Feature

صادق كاظم
منذ العام 2003 والعراق يعيش حالة من التجاذب والانقسام حول تحديد شكل وهوية النظام الديمقراطي السياسي في العراق بين نظام فيدرالي او مركزي تم طرحه في الدستور بشكل مزدوج، حين اعتبر العراق دولة فيدرالية اتحادية تتكون من اقاليم يتم انشاؤها لاحقا عبر طلب المحافظات الراغبة وتصويت اغلبية الثلثين من سكانها، بينما بقي الواقع على حاله من خلال تمسك الدولة بنهجها المركزي في الادارة والحكم وادارة شؤون المحافظات عن طريقها. 
المعارضون لفكرة تشكيل الاقاليم يبررون موقفهم بعدم نضوج الاداء السياسي واستقرار الاوضاع في البلاد وحسم القضايا الخلافية والعالقة بين الكتل السياسية التي تمسك بمفاتيح اللعبة السياسية في العراق والمخاوف من ان تكون تلك الاقاليم مقدمة للانقسام وتشظي العراق كدولة وربما الدخول في صراعات وحروب اهلية دامية فيما بينها، بينما يؤكد المتحمسون لفكرة انشاء الاقاليم الفيدرالية بأنها مجرد اسلوب اداري بحت يسمح للمحافظات المنتظمة بإقليم بأن تدير مواردها ومشاريعها بنفسها بعيدا عن قيود المركز وبيروقراطية الادارات 
فيه التي تتسبب بتلكؤ الخدمات ورداءة تنفيذ المشاريع، فضلا عن انها تحرم المحافظات من حق الانتفاع بمواردها المالي التي تذهب الى خزينة الدولة المركزية.
المعارضون والمؤيدون لفكرة اقلمة الدولة العراقية لهم مبرراتهم, لكنها تعكس صراعا بين منهجين كل منها يرغب بأن تسير الدولة العراقية ومؤسساتها عليه، وهو ما يفسر عدم حسم الشكل النهائي لهوية النظام الاداري والسياسي للدولة العراقية بعد العام 2003 . 
اللجوء الى خيار توسيع صلاحيات مجالس المحافظات يمثل حلا توفيقيا بين فكرتي الفدرلة والمركزية باعتباره يمثل حالة انتقالية بين النظامين فهو يبقي على  دور الدولة في الاشراف على  المحافظات، لكنه يتنازل لها عن بعض الصلاحيات وحقها في ادارة 
مؤسساتها بنفسها وهي تجربة بالامكان تطويرها وتوسيعها لتشمل جوانب وميادين مؤسساتية اوسع لاحقا.
 المسؤولون في المحافظات العديدة من العراق من محافظين واعضاء مجالس المحافظات يشتكون دائما من قلة الموارد دائما وعدم قدرتهم على تنفيذ مشاريعهم واصلاحاتهم لتطوير محافظاتهم بسبب الطابع المركزي للدولة الذي يقيد من صلاحياتهم وخطواتهم، فهم برأيهم الاقدر على معرفة طبيعة احتياجات مناطقهم وايجاد الحلول الملائمة لها اداريا وعمرانيا من دون الحاجة الى انتظار رأي مسؤول في العاصمة يبعد عنهم مئات الكيلومترات.
