علي حسن الفواز
تضخم ظاهرة الإرهاب يفتح الباب للحديث عن طبيعة مرجعياتها الثقافية/الفقهية، وعن مصادر تمويلها المادي واللوجستي.. وإذا كانت بعض الحواضن الدولتية والجماعاتية قد وجدت في تمدد “داعش” على الجغرافيا السياسية عنصرا للتصريح العلني بهذا الدعم والاحتضان، فإن تداعيات الواقع الدولي ومواقفه الأخيرة من الارهاب الداعشي، وكذلك الهزائم الماحقة التي تلقتها الجماعات الارهابية في العراق وسوريا واليمن ومصر تضع الكثير من علامات الاستفهام حول إصرار تلك الدول والجماعات على الدعم، وعلى اتباع سياسات التشويه والتضخيم والتشكيك.
فهل يمكن القول بأن هذا البعض يتعمد إخضاع هذه المعطيات لحساب اجندات غامضة؟ ولماذا هو الإصرار على إبراز الهوية الطائفية للصراع؟ ولماذا يتم تحميل الموقف الإيراني من الأحداث في العراق وسوريا واليمن أكبر من حجمه الحقيقي؟ ولماذا يغيب أي نقد ومراجعة لمواقف دول بعينها من الأحداث، رغم أنها الأكثر تدخلا في أجندة الإرهاب، والأكثر إثارة للمشكلات الطائفية ودعما للطائفيين؟.
هذه الاسئلة تختصر وقائع ما يجري، وتكشف عن خطورة الهشاشة السياسية والثقافية والأمنية التي تحكم محاور الصراع، فضلا عن مايمكن أن تثيره أيضا في خلق اصطفافات جديدة ومريبة في المنطقة ومهددة للسلم الأهلي وللمصالح العامة.
طائفية المشهد العربي المصطنعة تغيّب أية رؤية واضحة للأحداث، وأي حكم يستند الى موقف نقدي وعقلاني، مثلما تسهم في تغييب أية إرادة سياسية للنظر الجاد في طبيعة العلاقات العربية/ العربية، وإمكانية صياغتها وفق الحاجات الضرورية للتنمية وللأمن القومي ولبناء سوق عربية مشتركة، أو اتباع سياسات اقتصادية وسياسية يمكن أن تنافس ماهو موجود بين العديد من الدول الغربية.
طبيعة الدول التوتاليتارية والابوية الحاكمة في المنطقة العربية – لاسيما الخليجية- هي جوهر صناعة الأزمة، فهذه الدول لا تمثل إلاّ مصالح الدول الكبرى، وفقدانها لإرادتها السياسية يجعلها مسكونة بقلق البحث عن حماية لوجودها ولثرواتها، وهذا ما يجعل صناعة الخطاب السياسي محكومة بحسابات غامضة يختلط فيها الطائفي مع السياسي، مع خضوع تام للارادة الدولية، وخوف غير واقعي من الدخول في محاور إقليمية تكون أكثر فائدة، وأكثر تنظيما وتنسيقا بين دول الجوار حول المصالح والأسواق والعلاقات السياسية والاقتصادية وحتى الأمنية.
الإرهاب وصيانة الحكم
لأن الكثير من الدول العربية تعيش محنة صناعة الدولة المدنية، والحقوقية، فإن سياساتها – تحت هذا الهاجس – تتحول الى قوة مركزية ودفاعية عن هوية الدولة النمطية، تلك التي تتحول تلقائيا الى دولة استبداد.. ومفهوم الاستبداد يصطنع له بالتراكم قوى مجاورة، ومؤسسات ضاغطة للإدارة والحكم والقمع وللسيطرة على الثروة، فضلا عن اختلاق مؤسسات للخدمات الإعلامية والفقهية التي تعطي للسلطة نوعا من القداسة، أي قداسة الحاكم، وعلى وفق منظور ولاية الأمر.
صيانة الحكم يسهم في تضخيم شراسته، وفي تحويله الى قوة للإرهاب المجتمعي الذي سرعان ما يتحول الى إرهاب دولة وجماعة وفقه، لأنه يقع في منطقة صيانة الحكم والمحكومين، وصولا الى حدّ صناعة ومؤسسات وجمعيات لدعم هذا الارهاب، بوصفه جزءا من سياسة الدولة، ومن فقه مؤسستها الحاكمة، وجزءا من نظرتها العصابية للآخرين المختلفين دينيا أو طائفيا أو قوميا والذين تمثلهم دول معينة او جماعات او حتى مكونات اثنية أو مذهبية.
في ضوء التداخل السياسي المرعب في المنطقة، وطبيعة إدارة الدول الكبرى للجغرافيا السياسية والأمنية فيها، لم يسأل أحد عن التمويل الذي تحصل عليه الجماعات الارهابية، وتحديد مصادره، ومعرفة ممراته.
