نهلة الشهال
شغفُ الفرنسيين بالنقاش، أي نقاش، يكاد يكون من الخاصيات المميزة لشخصيتهم العامة، الثقافية والنفسية. وهو ما قد يربك أحياناً تقدير أهمية أو جدية المسائل المثارة، على اعتبار أن أي فكرة يمكن أن تشعل سجالات لا تنتهي، تجري بحماسة ويتوزع الناس حولها كما لو كانت مسألة حياة وموت…
هذا ما يشار إليه اليوم بخصوص مسألة منع الحجاب في الجامعات الفرنسية، الذي يؤطره مشروع قانون تقدم به أحد نواب اليمين في 13 شباط (فبراير) الماضي، ثم عادت وزيرة الدولة لشؤون حقوق المرأة، وهي قيادية في الحزب الاشتراكي، إلى طرحه مطلع هذا الشهر، مشعلة النار في الهشيم. قبلهما أدلى الرئيس السابق نيقولا ساركوزي بتصريحات مؤيدة لمنع الحجاب في الجامعة، باعتباره «تدبيراً جديراً بالنقاش»، تماماً كما كان رئيس الوزراء الحالي مانويل فالس قد اعتبره حين كان وزيراً للداخلية قبل عام، بينما يقول اليوم إن الأمر غير وارد.
لم يعف النقاش أحداً من الإدلاء بدلوه فيه، على رغم تأكيد الجميع في الوقت نفسه أن الموضوع ليس مطروحاً!
وأما تبادل الحجج في هذا «اللاموضوع»، فيجري على شاشات التلفزة وصفحات الجرائد، ويصل إلى درجات من الفصاحة تستحضر كل أسس فلسفة الاجتماع البشري: الحرية الفردية، والاستيلاء على جسد المرأة وتقنينه، ومعنى المواطنة، وشروط الانصهار الوطني، علاوة بالطبع على النقاش حول تعريف وظائف الجامعة في اكتساب المعرفة والحس النقدي… إلى آخر ما قد يخطر أو لا يخطر على البال.
لكن، وبغض النظر عن هذا الجانب «المسلي»، فالحقيقة أن هناك أبعاداً للأمر خطيرة الدلالة، ثقيلة الوطأة. أولها يستحضر ما هو مغيَّب تماماً بعد عشر سنوات على إقرار قانون منع الحجاب في المدارس. أي تقييم أثر ذلك القانون الذي أُقر بإجماع مطلق وقتها، ووشى بالحالة العُصابية التي استولدها النقاش حول الموضوع، وبالانقسام الكبير في الشارع الذي اتخذ طابعاً «عنصرياً»، حيث بدا المسلمون الفرنسيون من أصول عربية أو أفريقية بمواجهة مجتمع يعتبرهم يمثلون تهديداً لـ «هويته»، وهو ما لم يلغه وجود حلفاء لهم من المجموعات التي تقف على يسار الحزب الشيوعي، وبعض المثقفين… مفردات المعركة وقتها أوحت بأنه جرت هزيمة جزء من المجتمع وإخضاعه بقوة القانون. وكان الموضوع مناسبة لولادة الحركة المنظمة المناهِضة للإسلاموفوبيا، طالما المدرسة والتعليم العام هما في القلب من الجمهورية منذ تأسيسها، بل منذ الثورة الفرنسية الكبرى.
لم تَرد بعد عشر سنوات دراسات تقول إثر هذا التدبير على تمدرس الفتيات المسلمات في المدارس العامة، ولم تُقدَم أرقام عن اتساع التعليم الخاص الذي كان يُنظر إليه كآفة في مقابل المدرسة الرسمية، الإلزامية والمجانية، وهي أول أعمدة الجمهورية ونظريتها المساواتية. المعروف أن مئات المدارس الأهلية الإسلامية ولدت في تلك المناسبة أو توسعت، وهي إجمالاً تحتل اليوم مراتب أولى في نتائج البكالوريا، وكأن في ذلك رفعاً للتحدي، على رغم أنها تواجه صعوبات جمة في الحصول على الدعم المالي من الحكومة (الذي تناله المدارس الخاصة «المعتمدة»، أي التي تطبق البرنامج الرسمي، وهي الأغلب الأعم بين المدارس الخاصة، سواء كانت دينية أو لائيكية). ولحرمان معظمها من هذا الدعم، فهي تلجأ إلى تطبيق رسوم عالية على الطلاب غالباً ما تعوضها التبرعات التي تنالها، أي أن هذه الوضعية أوجدت تضامناً معززاً بين أبناء تلك «الجاليات»، يناقض فكرة الاندماج أو الانصهار الوطني ونبذ الجماعات، العزيزة هي الأخرى على قلب المفهوم الجمهوري الفرنسي.
