المستقبل العراقي /متابعة 
الزواج هو خطوة شرعية وطبيعية، يقدم عليها الناس لإتمام نصف دينهم، وتأسيس العائلة سواء كان تتويجًا لعلاقة حب أو بطريقة تقليدية. كان سائداً  في السابق أن يتزوج ابن العم بابنة العم، أو يتزوج الشاب من فتاة في قريته، أو من قبيلته، انطلاقاً من مبدأ «القريب أولى من الغريب». حتى أننا نجد أن هناك الكثيرات من الفتيات اللواتي يُفرض عليهن الارتباط بأزواج من الأقارب تأكيداً لهذا المبدأ. وعلى الرغم من الانفتاح والتوعية، والتحذير من قبل الجهات الصحية عن زواج الأقارب وما له من انعكاسات سلبية، نجد أن هناك الكثير من الزيجات التي تتم بهذه الطريقة، وإن كانت بنسبة أقل من السابق.   هنا تستعرض في هذا التحقيق شهادات حيّة لبعض المتزوّجين، آخذة برأي أصحاب الاختصاص في هذا الأمر .
رابطة القرابة
المهندس رائد وزوجته أشجان، تربطهما قرابة أبناء الخالة. متزوجان منذ ما يقارب الخمس سنوات، قد تختلف قصتهما عن الآخرين، فهما ارتبطا عاطفيا لسنتين قبل الزواج. يقول رائد: “لطالما تميزت زوجتي عن بنات العائلة، في نظري، بل أؤكد أنها مختلفة أيضاً عن بنات جنسها. وعندما كنت آراها في المناسبات العائلية والأعياد كان يزداد تعلّقي بها، وكنت أشعر بأنها تبادلني الشعور، فعقدنا العزم على الزواج رغم معارضة الأهل، ووضع العراقيل للحيلولة دون ارتباطنا، وعلى الرغم من ذلك  تمكنا من الزواج”.
ويضيف: «رغم مرور خمس سنوات على زواجنا، إلا أن المولى لم يشأ أن يرزقنا مولوداً بعد، لكننا مؤمنان بالله وبمشيئته، وأن طفلنا الذي سيأتي سيكون بمعزل عن الإصابة بأي مرض، بإذن الله”.
ومن جهتها علّقت أشجان قائلة: “أتمنى من كل قلبي أن أُرزق طفلاً من زوجي رائد، وأن يكون متمتعاً بصحة جيدة. 
وأنا مؤمنة بما كتبه الله ليّ وآمل خيراً”. 
أم محمد: أبنائي أصحاء
السيدة خديجة أم محمد، أرملة، وكانت متزوجة من ابن عمتها سالم منذ ما يقارب 30 عاماً، ولهما خمسة أولاد. تقول إن أولادها أصحاء «أنا سعيدة بعائلتي، أبنائي الشباب يشبهون والدهم كثيراً، وبناتي يشبهنني. لم تكن مشاكلنا في الزواج بسبب الخوف من المرض الوراثي، فقد كانت مشاكلنا اجتماعية وزوجية».
لست نادماً على زواجي بابنة عمي
ابن العم الطبيب “علي .ع” الشمري وزوجته إيمان متزوجان منذ أكثر من 25 عاماً، ولهما ثلاث بنات وولدان. يقول علي: “جرت العادة أن ابن العم أولى بابنة عمه، ليحافظ على نسل العائلة، ومنذ الصغر أصر والدانا أنّ ابنة عمي إيمان لي، اعترضت في البدء لكنني بعدها قبلت بالأمر، وجاريت الموضوع واقتنعت به، ولم أكن أعرف أن أحد أطفالي سيكون مصابـًا بمرضِ ما سببه زواج الأقارب”.
بيان ابنة علي وإيمان مُصابة بمرض النزف الوراثي (ثلاسيميا) وهي تخضع للحقن بشكل متكرر كي لا تتفاقم حالتها الصحية، بحسب ما ذكرته والدتها إيمان التي تضيف: “أنا من عائلة محافظة وكان القرار الأخير لوالدي بوجوب تزويجي من ابن عمي. وقديمـًا لم تكن حالات الأمراض الوراثية معروفة وفحوص الدم قبل الزواج لم تكن كافية وشاملة، ولم أعلم ما سيصيب ابنتي من ألم وأذى، فلا يمكن أن تشفى بيان نهائيًا، وما يستطيع الطب تقديمه هو نقل الدم إليها بشكل دوري.  لست نادمة على زواجي فلدي عائلة رائعة،  ولكن ألم ابنتي يقتلني من داخلي، لذا نحاول تعويضها بتدليلها أكثر من إخوتها”. ويضيف الشمري: “أرى أنه من الحرام أن يُعرّض الأهل أولادهم لمشقة المرض إن كان بإمكانهم معرفة العواقب سلفـًا، فما أصعب أن ترى فلذة كبدك تتألم مرضًا، وبشكل متواصل، وأنت عاجز عن مساعدتها. ونصيحتي للمقبلين على الزواج أن يكونوا على مقدار كافٍ من الوعي والإدراك، قبل الإقدام على هذه الخطوة. أنا لست نادماً على زواجي بأم أبنائي، فهي سيدة رائعة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وأملك أسرة رائعة لن استبدلها بكنوز الدنيا، لكنني لا أطيق رؤية ابنتي بيان متألمة، وأسمع أنينها ووجعها، ولا استطيع مساعدتها سوى بالدعاء لها”.