الدولة العراقية ورغم مرور أكثر من 11 عاما على التغيير لم تتوصل الى ابتكار نموذج اداري مرن يسمح للمحافظات وحتى المؤسسات في العاصمة بغداد بمواجهة التحديات والتراكمات الصعبة التي ورثت منذ عهد النظام الدكتاتوري المباد، وهو تلكؤ يحسب على التداخلات والتجاذبات الحزبية والسياسية التي حاصرت وبضراوة عملية التغيير الاداري حين زجت بمؤسسات الدولة ووزارتها في صميم صراعاتها ومحاصصاتها.عملية توسيع صلاحيات المحافظات لها بعدها الايجابي، فهي تطلق ايدي المؤسسات فيها لاختيار الاكفأ لإدارة مؤسساتها الامنية والادارية بعيدا عن تدخلات المركز وتجاذباته وخصوصا في المجال الامني الذي يواجه ارباكا وتعدد المسؤولين الذين يتم تغييرهم بين الحين والآخر، فتوسيع الصلاحيات في المجال الامني على سبيل المثال يمكن المحافظات من نصب منظوماتها الامنية وشراء الاجهزة الكاشفة للمتفجرات ويطور اجهزتها الاستخبارية ويساعدها في التنسيق المعلوماتي والامني مع المحافظات المجاورة حول تبــــادل المعلومات وملاحقة المطلوبين وسرعة القاء القبض عليهم واقامة احزمة الامان حول الاماكن الحساسة المستهدفة، وهو ما لم يحدث حتى الآن على اعتبار ان الحكومة المركزية هي التي تضع الخطط الامنية وتعين كبار المسؤولين الامنيين في المحافظات وهي من تقرر صرف المنح المالية لها لتنفيذ مشروعاتها المختلفة ما يؤدي الى تأخرها وضعف تنفيذها. 
العراق وبعد كل هذه المدة الطويلة من التغيير بحاجة الى اعادة نظر باساليب الادارة وتخفيف قيود المركز على الاطراف ومنح المحافظات المزيد من الصلاحيات المتعلقة بإدارة ملفاتها الامنية وتنفيذ المشاريع، خصوصا وان هناك مشاكل اجتماعية وخدمية خطيرة تعاني منها مختلف المناطق في العراق ابرزها البطالة وغياب خطط التنمية وعدم تطور قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة وضعف الجانب الاستثماري واستفحال ظاهرة الفساد الاداري والمالي واهدار المال العام وغياب الدور الرقابي والاستهداف الارهابي المزمن للبلاد وعدم وصول البلاد الى ضفة الاستقرار.  التحول الايجابي والسلس نحو نهج الادارة اللامركزية يحتاج الى عدة مفاعيل تضمن نجاحه ابرزها توفر اجواء الاستقرار السياسي والامني في المحافظات وتولي شخصيات مهنية وكفوءة ادارة ملفات الادارة والخدمات بعيدا عــــن المحاصصات الحزبية والسياسية ووضع خطط لتنويع مصادر الدخل عبر استثمار الموارد بجميع انواعها سواء كانت بشرية أو طبيعية  وتوظيفها بالشكل الذي 
يخدم تنمية المناطق وحل ازماتها المختلفة.
الفيدرالية بطابعها الاداري وليس السياسي الانفصالي يمكن القبول بها كإطار لتنظيم شكل الدولة العراقية بشرط  حل الخلافات العالقة بين المكونات والكتل والاتفاق على تعديل للدستور واقرار القوانين التي تنظم العلاقات بين الاقليم والمركز بما ضمنها توزيع الموارد وتقاسمها والابقاء على المؤسسات السيادية المهمة بيد الدولة المركزية كالامن والدفاع والمالية لا يحق للاقليم انشاء سلطات موازية لها. 
لقد اسهمت الفيدرالية والادارة اللامركزية في تطور العديد من بلدان العالم وتحولها من امم ضعيفة ومنقسمة الى دول قوية ومزدهرة اقتصاديا وسياسيا كسويسرا التي ينضوي سكانها في 22 اقليما فيدراليا والولايات المتحدة التي تتكون من 50 ولاية اتحادية والهند التي تتكون من اقاليم وولايات اتحادية كل منها له كومته وكذلك الارجنتين واسبانيا والامارات العربية المتحدة. جميع هذه الدول وغيرها تضم اقاليم ودوائر ادارية لا مركزية, لكنها من دون نوايا انفصالية او تقسيمية، بل بالعكس نجدها اكثر تمسكا بالارتباط مع المركز رغم التنوع والاختلافات الثقافية واللغوية والدينية بين سكان تلك الشعوب والمناطق واكثرها تمسكا بهويتها ووحدتها الوطنية.

التعليقات معطلة