عمّار المأمون
دمشق – يعدّ البحث في ظاهرة ما بعد الحداثة من المواضيع الشائكة والمعقدة جدا، لأسباب تتعلق باتساع هذه الظاهرة وتداخل حدودها مع الحداثة والضبابية التي تسود مفاهيمها، خصوصا مع تعدّد الآراء التي تتناولها، إلا أن الباحثة والمترجمة الفلسطينية أماني أبورحمة تقدم في كتابها “أفق يتباعد: من الحداثة إلى بعد ما بعد الحداثة”، الصادر عن “دار نينوى”، صورة غنيّة وعميقة لأبرز الأفكار والمفاهيم التي تتناولها في ما بعد الحداثة.
يحتوي كتاب “أفق يتباعد: من الحداثة إلى بعد ما بعد الحداثة”، لأماني أبورحمة على عدة دراسات أنجزتها الباحثة وترجمات أهمها إعلان السايبورغ لدونا هاراوي.
في الحقيقة إنه من الصعب الإحاطة بكافة الأفكار التي يحويها الكتاب، فهو يجمع العديد من المواقف والتيارات لمؤلفين مختلفين بعيدا عن تلك الاعتيادية التي نراها مأخوذة من فرانسوا ليوتار أو جان بورديار، إذ أنه يطرح مفاهيم ما بعد الحداثة وتطبيقاتها في التحليل النفسي وفي الدراسات النسويّة وفي الفن، كذلك يركز على الوضع في ما بعد الحداثي والتداخلات الكثيرة التي أدّت إلى تغيّر شكل المجتمعات وتداخلها، لتبشر بانهيار الحداثة، والتأسيس للمجتمعات التي تقف فيها التكنولوجيا والإنسان والحيوان جنبا إلى جنب، ما أدّى إلى تغيّر المصطلحات والمفاهيم المتعلقة بالإنسان والعلم والمعرفة وهيمنة ثقافة الصورة.
أبورحمة تتطرق إلى الأساليب السردية الجيدة وترى أن تقنية “ما وراء القص” هي الشكل المعبّر عن السرديات الجديدة بوصفها رواية تحاكم الرواية نفسها
ويمكن اعتبار أن بداية ما بعد الحداثة كانت في الستينات وبالرغم من التقويض الذي خضعت لها السرديات الكبرى في تلك المرحلة وتفتيت المركزية الأوروبية ومركزية الرجل الأبيض وإعادة إحياء الهوامش، إلا أنّ ما بعد الحداثة حافظت على مركزين أساسين يتمثلان بما بعد الحداثة نفسها وبالهولوكوست، فالأخير جعل من الرجل الأوروبي نفسه ضحية وجلادا، بحيث انعكس منطق الضحية الذي من المفترض أن يكون مهمشا، وأصبح الضحية أبيض أيضا ولا بدّ من وصول صوته، هنا تطرح أبورحمة عددا من الدراسات التي تناقش الأدب الهولوكوستي، واستعادة صوت الضحية، وتتطرق إلى مسألة فلسطين التي حوّلت البشرية كلها إلى مذنبة بحق الشعب “اليهودي” بالرغم من أنها لم تشترك في ما حصل وخصوصا الشعب الفلسطيني الذي تمّ اجتثاثه من أرضه.
رواية ما بعد الحداثة
تتطرق المؤلفة أماني أبورحمة إلى الأساليب السردية الجيدة وخصوصا تلك المتعلقة بالرواية، وترى أن تقنية “ما وراء القص” هي الشكل المعبّر عن السرديات الجديدة بوصفها رواية تحاكم الرواية نفسها، حيث تتداخل المسافة بين الواقعي والمتخيل، وتستخدم أساليب المقاربة التهكمية وتشتت المعنى، واللامنطق والتناص مع روايات أخرى وتدخّل الكاتب نفسه لمساءلة الشخصيات والرواية، بحيث يختبر هذا النوع من الروايات تقنية السرد نفسها، ويستدعي ذلك مفهوم “ما وراء القص التاريخي” حيث يستعيد هذا النوع من القص الأحداث التاريخية ويعيد سردها بأساليب جديدة وأشكال روائية تضع الحدث التاريخي موضع المساءلة.
الكتاب يقدّم رؤية وافية عن أبرز التيارات والأفكار التي تتناول ما بعد الحداثة والتصورات المرتبطة بها
وفي ذلك اقتراب من تقنية بريخت في التغريب، إلا أن بريخت كان يعتمد على سردية كبرى متماسكة لتفسير أعماله “الشيوعيّة”، في حين أن رواية ما بعد الحداثة لا تتمسك بأيّ سردية كبرى، بل ترى أن هناك أحداثا تفسّر وفق منطقها الخاص بالتركيز في ذلك على الفردانية، والتصور الخاص، كما تستدعي مفاهيم التناص واتساعه حيث ترى تقنية “ما وراء القص” التي ترى أن لا نصّ أصيل، بل كل نص يستدعي غيره بصورة لا نهائية ما يفتح مجال التأويل بصورة لا نهائية في تجاوز لجهود أومبيرتو أيكو لضبط عملية التأويل هذه.
الأدب السايبري
تتناول أبورحمة الشكل الجديد من الأدب الذي يكون فيه القارئ والكاتب على مستوى واحد، فكلاهما يساهمان في تشكيل المعنى عبر أسلوب القراءة المرتبط باستخدام تقنيات الحاسوب والإنترنت والوسائط المتعددة بما يعرف بالأدب السايبري، وتشير الباحثة إلى الدراسات النقدية في هذا المجال والآراء المختلفة تجاه هذا النوع من النصوص، بالإضافة إلى استعراض المحاولات لإيجاد الجماليات الجديدة التي ترتبط بهذه النصوص، والتي تبتعد عن النص التقليدي المرتبط بالكتاب والورق.
ترفق الباحثة مع الكتاب عدّة ترجمات أهمها إعلان السايبورغ (1989)، الذي يؤسس لتصور جديد للإنسان وعلاقته مع الآلة، بحيث نقف أمام نموذج بشري يستثمر الآلة بصورة تتجاوز المفهوم التقليدي، لتتحول الميتافيزيقا التقليدية- الأوديبية، إلى ميتافيزيقا ما بعد حداثوية ترتبط بالآلة وقدرتها على التغلغل “العضوي أحيانا” في حياة الإنسان، بالإضافة إلى أنها تختتم الكتاب بمناقشة المفاهيم الأخلاقية المرتبطة بالتطور العلمي والعمل الطبي والإشكاليات التي ترتبط بالعلاقة بين المريض والطبيب والمجتمع في ظل انهيار الخصوصية، بالأخص في ما يتعلق بمواضيع زرع الأعضاء.يقدّم الكتاب رؤية وافية عن أبرز التيارات والأفكار التي تتناول ما بعد الحداثة والتصورات المرتبطة بها وخصوصا الحركات التي تتجاوزها كالأدائيّة أو”بعد ما بعد الحداثة” التي يصفها راؤول إيشلمان “بأنها الحقبة التي ابتدأ فيها التنافس المباشر بين المفهوم الموحد للعلامة واستراتيجيات الغلق من ناحية، والمفهوم المتشظّي للعلامة واستراتيجيات انتهاك الحدود المميّز لما بعد الحداثة من ناحية أخرى”.