المستقبل العراقي/متابعة
بعد أن أنجبت حنان علي طفلها الأول في بداية حياتها الزوجية، توقعت أنه وبعد عامين من إنجابها ستقوم بالتخطيط للطفل الثاني، الا أن ما حدث مع حنان عكس ذلك تماماً، فالآن بلغ عمر طفلها سبع سنوات وما يزال وحيدا، والسبب في ذلك هو الوضع الاقتصادي السيئ الذي يمنعها من الإنجاب.
ولعل حنان تتهرب يوميا، هي وزوجها، من أهليهما لكثرة إلحاحهم في هذا الموضوع، وفي كل مرة يتعللان بالوضع الاقتصادي الذي يمنعهما من التفكير في إنجاب طفل آخر.
تقول حنان “منذ ست سنوات نعمل أنا وزوجي وبدوام إضافي لكي نحقق لطفلنا حياة طبيعية، رغم أننا نغيب عنه ساعات طويلة، ويشتكي كثيراً من بقائه وحيدا”. وتضيف “يا دوب ملحقين فكيف سيكون الحال بطفل ثان؟”.
وتؤكد أنها تتمنى أن تنجب أخا لابنها، إلا أن الأمنيات لا يسندها الواقع، فبالنظر إلى ما تعانيه هي وزوجها من أجل تحقيق حياة بمستوى عادي جداً مع ابنهما، قررا عدم الانجاب والاكتفاء بهذا الابن الوحيد.
سناء إبراهيم تخالفها الرأي، ورغم أن وضعها أقل من عادي هي وزوجها، تؤمن أن “الطفل يأتي ورزقه معه، وأن الله قادر على أن يجلب الرزق مهما أنجبت”.
ويبدو أن هذا الإيمان جعلها تميل نحو كثرة الإنجاب، رغم أن زوجها لم يعد يحتمل المصاريف الثقيلة، خصوصاً أنها تركت عملها لرعاية أبنائها، لكنها تعتبر أن الأبناء سند حينما يكبر الأبوان.الاختصاصي الاجتماعي الأسري د. مفيد سرحان، يعتبر أن الهدف من الزواج هو بناء أسرة مستقرة، كون الإنجاب هو الوسيلة الشرعية للتكاثر وعمارة الأرض.
الظروف الاقتصادية التي يعيشها غالبية المواطنين، ودور وسائل الإعلام، إضافة إلى التركيز الكبير في حث الأزواج على تنظيم النسل، كلها أسهمت في التأثير على قناعات العديد من الأسر من حيث عدد المواليد.
المجتمع، وفق سرحان، يشهد تناقصا في عدد أفراد الأسرة الواحدة، ما يرى معه أنه لا بدّ من أن يؤثر على عدد السكان الكلي للمجتمع. ويبين أنه إذا ما استمر التناقص بشكل كبير، فإن ذلك قد يكون له أثر سلبي على المجتمع باعتبار الإنسان هو العنصر الأهم في إحداث التنمية واستمراريتها وبناء المجتمع.
سرحان يرى أن ضعف الوعي الديني الصحيح يسهم في زيادة ظاهرة “الإكثار من الإنجاب”، لافتا إلى أن الإسلام لا يمانع في تنظيم الأسرة، لكنه لا يوافق على ما يمكن تسميته “تحديد النسل”، من خلال الحد من الإنجاب أو منعه أو تقليله بصورة مبالغ فيها، لما في ذلك من أخطار وأضرار على الزوجين والمجتمع.
اختصاصي الفقه والدراسات الإسلامية د. منذر زيتون، يؤكد أن الله تعهد بأن يرزق كل حي ومخلوق على الأرض، مستدلا على ذلك بقوله تعالى “وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها”. ويبين أن هذا الأمر من القواعد الثابتة، إضافة إلى الدليل العقلي بأن الله مسؤول عن خلقه ومتعهد بالأرزاق.
ويشير إلى أن الشريعة تحرم فقط في حال تم تحديد النسل من خلال الدولة والقانون، لافتاً إلى أن السنة النبوية والنبي عليه الصلاة والسلام حث على الإنجاب.ويلفت إلى أن ذلك لا يعني أن ينجب الأشخاص ما شاؤوا حين تكون ظروفهم الاقتصادية غير ملائمة، مؤكدا أنه “لا بد أن تتم دراسة الأحوال والأخذ بالأسباب”. ويشير إلى أن كل إنسان يخلق رزقه موجود في الدنيا، وعلى الأب أن يسعى ليحصل له عليه، وليس الانتظار ليأتيه عنده.
ويختم بالتأكيد أن الامتناع عن الإنجاب لا يجوز، ويجوز تأجيل الأمر حتى تتحسن الحال.ويذهب اختصاصي العلاقات الأسرية والزوجية أحمد عبدالله، إلى أنه في مسألة الإنجاب يجب أن تراعى أمور عدة، وليس الوضع الاقتصادي فقط، فهناك الوضع النفسي ومقدار أهلية الزوجين للتربية، كون كل تلك العوامل لها دور في الإنجاب.
ويعتبر أن الوضع الاقتصادي ليس معيارا بقدر ما هي نوعية الأبناء الذين سيخرجون إلى هذا العالم، كون الأبناء لهم حقوق نفسية ومادية ومعنوية على الأهل. ويبين أن حساب المسألة من ناحية اقتصادية فقط خاطئ، فهناك، أيضا، صحة الأم والمباعدة بين الأطفال حتى يأخذ كل منهم حقه، وغيرها من الأمور.
ولا يقلل عبد الله من العامل الاقتصادي، إلا أنه يرى أن هذا العامل يفتح الباب لمشاكل وصعوبات عديدة قد تواجه الأسر، فنتيجة الوضع الاقتصادي يضطر الزوجان إلى العمل ساعات طويلة خارج البيت، ما يؤدي في العادة إلى التقصير بدوريهما في حياة الأبناء، وتترتب على ذلك مشاكل تربوية عديدة قد تعصف بالعائلة.