قال استشاري الأمراض الباطنية وأمراض الدم والأورام، الدكتور عبد الرحيم قاسم، إن زواج الأقارب ينتشر بتفاوت بين منطقة إلى أخرى، لنجد أنه يقلّ في المناطق الحضرية، ويزيد في المناطق القبليّة. لكن بوجه عام زواج الأقارب يحدث بنسبة 5 إلى 10 في المئة من الزيجات في ، وتعد هذه نسبة كبيرة جداً مقارنة بالدول الغربية. أما المشاكل الصحية التي تنجم عن زواج الأقارب فنجد أنها ليست بالكثيرة، فإذا أخذنا 1000 زيجة من الأقارب، ستظهر المشاكل الصحية الناجمة عنها بنسبة لا تتجاوز 2 في المئة. ولكن وفي بعض الأحيان، هناك مشاكل معقدة وعلاجها صعب جداً، وفي أحيان أخرى يستحيل علاجها. لذلك نحن نُحذر من زواج الأقارب، كما أن الرسول صلى عليه وسلم  حذر منه بالقول (اغتربوا لا تضووا)، بمعنى لا تضعفوا”. وحول أكثر الأمراض الوراثية التي يسببها زواج الأقارب ذكر قاسم أن أمراض الدم هي أكثر الأمراض الوراثية انتشاراً بسبب زواج الأقارب ومنها الأنيميا المنجلية، والثلاسيميا بنوعيها ألفا وبيتا، والأنيميا الفولية وهي نقص خميرة G6PD، وهذا المرض قد يصيب البنات إذا تزوج رجل مصاب بالمرض بإحدى قريباته الحاملة للمرض. وأضاف: “هناك ما يسمى الصفة المتنحية، والصفة السائدة، ونجد أن مرض الأنيميا المنجلية ومرض الثلاسيميا من الصفات المتنحية، مما يعني أنه لظهور هذا المرض يجب أن يكون للأب وللأم جينات وراثية. وهناك أمراض سائدة فإن كان الجين الوراثي موجوداً عند أحد الأبوين نجد أنه في كثير من الأحيان يكون نصف الأطفال مصابين بالمرضط.  وحول فحص ما قبل الزواج ذكر الطبيب المختص  أنه ومن الطبيعي أن يخفض الفحص نسب الزواج من الأقارب وبالتالي تنخفض الأمراض الوراثية”
ظاهرة مازالت موجودة
من جانبها، قالت الاختصاصية  التربوية والنفسية الدكتورة نادية نُصير إن الحراك الاجتماعي في النواحي العمرانية، والماديات الخارجية، أثرت بشكل كبير وأدت إلى خفض زواج الأقارب في المدن الرئيسية، لكنها ظاهرة ما زالت موجودة في المحافظات المختلفة. وأضافت: “من الصعب تغيير المعتقدات بين هؤلاء الأشخاص رغم التوعية بالأمراض الوراثية التي قد يتناقلها الجيل الثالث لهؤلاء المتزوجين. وهذا الأمر يُولد الكثير من المشاكل، من بينها الانفصال المُبكر، بسبب أن الفتاة قد تكون غُصبت على الارتباط بابن عمها، أو إبن خالها، أو أحد أقربائها. والكارثة الكبرى هي الزواج من الأقارب من الدرجة الأولى أي أن تجمع الآباء والأمهات قرابة وطيدة جداً، وفي هذه الحالات تكون نسبة الإصابة بالأمراض الوراثية والتخلفات العقلية عالية جداً”.  وأكدت نُصير أهمية التوعية التي قد تأتي بالفائدة في تقليل زواج الأقارب «خاصة في القرى والمناطق النائية، لأن المدن الرئيسية فيها نسبة أقل” . وعن الأمراض المنتشرة بكثرة في المجتمع جراء زواج الأقارب قالت: “تأتي في المرتبة الأولى الإعاقات العقلية، أو ما يعرف بالتخلف العقلي، ومن ثم تأتي الأمراض العضوية الأخرى مثل مرض السكري، وأمراض الدم ومن بينها الأنيميا المنجلية والثلاسيميا”.

التعليقات معطلة