثير حفيظة الواقع الاميركي، فضلا عن محدودية تأمين إسناد دائم من قبل دول اوروبا التي تعيش مشكلات اقتصادية كبرى، لذا لا يمكن حسم الملفات العالقة عبر عسكرتها الدائمة، بقدر الحاجة الى فكّ اشتباكاتها ووضعها في سياق آخر ينطلق من احترام إرادة شعوب المنطقة، وعدم التدخل في شؤونها، وحتى تعقيد الملفات الأمنية من خلال تغذية الأزمات الصراعية الطائفية والحدودية والسياسية وغيرها، فضلا عن تغويل أزمات اقتصادية مثل تخفيض أسعار النفط، أو فرض عقوبات اقتصادية على بعض الدول تحت هذا السبب أو ذاك كما يحدث الآن مع روسيا وإيران وسوريا وكوريا الشمالية وفنزويلا.