بالطبع، ازدهرت كذلك المدارس الخاصة المسيحية التي لم تلتزم بتطبيق منع الحجاب واستقطبت الكثيرات من التلميذات المسلمات المحجبات. ما الحصيلة الموضوعية إذاً، خارج العناد الأيديولوجي المتوتر، وسيادة روح الغلبة؟
أما بخصوص الجامعة فالأمر أكثر تعقيداً. الطلاب الجامعيون بالغون وأحرار في خياراتهم. والجامعة مجال يستقطب طلاباً من العالم بأسره. هذا ما يقوله الجميع أيضاً، مع بعض الـ «لكن» لدى بعضهم، التي تفتح الباب للانقلاب على هذا الموقف الأساس. وهناك في الحقيقة سعي لتوظيف واستغلال الأجواء الحماسية أو الانفعالية المتولدة في البلاد بعد مقتلة «شارلي إيبدو»، لتعويض الفراغ الهائل في البرامج السياسية والاجتماعية وللتغطية على الأزمات العامة التي يقول السياسيون من مختلف الجهات إنهم لا يملكون حلولاً لها.
وتوحي الحجج حول اللائيكية كما ينبغي لها أن تطبق في الجامعة، وما يصاحبها من مبالغات حول تعاظم «الخطر الإسلامي» في المدرجات، وحول «الخوف» الذي بات يشعر به الأساتذة من التطرق لموضوعات بذاتها أو من تناول فولتير (مثلاً!)، وكأن داعش ينتشر في الجامعة الفرنسية. وهذه في الواقع ممارسة إرادية تماماً، ولو أنها قصيرة النظر في شكل مؤلم، لمواقف شعبوية وديماغوجية يسعى كل طرف من جهته لامتطائها في الصراع السياسي الدائر في البلاد والذي يمتاز بمقدار هائل من… الفراغ.
ستجرى في الأسبوع المقبل الانتخابات العامة الجهوية، وخلال سنتين، الانتخابات الرئاسية. ويتولى الجميع إخافة الجميع بشبح انتصار «الجبهة الوطنية» (اليمينية المتطرفة والقومية المتعصبة، صاحبة شعار «الأولوية للفرنسيين»، الكارهة للأجانب، والرافضة لأوروبا، والتي تعتبر الإسلام نقيضاً حضارياً وتتاجر بابتذال بالخطر الإسلامي…) في هذه الانتخابات، بل فوز زعيمتها مارين لوبن في الانتخابات الرئاسية. وهذا لم يعد تهويلاً إذا ما نظر إليه في ضوء تقدم الحركة المذكورة في تغطية البلاد بالمرشحين (متفوقة في ذلك على الحزبين التقليديين الكبيرين)، وفي استطلاعات الرأي، كما على ضوء نتائجها في الانتخابات السابقة (الأوروبية) حيث حلت أولى مع أكثر من 25 في المئة من الأصوات. لكن الأدوات المستخدمة في مقارعة هذا الخطر مستعارة من جعبة التنظيم شبه الفاشي نفسه، وهي تقوم على المزايدة المفتعلة في التصدي لـ «الأصولية الإسلامية»، عوضاً عن النقاش الفعلي للأزمة العامة في البلاد التي تتعلق بالخيارات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبالفضائح المالية والشخصية التي لا تتوقف وتطال الأحزاب وشخصياتها… والتي تجري جميعها على خلفية من العجز الفكري والسياسي الذي يسم كل التيارات، بلا تمييز بين يمين ويسار… ما يجعل الشك بذرائعية «المعركة ضد الأصولية الإسلامية» مشروعاً تماماً!

