مفتاح شعيب
تعيش دول المغرب العربي حالة استنفار كبيرة لمواجهة الانتشار الإرهابي في المنطقة، وبعد فترة اتسمت بضعف التنسيق الجماعي، برزت في الآونة الأخيرة بوادر إرساء استراتيجية مغاربية واسعة النطاق تتمثل في تبادل المعلومات الأمنية، فضلاً عن التدخل بالوساطة بين أطراف الأزمة الليبية، وهي الأزمة التي أصبحت حاضنة تفريخ خطيرة للإرهاب، استوعبت دول المغرب العربي أن القضاء على الإرهاب لا يتم من دون القضاء عليه في ليبيا .من المعلوم أن المغرب العربي هو كيان موجود على الوثائق أكثر مما هو حقيقة واقعية . والبحث في سيرة هذا الاتحاد لا يوجد إنجازاً وحيداً قد غير وجه الخريطة . وفي تلك الظروف التي بدأت منذ تأسيسه الرسمي قبل ربع قرن، كانت الخلافات البينية، لا سيما بين المغرب والجزائر، هي السائدة ومنعت من استكمال مشروع الاتحاد، أما في الوضع الحالي فإن خطر الإرهاب الداهم إلى المنطقة أكبر من سقف تلك الخلافات . فالتقارير التي تصدر من هنا وهناك تحمل حقائق مفزعة عن مخططات مشبوهة لضرب استقرار المغرب العربي انطلاقاً من ليبيا، حيث أصبح تنظيم “داعش” الإرهابي أمراً واقعاً، وتهديداته لتونس والجزائر تتوالى، وجرائمه بحق العشرات من الضحايا، فضلاً عن توسعه وسيطرته على حقول نفط في شرقي ليبيا تدق جرس إنذار بأن هذا الورم الخطير قابل للانتشار في الجسد المغاربي، إذا لم يواجه بوقفة استراتيجية جماعية تذهب خطره وتستأصله بقوة .قوات الأمن التونسية ضبطت مؤخراً قرب الحدود الليبية مخزناً كبيراً من مختلف أنواع السلاح، كما اعتقلت عدداً من الإرهابيين تلقوا تدريبات في ليبيا، في الوقت الذي أحبطت فيه أيضاً صفقة سلاح ضخمة يقوم بها سماسرة ليبيون مع تاجر إيطالي لاقتناء مئات قطع الأسلحة ونحو مليون طلقة . وبموازاة ذلك تكتشف القوات الجزائرية يوميا “كوارث” قادمة من ليبيا، وحتى المغرب البعيد نسبياً ضاعف من جهوده الأمنية وعمل على تحصين حدوده وأجوائه . والجامع بين كل هذه الإجراءات هو قناعة المغرب العربي بأن الخطر الإرهابي بات يعشش داخل مجاله ما يستوجب سرعة التحرك ووضع خطط استباقية على جميع المستويات للإجهاز على الإرهاب في أوكاره .من المسلم به أن الجماعات الإرهابية المتمددة في ليبيا باتت تشكل تحدياً كبيراً للعالم والمغرب العربي، على وجه التحديد، ومحاربة تلك الجماعات تقوم على مستويين على الأقل، الأول، مساعدة الليبيين على الخروج من أزمتهم العميقة ودعم قواتهم المقاتلة للإرهاب، والثاني وضع سياسات أمنية واقتصادية واجتماعية في بقية دول المغرب العربي تتصدى لهذه المخاطر، وأول خطوة يجب أن تقوم بها تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا هي العمل معاً للقضاء على شبكات التهريب بأنواعها وجميع أشكال التجارة الموازية، فضلاً عن التصدي لمنابر تجنيد الشباب المغاربي للإرهاب، وذلك بالتصدي لشبكات التواصل وملاحقة بعض الدول والشخصيات التي تورطت في التغرير بالآلاف للانضمام إلى الجماعات المتشددة، أما أعظم شيء يمكن أن يحصن المغرب العربي من الإرهاب فهو إعادة حلم الاتحاد نفسه وإطلاق مشاريع التنمية الطموحة، وفتح آفاق واسعة أمام المستقبل، فالمغرب العربي مشروع كيان عملاق لو كان أهله يتدبرون .