الدول والقوى التي تقف وراء الارهاب هي ذات الدول التي تعيش فوبيا صيانة الحكم، وهي المصدر الاساس في تأطير وترسيم الكيفيات التي تنفذ من خلالها الأجندات الداعمة للارهاب، ولتوسيع ودعم السياسات التي تحمي جماعاته من أية مساءلة أو نقد وحتى عقاب محدد ومعروف، فما يحدث في العراق وسوريا وليبيا وأخيرا في اليمن بات يثير الكثير من الاستغراب، ليس لعدم معرفة مرجعياته ومواقفه وطبيعة القوى التي تقف وراءه، بل للأوهام التي تصنعها دول ما يسمى بـ(المجتمع الدولي) وتسوقها على انها جزء من سياسات المواجهة، رغم ان هذا الامر بات موضوعا دوليا بعد قرار مجلس الامن الأخير بتجفيف منابع الارهاب، ومعاقبة الدول التي تقف وراءه، لكن ما يجري يكشف غير ذلك، فلا تزال بعض الدول تعوم على هشاشة توصيف الإرهاب، وتمارس دعمها للإرهابيين بالمكشوف، فضلا عن ما تتغافل عنه الدول الكبرى ذاتها، ولعل المسألة التي تؤكد ذلك هي الدعوات المستمرة من قبل الولايات المتحدة لقادة هذه الدول وبعض سياسييها ممن تثار حولهم الشبهات لزيارتها، فضلا عن مواصلة بعض الدول والجماعات بهندسة الكثير من الطرق لايصال (المال والرجال والأسلحة والتقانات الحربية) الى الجماعات الارهابية التي تقاتل على الارض في سوريا والعراق.
تشويه الحشد الشعبي
مقابل كل هذا الذي يجري على مستوى الوقائع العراقية، فإننا نجد أن هناك تضليلا حول توصيف الإرهاب، وجماعاته وأهدافه، لاسيما في التعاطي مع الملف السياسي، وفي الملف الأمني، فالبعض يضع المحاصصة وتقسيم المواقف شرطا للمشاركة، رغم وجود علامات استفهام حول جدية ومصداقية هذه المشاركة، والبعض الآخر تحكمه مآرب الأجندات الإقليمية في تحديد آلية انخراطه في العملية السياسية، وأحسب أن الحملة الممنهجة التي تقوم بها قوى سياسية مشاركة في الحكم ضد كل من يدعو لتحرير المدن العراقية.
لاسيما الحشد الشعبي وتشويه سمعته، والنيل من رموزه، يؤكد هذا المنحى، وهذه الازدواجية، وهذا في جوهره موقف سياسي وأمني مريب وباعث على القلق، وله حسابات في التعاطي مع بعض الممارسات التي قد تحدث هنا او هناك.
الموقف إزاء الارهاب وجماعاته واجنداته سيظل غامضا، وربما غير جاد على مستوى بعض الدول الغربية والعربية، بسبب تنصل البعض من أي موقف لنقد ومواجهة ما يجري، مقابل إتباع سياسة ملاحقة (السلحفاة) لتحقيق أهداف سياسية وستراتيجية تخص مصالح الدول الغربية من جانب، وتخص الحفاظ على ما يسمى بمنطقة التوازن المريب في المنطقة من جانب آخر، وهذا بطبيعة الحال سيبقي الصراعات مفتوحة، ولذلك فان البحث عن أية حلول سيتطلب مراعاة ما يمكن أن تستدعيه السياسة من مواقف وحسابات.يمثل الواقع العراقي في هذا السياق بيئة ساخنة لتصفية الحسابات السياسـيـة، وحـتى الحســابات الاقتصادية، لاسيما مع وجود مشكلات في المنطقة لم تحسم بعد مثل الملف النووي الايراني، وضمان حلول كاملة للملف الفلسطيني، والبت قانونيا بملف اللاجئين الفلسطينين سنة 1948، وهو طبعا ملف سياسي وديموغرافي وليس ملفا عابرا أو جزءا من معالجات غير واقعية.. لذا فان الحديث عن معطيات الواقع الامني في العراق يتطلب موقفا أكثر وضوحا وواقعية من قبل اميركا ودول الغرب، وحتى الدول الاقليمية والعربية، لان مجريات الامور تعكس الكثير من (الشبهات) وتثير حولها لغطا بحاجة الى توضيح، خاصة مايتعلق بملف التسليح وملف ضربات التحالف الدولي الجوية ومدى جديتها في تغيير المعادلة على الارض، فضلا عن الملف الغامض حول الطائرات المجهولة التي تهبط في بعض المناطق.
كل هذا يستدعي قراءة عميقة، ويدعو الى اتباع سياسة الوضوح الكامل لمعرفة من يقف وراء دعم الارهاب، ومن يريد ان يبقي صناعة الحروب مشتعلة في المنطقة.

