ممدوح فراج النابي
عن “الدار المصرية اللبنانية”، صدرت رواية بعنوان “الموريسكي الأخير” للكاتب المصري صبحي موسى، التي يُحلِّق فيها بين أطلال وأشجان التاريخ الأندلسي القديم، وبين الأفراح والطموحات الكبرى في التاريخ المصري المعاصر، آخذا القارئ معه إلى عوالم شجية، تربط بين الماضي الأسطوري المفعم بالألم، والحاضر الاستثنائي المشبّع بالأمل.
يطير بنا الكاتب صبحي موسى في روايته “الموريسكي الأخير” إلى عوالم أسطورية، من خلال شخصية “مراد”، الموريسكي الأخير، أو عميد الموريسكيين، الذي يعيش في مصر حياة أشبه بحكايات جدته عن المجد الغابر، وحماية العين الراعية للأبناء والأحفاد، وكفاح الأجداد لاستعادة الملك الضائع، وغيرها من التفاصيل التي أجاد الكاتب سبكها، وأبدع في حبكها؛ ليصل الماضي بالحاضر، عبر أسلوب شيّق، رصين.
وقد استهل الكاتب روايته الثرية بالتفاصيل، بالمشهد الأشهر في مصر خلال السنوات الأربع الماضية، حين ملأت حشود كثيرة الميدان، “حشود من كل القرى والمدن والمذاهب والأحزاب والطوائف والفئات، باتت الحياة في مصر شبه متوقفة، ولا عمل لها غير الثورة، حتى أن المشهد اليومي لم يعد يعرف غير أناس تبيت في الشارع محتفية بأنها ما زالت على قيد الحياة”.
الماضي والحاضر
هذه اللحظة الفارقة في تاريخ مصر والمنطقة العربية، وربما العالم، هي التي اختارها الكاتب لتكون لحظة فارقة في حياة “مراد” أيضا، الموريسكي الأخير، حيث “العالم أضيق من ثقب إبرة، هكذا قال الموريسكي في نفسه”، كما تبدأ الحكاية، التي تتشابك خيوطها بوعي ودربة إبداعيين لكاتب امتطى صهوة الحرف فقاد جمله بحنكة ودراية، متنقلا من اللحظة الآنية إلى الماضي الأندلسي المأساوي بعبقه وتعقيداته، دون أن يفقد الخيط الذي يربط بين هذا الماضي البعيد، وبين تلك اللحظة التي يحياها بطل الرواية “مراد”، الذي يظل يبحث طوال الأحداث عن شيء لا يدرك كنهه.
الرواية تبدأ بالمشهد الأشهر في مصر خلال السنوات الأربع الماضية حين ملأت حشود كثيرة ميدان التحرير
فهو يبحث عن حجة وقف جده:
“كان قد تقدّم بطلب للحصول على نسخة معتمدة من حجة الوقف الخاص بالعائلة ورواق المغاربة،
حين كتبها جدّه عطية عام 1805، لم يكن يعلم أن محمد علي سيقضي على مهنة الملتزم، لكنه سعى إلى تأمين أسرته التي امتدت لعدة فروع”.
وحين يقترب من الحصول على الحجة، أو يكاد، يكتشف أنه وقع في فخ مؤامرة كبيرة.
لكنه لا يدرك كنهها أيضا، ولا يفهم من الصادق فيها ومن الكاذب. هل هو رجل الأمن الذي أوهمه بأنه رئيس دار الكتب وأستاذ التاريخ،
ودأب على حكاية تاريخ أسرته الأندلسية ومآسيها الماثلة في الروح رغم مرور الزمن؟ أم ابنة عمّته التي عادت للظهور في حياته باسم “راشيل”، بعد أن “سافرت منذ سنوات طويلة”،
ولا يتذكر منها “سوى طفلة بزي مدرسي تطارده في ردهة البيت كي يرسم لها سيدة في يوم عيد الأم”؟
يظل الموريسكي الأخير في متاهته،
تلك التي يحرص الكاتب على أن يربطها بخيط شفاف مع متاهة الموريسكيين القدامى، فيقدّم تاريخا محكيّا على ألسنة أبطال روايته، ويمزج ببراعة بين التاريخ الحقيقي المحكي، وبين الأحداث الواقعية
من خلال إيهام القارئ بأن كل تفاصيل الرواية ليست سوى تاريخ محكي، مستخدما قدراته السردية، وإسقاطاته الواعية على الواقع الذي نعيشه،
ومستدعيا أماكن ماثلة -ما زالت- أمام عيني القارئ ووعيه.
أخطاء الأجداد
من خلال القصة التاريخية، يستعرض الكاتب أخطاء الأجداد، وخطاياهم، والخيانات التي تعرضوا لها من أجل إجهاض حلم الاستقلال واسترداد المجد الضائع؛ لتستمر الأحداث متنامية ومتسارعة، على مستويين يتفقان في المغزى: المستوى الأول ما يحدث في مصر، خاصة في ميدان التحرير، في أثناء وبعد 25 يناير، وحتى حكم الإخوان، والمستوى الآخر ما حدث في الأندلس بعد الضياع الكبير، وتنقّل البطل القديم من البشرات إلى غرناطة ومن طلبيرة إلى طليطلة، وما بين القاهرة المحروسة وحومة الأندلس، في رحلات تاريخية عبر حدود الشجن.بينما يواصل “مراد”، المربوط بالتاريخ القديم عبر سلاسل الجينات الممتدة من جيل إلى آخر، حتى يصبح هو نفسه آخر عميد للموريسكيين في مصر، رغم صغر سنه، ومتاهاته الدائمة، والتي كانت جدته إحدى تجلياتها، حين يشيّعها وهو غارق في متاهاته المتكررة، التي تجعله يعيش بين الواقع والخيال، بين العقل والجنون، وكأنه نصفان “حين فكر في الصعود خلفها وجد الباب مغلقا أمامه، فألقى بتحية السلام واستدار للنزول، سمع أصداء صوتها من خلفه تقول: ولك مني السلام.حينها أخذت أقدامه تتحسّس الدرجات وروحه تحلّق في البعيد، شاعرا أنه نصفان، أحدهما يمشي على الأرض والآخر يطير في السماء، رأى النجوم مبعثرة في الفضاء، والموريسكيين يسعون خلفها على الأرض”.وبعد انتقال الجدة، يجد الموريسكي الأخير نفسه مضطرّا إلى اتخاذ القرار الحتمي، الذي يختتم به رحلة الضياع، تاركا مساحة من التأويل للقارئ الذي لا شك أنه سيقرأ كثيرا ممّا توارى بين السطور.

